Advertisements
Advertisements
روايات

عشرة ملايين حكايات اسما

Advertisements

سـأعطيك عشرة ملايين يا فتاه ان استطعتي امتطاء حصاني الاصيل…
هكذا صاح رجل ثري في وسط معرض المدينة، وصوته يعلو فوق ضجيج الحشود. في البداية، لم يأخذ أحد كلامه على محمل الجد.
فالحصان كان مقيّدًا منذ أسابيع، ينهق ويركل بعنف كوحشٍ هائج.
ثلاثة فرسان محترفين حاولوا امتطاءه… فسقطوا جميعًا.
أحدهم كُسرت ذراعه….قال الناس متذمّرين: هذا مستحيل…
لكن الرجل لم يتراجع. أخرج رزمة ضخمة من النقود، ورفعها عاليًا أمام الجميع.
عشرة ملايين! من ثم اضاف ساخرا: من يركب الحصان وينجح، فالمبلغ له…أما إن سقط… فيغادر صفر اليدين!
تبادل الرجال النظرات، والخوف بادٍ على وجوههم.

لم يجرؤ أحد على التقدّم خطوة واحدة…وفجأة…
خرج صوت خافت من مؤخرة الحشد:سـأركبه.
التفت الجميع في آنٍ واحد….كانت فتاة صغيرة….نحيلة الجسد، متّسخة الثياب، حافية القدمين…يتيمة، تعيش في الشارع منذ اختفاء والدتها…لم يكن لديها ما تخسره.
انفجر الرجل الثري ضاحكًا وقال باستهزاء: انتِ؟ حتى الوقوف قربه لن تحتملينه يا فتاة!
لم تُجب…لم تنظر إليه حتى….تقدّمت بخطوات ثابتة نحو الحصان.
تعالت ضحكات الناس….أخرج بعضهم هواتفهم لتصوير ما ظنّوه مهزلة…
لكن ما إن وقفت أمام الحصان…حتى تغيّر كل شيء.
توقّف الحصان فجأة….وسكن جسده الهائج…رفعت الفتاة يدها ببطء…ولمست أنفه برفق….ثم حدث ما لم يتوقّعه أحد.

أنزل الحصان رأسه… ساد صمت مطبق.
لم يُسمع سوى أنفاس الحاضرين.
ما حدث بعد ذلك… ترك الرجل الثري والمدينة بأكملها في ذهولٍ تام.
لأن ما فعلته تلك الفتاة الصغيرة مع ذلك الحصان البري
لم يكن صدفة…ولم يكن حظًا….بل كان شيئًا…لم يخطر على بال أحد…. عجبتك .. عندك شغف تكملها طيب صلي على لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
سـأعطيك عشرة ملايين يا فتاة إن استطعتِ امتطاء حصاني الأصيل…

كانت تلك الكلمات ما زالت تتردد في أذهان الحاضرين حتى بعد أن ساد الصمت، صمت ثقيل كأن المدينة كلها توقفت عن التنفس، لم يعد أحد يضحك، لم يعد أحد يصوّر، حتى الرجل الثري نفسه… انخفضت يده التي كانت تمسك المال، وعيناه اتسعتا بدهشة لم يعرفها من قبل، لأنه لم يرَ في حياته كلها شيئًا كهذا… فتاة حافية، ثيابها مهترئة، شعرها متشابك، تقف أمام حصانٍ هائج كأنها تقف أمام صديق قديم.
الحصان… الذي لم يهدأ لأحد، الذي كسر ذراع فارس، وألقى بآخر أرضًا حتى كاد يفقد وعيه…

كان الآن ساكنًا، عيناه مثبتتان على الفتاة، أنفاسه الثقيلة بدأت تهدأ، وكأن شيئًا خفيًا يربطه بها، شيئًا لا يُرى ولا يُفهم.
مدّت يدها أكثر… ولم تلمسه هذه المرة فقط، بل بدأت تمرر أصابعها على جبينه ببطء، بحذر، وكأنها تتحدث إليه بلغة لا يعرفها غيرهما… لغة بلا كلمات.
ثم همست.
لم يسمع أحد ما قالت… لكن الحصان سمع.
خفض رأسه أكثر… خطوة صغيرة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى… وكأنه يفسح لها الطريق.
همهمة انتشرت بين الناس… همسات متقطعة… “مستحيل”… “ده سحر”… “دي مجنونة”…

لكن الفتاة لم تلتفت، لم تنظر إلى أحد، لم يكن العالم بالنسبة لها سوى هذا الحصان… وهذا الصمت… وهذه اللحظة.
ثم، وببطء شديد… وضعت قدمها على الحاجز الخشبي، وارتفعت بجسدها الخفيف، لم تقفز، لم تندفع… بل صعدت كأنها جزء من المشهد… كأنها تنتمي إليه.
وحدث ما لم يتوقعه أحد.
لم يركل الحصان.
لم ينهق.
لم يتحرك.
بل… سمح لها.
جلست على ظهره… بثبات، دون سرج، دون لجام… فقط هي وهو.
صمت.
صمت مطلق.
حتى الريح كأنها توقفت.
ثم… فجأة…

رفع الحصان رأسه، وأطلق صوتًا قويًا هزّ المكان، لكنه لم يكن صوت غضب… بل شيء أقرب إلى إعلان… كأنه يقول: “انظروا… هذه ليست كغيرها”.
ثم بدأ يتحرك.
خطوة… خطوتان… ثلاث…
ثم ركض.
صرخ الناس… تراجعوا للخلف… بعضهم أغلق عينيه متوقعًا سقوطها في أي لحظة…
لكنها لم تسقط.
كانت متمسكة به… لكن ليس بقوة… بل بانسجام… جسدها يتحرك مع حركته، كأنهما تدربا معًا لسنوات.
الحصان ازداد سرعة.
ثم… أسرع.
ثم… كاد يطير.
والفتاة… ما زالت فوقه.
تمر لحظات كأنها دهور… ثم فجأة… توقف الحصان.
توقف بشكل مفاجئ…

لكن الفتاة لم تسقط.
انحنى الحصان قليلًا… كأنه ينهي عرضه… كأنه يعلن النهاية.
ثم حدث شيء أغرب.
أنزل رأسه… ولمس الأرض بأنفه… أمامها.
كأنه… ينحني.
صرخة واحدة خرجت من الحشد… ثم انفجرت الأصوات… دهشة، تصفيق، صراخ… لكن الفتاة لم تهتم.
نزلت ببطء من فوقه… ووقفت أمامه مرة أخرى.
وضعت يدها على وجهه… وابتسمت.
ابتسامة صغيرة… لكنها كانت أول مرة يراها أحد على وجهها.
الرجل الثري اقترب… ببطء، وكأنه يخشى أن يكسر هذا المشهد إن تحرك بسرعة.
نظر إليها… ثم إلى الحصان… ثم إلى المال في يده.

قال بصوت متردد لأول مرة: “كيف… فعلتِ ذلك؟”
لم تجب.
فقط نظرت إليه… نظرة عميقة… نظرة لا تشبه نظرات الأطفال… بل نظرة شخص رأى أكثر مما يجب.
قال مرة أخرى، بنبرة أقل غرورًا: “هذا الحصان… لم يهدأ لأحد… حتى أنا… لم أستطع الاقتراب منه… ماذا فعلتِ؟”
هذه المرة… تكلمت.
بصوت خافت… لكنه واضح.
“لم أفعل شيئًا…”
عبس الرجل… “هذا ليس جوابًا.”
نظرت إلى الحصان… ثم قالت: “أنتم… كنتم تحاولون السيطرة عليه.”
سكتت لحظة… ثم أكملت: “وأنا… حاولت أفهمه.”
ساد الصمت مرة أخرى.
كلمات بسيطة… لكنها وقعت كالصاعقة.

الرجل الثري شعر بشيء غريب… شيء لم يشعر به منذ زمن… شيء يشبه الخجل.
نظر إلى الحصان… لأول مرة… ليس كملكية… بل ككائن حي.
ثم نظر إليها… وقال بصوت منخفض: “المال… هو لك.”
مدّ لها الرزمة.
لكنها لم تتحرك.
نظر إليها باستغراب… “ألم تسمعي؟ عشرة ملايين.”
هزّت رأسها ببطء.
“لا أريدها.”
دهشة جديدة.
“لا تريدين؟! أنتِ تعيشين في الشارع!”
“أنا لا أريد المال… أريده.”
وأشارَت إلى الحصان.
تجمّد الرجل.
“ماذا؟”
“أريده… هو.”
ضحك بعض الناس مرة أخرى… لكن ضحكهم كان أضعف… مترددًا.

الرجل نظر إليها طويلًا… ثم إلى الحصان.
هذا الحصان… الذي اشتراه بمبلغ ضخم… الذي كان فخره… الذي أراد أن يثبت به قوته…
لم يطع أحدًا.
إلا هي.
تنهد.
ثم قال… بصوت لم يسمعه أحد منه من قبل:
“خُذيه.”
صمت.
ثم انفجر الحشد مرة أخرى.
لكن هذه المرة… لم يكن استهزاء… بل دهشة حقيقية.
الفتاة لم تبتسم… لكنها اقتربت من الحصان… وأمسكت بهدوء بشعر عنقه… وبدأت تمشي.
والحصان… تبعها.
بدون حبل.
بدون أمر.
فقط… تبعها.
خرجت من بين الحشود… والناس يفسحون الطريق لها دون أن يشعروا…

كأنها ليست مجرد فتاة… بل شيء أكبر… شيء لا يُفسَّر.
الرجل الثري ظل واقفًا… ينظر إليها وهي تبتعد.
ولأول مرة في حياته… لم يشعر بالقوة.
بل شعر… أنه كان أضعف من تلك الفتاة.
مرت الأيام.
والمدينة لم تنسَ.
القصة انتشرت… في كل مكان… المقاهي… الأسواق… البيوت… الجميع يتحدث عنها.
“الفتاة والحصان.”
لكن أحدًا… لم يعرف أين ذهبت.
حتى… بعد أسبوع.
رآها رجل عجوز… عند أطراف المدينة.
كانت تجلس بجانب الحصان… تحت شجرة.
لم يكن هناك عرض… ولا جمهور… ولا مال.
فقط… هدوء.
اقترب منها العجوز… وسألها:

“هل هو نفس الحصان؟”
هزّت رأسها.
نظر إلى الحصان… ثم قال: “غريب… يبدو مختلفًا.”
ابتسمت قليلاً.
“هو ليس مختلفًا… فقط… لم يعد خائفًا.”
سكت العجوز… ثم جلس بجانبها.
“وأنتِ؟”
نظرت أمامها… بعيدًا… حيث لا شيء.
وقالت: “أنا أيضًا… لم أعد خائفة.”
سكتا.
والريح تحركت.
والحصان… وضع رأسه بجانبها.
وكأن العالم… أخيرًا… هدأ.
لم يمر وقت طويل قبل أن يبدأ الفضول يلتهم المدينة من جديد… لم تكن القصة مجرد حكاية تُروى في المقاهي، بل أصبحت لغزًا، سؤالًا مفتوحًا لا يجد له أحد إجابة… من هي تلك الفتاة؟

وكيف استطاعت فعل ما عجز عنه أقوى الرجال؟ ولماذا رفضت المال واختارت الحصان؟
وفي صباحٍ باهت، حين كانت الشمس تحاول أن تشق طريقها بين الغيوم، ظهر الرجل الثري مرة أخرى في ساحة المعرض… لكن هذه المرة، لم يكن صوته عاليًا، ولم يكن محاطًا بالحراس أو الضجيج… كان واقفًا وحده… ينظر إلى المكان الذي وقفت فيه الفتاة.
شيء ما تغيّر فيه.
لم يعد ذلك الرجل الذي يلوّح بالمال ليثبت قوته… بل أصبح كمن يبحث عن شيء فقده دون أن يعرف اسمه.
همس لنفسه: “كيف استطاعت…؟”
لكن السؤال لم يكن عن الحصان هذه المرة… بل عنها هي.

في تلك اللحظة، اقترب منه أحد خدمه، وقال: “سيدي… وجدناها.”
رفع رأسه بسرعة، وكأن قلبه سبق عقله.
“أين؟”
“عند أطراف المدينة… قرب الأشجار القديمة.”
لم ينتظر… لم يسأل… فقط تحرك.
ركب عربته، وانطلق.
طوال الطريق، لم يكن يرى شيئًا… لا الشوارع، ولا الناس… فقط صورتها… وهي تقف أمام الحصان، بتلك السكينة التي لم يفهمها.
وصل أخيرًا.
نزل من العربة… وتقدم بخطوات بطيئة.
وكانت هناك.
تجلس على الأرض… ظهرها إلى جذع شجرة… والحصان بجانبها، رأسه قريب من كتفها… كأنه يحرسها… أو ربما… يستند إليها.
توقف.
لم يقترب فورًا.
شعر…

بشيء غريب… كأنه دخيل على هذا المشهد… كأنه لا يملك الحق في كسره.
لكنها… شعرت به.
رفعت رأسها ببطء… ونظرت إليه.
لم تفاجأ.
كأنها كانت تعرف أنه سيأتي.
اقترب أخيرًا… وتوقف على بعد خطوات.
“لم أتوقع أن أجدك هنا.”
لم ترد.
فقال: “المدينة كلها تبحث عنك.”
نظرت إليه… ثم قالت بهدوء: “لماذا؟”
تردد… ثم قال: “لأنك فعلتِ شيئًا… لم يفهمه أحد.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة… وقالت: “ليس كل شيء يحتاج أن يُفهم.”
صمت.
ثم جلس على الأرض… لأول مرة في حياته… بجانب فتاة من الشارع.
نظر إلى الحصان…

ثم قال: “لم يعد يبدو كوحش.”
“لأنه لم يكن وحشًا أبدًا.”
“لكن الجميع قالوا…”
قاطعته بهدوء: “الجميع كانوا خائفين منه… فصار يخاف منهم.”
سكت.
هذه الكلمات… لم تكن موجهة للحصان فقط.
نظر إليها… وقال: “وأنتِ؟ لماذا لم تخافي؟”
هذه المرة… لم تجب فورًا.
خفضت نظرها… ومررت يدها على الأرض… كأنها تبحث عن شيء في الذاكرة.
ثم قالت بصوت منخفض: “لأنني أعرف هذا الشعور.”
“أي شعور؟”
“أن يخاف منك الناس… دون أن يفهموك… وأن تصبح قاسيًا… فقط لأنك لم تجد من يهدئك.”
شعر الرجل بشيء يضغط صدره.

“من علمك هذا؟”
رفعت نظرها إليه… وقالت: “أمي.”
صمت.
“أين هي الآن؟”
لم تجب.
لكن الصمت كان كافيًا.
فهم.
لم يسأل أكثر.
جلس بجانبها… لأول مرة دون أن يشعر بأنه أعلى من أحد… أو أقوى… أو أغنى.
فقط… إنسان.
مرت لحظات طويلة… لا كلام فيها… فقط صوت الريح… وحفيف الأوراق… وأنفاس الحصان.
ثم قال فجأة: “هل تعلمين… أنني اشتريته لأثبت شيئًا؟”
نظرت إليه… “ماذا؟”
“أنني أستطيع السيطرة على أي شيء… أن المال يجعلني أقوى من كل شيء.”
ابتسمت… لكن ليس بسخرية… بل بشيء أقرب للشفقة.

“وهل نجح ذلك؟”
هزّ رأسه ببطء… “لا.”
“لأن القوة… ليست في السيطرة.”
نظر إليها… وقال: “بل في ماذا؟”
قالت: “في الفهم.”
سكت.
ثم قال بعد لحظة: “هل ستبقين هنا؟”
هزّت رأسها: “لا.”
“إلى أين ستذهبين؟”
نظرت بعيدًا… إلى الأفق.
“لا أعرف… لكن ليس هنا.”
شعر بشيء مفاجئ… شيء لم يتوقعه… لم يعجبه أنها سترحل.
قال بسرعة: “يمكنك البقاء… سأوفر لك مكانًا… بيتًا… طعامًا… كل شيء.”
نظرت إليه… طويلاً.
ثم قالت: “ولماذا؟”
لم يعرف كيف يجيب.
لأول مرة… لا يملك جوابًا جاهزًا.
قال أخيرًا: “لأنك…

تستحقين.”
ابتسمت… لكنها هزّت رأسها.
“أنا لا أريد أن أعيش لأنني أستحق… أريد أن أعيش لأنني حرة.”
كلماتها… كانت هادئة… لكنها قطعت شيئًا داخله.
فهم… أو بدأ يفهم.
نهض ببطء.
“إذا احتجتِ شيئًا… ستجدينني.”
هزّت رأسها… دون وعد.
استدار… ومشى.
لكن قبل أن يبتعد… توقف.
ثم قال دون أن يلتفت: “ما اسمك؟”
سكتت لحظة.
ثم قالت: “ليان.”
ابتسم… دون أن يراها.
“اسم جميل.”
ثم رحل.
وظلت هي… مع الحصان… تحت الشجرة.
لكن هذه المرة… لم تكن وحدها حقًا.
كان معها… شيء أكبر.

شيء يشبه السلام.
ومع غروب الشمس… وقفت.
وضعت يدها على عنق الحصان… وقالت بهدوء: “هيا.”
فتحرك.
ومشيا معًا… نحو طريق لا يعرفه أحد.
لكن… لأول مرة… لم يكن ذلك مخيفًا.
بل… كان بداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!