
فتحت الخط، وصوتها كان جاي مليان زعيق وتوتر: “أنت مجنون يا محمود؟ باعت لي البوليس على البيت ليه؟ فضحتنا في الحارة! ياسين ماله؟ ده وقع من على العجلة!” “وقع من على العجلة يا منال؟” صرخت فيها لدرجة إن الممرضة دخلت تهنيني. “ابني بينزف يا فاجرة! ابني متهان في بيت جوزك وأنتِ بتغطي عليه؟” “أنت بتقول إيه؟ حسام مستحيل يعمل كده.. أنت أكيد بتتبلى عليه عشان تاخد الوصاية!”
قفت السكة في وشها. مكنش فيه وقت للكلام. النيابة وصلت، ووكيل النيابة بدأ يسأل ياسين بالراحة. الولد كان بيحكي والتفاصيل كانت بتدبحني. حكى عن الساعات اللي كان بيقضيها لوحده مع حسام لما أمه بتنزل تشتري طلبات البيت.. حكى عن التهـ,ـديد بالقـ,ـتل، وعن الوجع اللي كان بيخليه مش قادر يمشي. فجأة، الباب اتفتح ودخلت منال وهي بتنهج، ووراها “حسام”. كان لابس قميص مكوي وراسم على وشه علامات الذهول والتقوى. “فين ابني؟” صرخ حسام بتمثيل متقن، “إزاي تتهموني اتهام زي ده؟ أنا اللي كنت بربيه!”
ياسين أول ما شاف وشه، صرخ صرخة هزت المستشفى كلها، واستخبى تحت البطانية وهو بيترعش ومنهار تماماً. بصيت لحسام، والحقد ملى عيني. وكيل النيابة بص لياسين، وبعدين بص لحسام، وقال للعسكري بلهجة حاسمة: “كلبشوه.. وتحفظوا على المدام كمان.” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الكلبشات وهي بتتقفل على إيد “حسام” عملت صوت معدني رن في ودني زي المزيكا. ملامحه اللي كانت مرسومة بالهدوء والتقوى اتمسحت في ثانية، وحل محلها وش شاحب، خايف، وشرير. “أنا معملتش حاجة! دي مؤامرة عشان يطلقني منها ويحرمها من الواد!” صرخ حسام والعساكر بتسحبه للممر.
أما منال، فكانت واقفة مكانها، وشها أصفر زي الليمونة، عينيها بتلف في الأوضة تدور على مخرج. بصت لي بنظرة عمري ما هنساها، خليط من الرعب والغل. “محمود.. أنت بتدمر بيتي! حسام راجل طيب، ياسين أكيد فاهم غلط، دي كانت مجرد عقاب عشان مبيسمعش الكلام!” قالتها بصوت مرعوش. قربت منها، كان نفسي أصرخ، بس صوتي طلع واطي ومرعب: “عقاب؟ النزيف والآثار اللي على جسمه دي عقاب؟ أنتِ مش أم.. أنتِ شريكة في الجـ,ـريمة دي بجهلك أو بسكوتك. والبيت اللي بتخافي عليه ده، أنا ههده فوق دماغكم كلكم.”
وكيل النيابة شاور للعساكر: “المدام كمان تتفضل معانا على القسم للتحقيق في واقعة التستر والإهمال الجسيم.” لما خرجوا، الأوضة فضيت.. ماباقيش غيري أنا وياسين اللي كان لسه مستخبي تحت البطانية وبيترعش. قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي بالراحة فوق الغطا. “مشيوا يا حبيبي.. مشيوا خلاص. مفيش حد هيلمسك تاني طول ما أنا عايش.” ياسين طلع راسه ببطء، عينيه كانت حمراء من كتر العياط. سألني بصوت بيكسر القلب: “بابا.. هو أنا وحش؟ هو أنا اللي خليته يعمل كده؟”
السؤال ده كان سكـ,ـين واندبـ,ـحت بيها. “لأ يا ياسين.. أنت بطل. هو اللي وحش، هو اللي مريض، وأنا اللي آسف.. أنا اللي سبتك هناك كل ده.” في مكتب النيابة – الفجر
المواجهة كانت قاسية. حسام حاول ينكر، بس التقرير الطبي الشرعي كان “رصاصة” في صدر ادعاءاته. الآثار كانت مطابقة لتوقيتات وجود ياسين في البيت لوحده معاه. والنيابة واجهته بأقوال ياسين التفصيلية عن “لعبة الأبطال” اللي كان بيجبره عليها.
الأخطر كان اعتراف منال تحت الضغط. انهرت وبدأت تحكي إنها شافت “آثار” قبل كده وسألت حسام، بس هو أقنعها إن الولد “بيتدلع” ومحتاج “شدة” عشان يبقى راجل، وهددها بالطلاق لو اتدخلت. “كنت خايفة أتطلق تاني يا سعادة البيه!” قالتها وهي بتعيط. رد عليها وكيل النيابة بحزم: “خفتي من الطلاق وما خفتيش على ضناك؟” صدر القرار: حبس حسام 4 أيام على ذمة التحقيقات بتهمة الاعتداء الجنسي والجسدي، وحبس منال بتهمة التستر والإهمال. العودة للبيت رجعت بياسين “الشيخ زايد” الصبح. الشمس كانت طالعة، بس الدنيا في عيني كانت لسه ضلمة. الولد كان ماشي جنبي زي الخيال، فاقد الثقة في كل حاجة حواليه.
دخل أوضته، فضل واقف في نصها مش عارف يعمل إيه. جبت له ألعابه، الكتب اللي بيحبها، بس مكنش فيه رد فعل. الصدمة كانت أعمق من مجرد جروح بتلم. قعدت قدامه على الأرض، وبصيت في عينيه: “ياسين.. إحنا هنبدأ من جديد. هنروح لدكتور شاطر يساعدنا ننسى، وأنا مش هسيبك ثانية واحدة. أنت دلوقتي في أمان.” ياسين بص لي وسألني سؤال خلاني أعرف إن المعركة لسه في أولها: “بابا.. هو لو خرج من السجن.. هيجي ياخدني تاني؟”
مسكت إيده بقوة وقلت له: “على جـ,ـثتي يا ياسين.. على جـ,ـثتي.” لكل عشاق القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم الليلة الأولى في “الشيخ زايد” كانت أطول ليلة في حياتي. البيت اللي كنت بشوفه جنه هادية، فجأة اتحول لمكان موحش وواسع بزيادة. ياسين رفض ينام في أوضته، كان خايف من الضلمة، وخايف من الباب المقفول، وخايف حتى من خياله على الحيطة. فرشت له جنبي في أوضتي. فضل يتقلب لساعات، وأنا عيني عليه، قلبي بيتقطع مع كل نهجة أو فزعة وهو نايم. فجأة، حوالي الساعة 3 الصبح، قام مخضوض وهو بيصرخ: “لأ.. بلاش دي يا عمو.. والله هبقى شاطر!”
حضـ,ـنته بقوة، كان جسمه غرقان عرق وبيتنفض زي عصفور مبلول. “أنا جنبك يا ياسين.. أنا بابا.. مفيش عمو هنا، مفيش حد يقدر يقربلك.” فضل يعيط في حضـ,ـني لحد ما الفجر شقشق. في اللحظة دي، عرفت إن الوجع اللي في جسمه هيداوى بالدوا، بس الوجع اللي في روحه محتاج “معجزة”. المواجهة مع “العيلة” تاني يوم الصبح، جرس الباب مارحمش. فتحت ولقيت حمايا السابق “والد منال” ومعاه أخوها. وشوشهم كانت شايلة هم وخزي، بس كان فيها نظرة “رجاء” خلت دمي يغلي.
“محمود يا ابني.. إحنا مصدومين زينا زيك،” بدأ حمايا كلامه بصوت واطي، “منال غلطت، وحسام ده شيطان.. بس الفضيحة هتاكلنا كلنا. الناس في السيدة زينب مابترحمش، وسيرة البنت وسيرة ياسين هتبقى على كل لسان.” بصيت له بذهول: “يعني إيه يا حاج؟” أخو منال كمل: “يعني لو ينفع نغير الأقوال.. نقول إنه وقع، أو إن حسام ضـ,ـربه ضـ,ـرب عادي بسببه شقاوته، وبلاش موضوع (الاعتداء) ده عشان مستقبل ياسين.. عشان ميفضلش متعاير بطول عمره.”
قمت وقفت، وحسيت إني لو سكت هرتكب جـ,ـريمة تانية في حق ابني. “مستقبل ياسين؟ أنتم خايفين على منظرة عيلتكم واسمكم في الحارة، وناسيين إن ابني كان بيدبح كل يوم في بيتكم! التنازل ده معناه إني بقول لحسام كمل، ومعناه إني بقول لياسين إن حقك مالوش تمن. اطلعوا بره.. والمحكمة بينا.” رحلة العلاج – العيادة النفسية بعد يومين، كنت قاعد مع دكتورة “نهال”، متخصصة في صدمات الأطفال. كانت ست هادية، مكتبها مليان ألوان وألعاب، بس عينيها كانت بتفحص كل حركة لياسين وهو قاعد في الركن بيلعب بملل.
خرجت لي بعد ساعة من الجلسة الفردية معاه. “أستاذ محمود.. ياسين دخل في حالة (إنكار) و(جلد ذات). هو حاسس إنه هو اللي جذب الأذى لنفسه، وده أصعب أنواع الصدمات عند الأطفال.” سألتها بلهفة: “والحل يا دكتورة؟ هيرجع يضحك تاني؟”
“الحل في (الصبر). ياسين محتاج يحس بالسيطرة على حياته تاني. لازم يختار هو ياكل إيه، يلبس إيه، ينام إمتى. ومحتاج (علاج باللعب) وتفريغ للصدمة. بس الأهم.. إنه يشوف (المعتدي) بيتحاسب، ده جزء كبير من علاجه النفسي، إنه يعرف إن الحق رجع.”
المفاجأة الصادمة وأنا خارج من العيادة، جالي تليفون من المحامي بتاعي. صوته كان متوتر. “محمود بيه.. فيه تطور مش كويس.” “خير يا متر؟ حسام اعترف؟” “لأ.. حسام جاب محامي كبير، والمحامي قدم (فيديوهات) من كاميرا مراقبة كانت منال حطاها في الصالة عندها من غير ما حد يعرف.” قلبي وقع: “وفيديوهات إيه دي؟” “الفيديوهات بتبين ياسين وهو بيلعب مع حسام وبيضحك قبل الواقعة بيوم.. المحامي عايز يثبت إن العلاقة كانت (طبيعية) وإن ياسين (بيألف) القصة بتحريض منك عشان تاخد الحضانة.. والأسوأ، إن منال غيرت أقوالها في النيابة وقالت إنك هددتها عشان تشهد ضد جوزها!”
وقفت في نص الشارع، الدنيا بتدور بيا. الغدر مكنش من الغريب بس، الغدر كان من الأم اللي قررت تبيع ابنها عشان تنجي نفسها من السجن وتنقذ جوزها. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الخبر نزل عليا زي الصاعقة. “منال” مش بس سكتت، دي قررت تطـ,ـعن ابنها في ضهره عشان تحمي المجرم اللي دمر حياته. وقفت قدام عربيتي في وسط الزحمة، مش قادر أتنفس. الخـ,ـيانة لما بتيجي من الأم بتبقى رصاصة في القلب مفيش منها شفا.
“يعني إيه يا متر؟” صرخت في التليفون، “يعني الفيديوهات دي تمحي أثر النزيف والتقرير الطبي؟” المحامي رد بهدوء يحرق الدم: “يا أستاذ محمود، القانون بيتعامل مع أدلة. هما بيلعبوا على حتة (التشكيك). عايزين يصوروا للمحكمة إنك أب منتقم، وإنك غسلت دماغ الولد. وتغيير أقوال منال بيقوي موقفهم جداً، لأنها الأم، وشهادتها لها وزن.” المواجهة الصامتة رجعت البيت وأنا مش شايف قدامي. لقيت ياسين قاعد قدام التليفزيون، بس عينيه كانت سرحانة في الفراغ. بصيت له وحسيت بضعف رهيب.. أنا بحارب الدنيا كلها عشانه، وأمه بتحاربنا إحنا الاتنين.
دخلت المطبخ، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أفوق. لازم أهدى. لازم أكون أذكى منهم. فجأة، ياسين دخل ورايا. بص لي بهدوء غريب وقال: “هي ماما مش هتيجي تاخدني تاني صح؟” نزلت لمستواه ومسكت كتافه: “لأ يا حبيبي، مفيش حد هياخدك مني.” ياسين سكت شوية وبعدين قال كلمة جمدت الدم في عروقي: “ماما كانت عارفة يا بابا.. كانت بتشوفني وأنا بعيط في الحمام، وكانت بتقولي (استحمل عشان المركب تمشي).”
