
ابني رجع من عند أمه مش قادر يقعد قال لي: “ده تسـ,ـلخات يا بابا، بسيطة.” بس لما شفته بيتنفض قدامي كأن كهربا لمسته،.اتصلت بالشرطه ابني عنده عشر سنين ومعتدى عليه جسدياً. محتاج قوة ومعاينة طبية في العنوان ده فوراً.”.. ولا رفعت سماعة التليفون على المحامي.. أنا طلبت الإسعاف والنجدة فوراً. ليالي الأحد في القاهرة ليها تقبض القلب. الشمس بتغرق ورا البيوت، بس النهج والحر بيفضلوا كاتمين على النفس. الهوا بيبقى تقيل ومعدني، تحس إن الشوارع نفسها شايلة هم ومستنية مصيبة تحصل.
بالنسبة لي، يوم الأحد مكنش مجرد يوم إجازة.. كان يوم “التسليم والتسلم”. الساعة 7:00 بالثانية، كنت ركنت عربيتي في شارع ضيق في السيدة زينب، الحواري هناك ضيقة والمباني ساندة على بعضها زي رجالة عواجيز هدّهم التعب. عالم تاني خالص عن الكومباوند الهادي اللي ساكن فيه في الشيخ زايد. بس عمري ما اشتكيت.. عشان ابني ياسين كان عايش هنا. ياسين عنده عشر سنين. كتلة شقاوة ودوشة وأسئلة مابتخلصش. من نوعية العيال اللي بتنط من باب البيت قبل ما حتى أبطل الموتور.
الليلة دي، مجريش. خرج من باب البيت بيسحب في رجله.. بالراحة.. كأنه بيتحايل على جسمه عشان يتحرك خطوة واحدة. قلبي وقع في رجلي قبل ما أنزل من العربية. “أهلاً يا بطل،” قلتها بصوت بحاول أخليه طبيعي. “مالك في إيه؟” حاول يبتسم.. بس الابتسامة مكملتش، كانت مكسورة. “أهلاً يا بابا.” محدش حضـ,ـني.. وهنا بدأت سرينة الإنذار تضـ,ـرب في دماغي. “أنت كويس؟” سألته. “آه.. شوية تسلخات بس.” “من إيه يا حبيبي؟” “كنا بنلعب.. كورة وكده.” ياسين بيكره الكورة ومبيطقش ريحتها.
فتحت له باب العربية الوراني. فضل باصص للكنبة الجلد فترة طويلة، كأنه خايف منها.
وبعدين طلع ببطء، ماسك في حرف الباب بإيديه الاتنين. مقعدش عادي.. فضل “محلق”، نزل جسمه سنتي سنتي كأنه بيقعد على مسامير.
أول ما جسمه لمس الكنبة، خد نفسه بسرعة ووشه اتخطف. راح رامي جسمه لقدام وسند كوعه على ضهر الكرسي اللي قدامه.حكايات رومانى مكرم تمتم بصوت واطي: “هقعد كده أحسن.. كده مريح أكتر.” مريح أكتر. الكلمة كانت طالعة كأنه محفظينها له. طلعت بالعربية.. وكل مطب كنت باخده كان ياسين بيتنفض مكانه. كل إشارة حمراء كانت كأنها تحقيق أنا مش مستعد له. بدأت أسأله بالهداوة في الأول: “لعبتوا إيه يا يسو؟” “ولا حاجة.” “وقعت طيب؟” “مش قوي.”
“ماما ودتك للدكتور؟” “أنا كويس يا بابا.” إجاباته كانت بتصغر.. بتكش.. كأنه بيقفل على نفسه بميت قفل. لما وصلنا البيت، نزل من العربية بطلوع الروح. دخل الشقة، ورفض يقعد خالص. فضل واقف عند رخامة المطبخ وأنا بسخن العشا، يودي حمله من رجل لرجل ووشه متعصر. “ادخل خد دش يالا،” قلت له بهدوء. جسمه اتخشب. “أنا استحميت خلاص.” “معلش.. عشان تفوق.” هز راسه وسكت. عشر دقايق وخبطت عليه باب الحمام. “ياسين.. ينفع أدخل؟” سكت شوية.. “آه.. ادخل.”
فتح الباب يدوب يعدي جسمه. وهنا شفتها.. الطريقة اللي كان مكلبش بيها في نفسه. تشنج جسمه.. وضل خفيف لونه أزرق مخضر طالع من تحت هدومه عند أسفل ضهره. الدنيا اسودت في عيني. “إيه ده؟” سألته، وصوتي مكنش فيه أي هدوء المرة دي. ياسين ريقه نشف وبلع غصته بصعوبة. همس بصوت بيقطع القلب: “هي قالت إني أنا الغلطان.” “مين دي؟”
بص في الأرض ودموعه نزلت: “ماما.”
الأوضة فجأة مابقاش فيها هوا. “قالت لك إيه؟” “قالت لي لو قلت لك.. أنت هتزعل.. ولو زعلت، الدنيا هتبوظ أكتر.” حكايات رومانى مكرم في اللحظة دي، شفت قدام عيني كل جلسات المحاكم، وتحذيرات القضاة عن “التربية المشتركة”، وكل مرة كنت ببلع فيها لساني وبسكت عشان المركب تسير. ياسين بص لي.. واتوجع وهو بيحاول يفرد ضهره. خلاص.. خلصت. ما اتصلتش بالمحامي.. ولا كتبت إيميل.. ولا حتى بعت رسالة تهديد. دخلت مكتبي، رزعت الباب ورايا، وطلبت النجدة.
“أيوة يا فندم، أنا اسمي محمود منصور،” قلتها بصوت ثابت بشكل رعبني أنا شخصياً. “ابني عنده عشر سنين ومُعتدى عليه جسدياً. محتاج قوة ومعاينة طبية في العنوان ده فوراً.” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم حكايات الساعات اللي بعدها مكنتش مجرد وقت بيعدي، كانت كابوس طويل وممل. صوت سرينة الإسعاف وهي بتقطع هدوء “الشيخ زايد” كان بيعلن نهاية حياة وبداية حياة تانية خالص. ياسين كان قاعد على طرف السرير، ضامم جسمه ومنكمش، عينيه كانت بتتحرك في الأوضة برعب. لما دخلوا المسعفين، جسمه اتنفض ورجع لورا، كأنه مستني ضـ,ـربة تانية.
“ماتخافش يا حبيبي.. دول جايين يساعدونا،” قلتها وأنا صوتي بيترعش، رغم إني كنت بحاول أمثل الثبات. في المستشفى، الأجواء كانت تقيلة. الممرات ريحتها مطهر خانق، والممرضات بيبصوا لي بنظرات فيها شفقة ممزوجة بشك، لحد ما التقرير المبدئي طلع. الدكتور خرج من غرفة الكشف، وشه كان خالي من أي تعبير، بس عينيه كانت بتقول مصيبة. “أستاذ محمود.. إحنا عملنا المعاينة المبدئية،” الدكتور اتنهد وسكت ثانية، “الموضوع مش مجرد ضـ,ـرب.. فيه آثار اعتداء جسدي عنيف، وفيه نزيف داخلي بسيط. لازم يفضل تحت الملاحظة، والنيابة هتيجي تسمع أقواله حالاً.”
الدنيا دارت بيا. “اعتداء جسدي؟ ابني؟” دخلت لياسين.. كان نايم على السرير، باين عليه الهزال، ركبته مهزوزة تحت الغطا. قعدت جنبه ومسكت إيده اللي كانت باردة زي التلج. “ياسين.. يا حبيبي، قولي مين عمل فيك كده؟” سألته بهمس، “ماما؟” ياسين غمض عينيه بقوة، ودموعه نزلت على المخدة. “لأ.. مش ماما.” قلبي اتنفض. “أومال مين؟” صوته طلع مخنوق، يا دوب مسموع: “عمو حسام..” “مين حسام؟” “جوز ماما الجديد.. اللي قالت لي أقول عليه (خالو) عشان الناس ما تتكلمش.” ياسين كمل بشهقة مكتومة: “كان بيقفل الباب ويقول لي دي (لعبة الأبطال).. ولو نطقت بكلمة، هيحبس ماما وهيضـ,ـربني بالخرطوم.”
في اللحظة دي، حسيت بنار بتاكل صدري. “حسام” الشخص اللي كانت طليقتي “منال” بتقول عليه إنه “إنسان تقي ومحترم” وإنه “بيحب ياسين زي ابنه”. التليفون في جيبي مابطلش رن. كانت منال.
