
مرت أسابيع وأنا أراقب بصمت، وكلما اقتربتُ منها، ابتعدت. كلما لمست يدها، سحبتها بلطف وابتسمت كاعتذار. وكنت أُقنع نفسي بالصبر… لكن الصبر حين لا تعرف على ماذا تصبر، يتحول إلى وجع. في إحدى الليالي، وبينما كنت نصف نائم، شعرت بها تغادر السرير. رأيتها تتحرك في الظلام بخفة، كأنها تعرف الطريق دون ضوء. دخلت الحمّام وأغلقت الباب بصوت يكاد لا يُسمع. هذه المرة… لم أستطع منع فضولي. نهضتُ، واقتربت من الباب ووضعـت أذني عليه. صوت الماء كان مسموعًا كالعادة… لكن صوتها كان يعلو عليه. كانت تبكي. تبكي بكاءً مكتومًا… بكاء شخص يحاول ألّا يسمعه أحد. بكاء يقطع القلب.
في الصباح التالي، سألتها بطريقة لطيفة: «إنتِ بخير يا لي لي؟ شكلك مرهقة؟» نظرت إليّ قليلًا، ثم قالت: «بخير… لا تقلق». لكن ملامحها كانت تخفي كتابًا كاملًا خلف ظهرها. قررت أن أفهم بطريقتها. في ليلة أخرى، بعدما دخلت الحمّام، أمسكتُ هاتفها. لم يكن فيه شيء… إلا تطبيق مقفل بكلمة سر. ترددت، ثم أعدت الهاتف مكانه. شعرت بذنب شديد. كنت أحبها، وأخاف عليها… لا منها. حكايات توته وستوته للكاتبه اسما السيد
لكن تلك الليلة تغيّر كل شيء. عندما خرجت من الحمّام، لم تلاحظ أنني مستيقظ. كانت ترتجف قليلًا، وضعت منشفتها وجلست، تنظر إلى يديها وتلمس جلدهما كأنها تبحث عن شيء. ثم فتحت درج الكومود، وأخرجت زجاجة صغيرة بلا ملصق. شمّتها قليلًا… ثم خبّأتها مجددًا. في الصباح، فتحت الدرج. الزجاجة كانت فارغة. هنا بدأت الشكوك تنهش عقلي. هل هناك شخص آخر؟ هل هي مريضة؟ لكن بكاءها… رعشتها… خوفها… لم يشبه امرأة تخون. بل يشبه امرأة تهرب من شبـ . ــح.
بعد أسبوع، وبينما كانت في عملها، قررت أن أبحث. في دولابها، في أدراجها… حتى وجدت صندوقًا صغيرًا أسفل الملابس الشتوية. فتحته. كان مليئًا برسائل… كلها بخط رجل. وبينها… عقد زواج قديم ممزق. زوجتي لي لي… كانت متزوجة. ولم تخبرني. لكن الرسالة الأخيرة كانت الأكثر رعبًا: «لن تكوني لأحد غيري. حتى لو هربتِ، سأجدك. علامتك لن تختفي… مهما غسلتِ.»
في تلك اللحظة فهمت كل شيء. المياه… الروائح… الحمام الليلي… كانت تحاول أن تغسل شيئًا تركه رجل آخر على جسدها. عندما واجهتها ليلًا، نظرت إليّ وقالت بهدوء: «كنت ناوية أحكيلك… بس خفت.» سألتها: «من إيه؟» قالت: «من إنه يلاقيني.» سألتها: «مين؟» قالت: «جوزي الأول.» رفعت كمّها… وظهرت ندبة طويلة على معصمها. قالت: «ده عمله… لما حاولت أسيبه.» ثم أكملت بصوت مكسور: «ما اتط.لقتش… هربت.» شعرت أن الأرض تميد بي. لي لي ليست مط.لّقة… بل هاربة. قالت وهي تبكي: «كنت فاكرة إنه مش هيلاقيني.» سألتها: «وليه بتستحمي كل ليلة؟» قالت: «يمكن… الندبة تختفي.» ثم همست: «يمكن… ريحته تروح.»
في تلك الليلة… سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. ثلاث دقات. فتحت… لم يكن أحد. لكن لاحقًا… وصلتنا رسالة أسفل الباب: «الغسيل… ما يغيّرش اللي ملكي.» لي لي انهارت. وفي منتصف الليل، سمعت صوتًا على النافذة. كفّ كبيرة مرسومة بالبخار… من الخارج. ثم همسة: «لي لي…» وقف شعر جسدي. قررنا الهرب. وعندما وصلتُ للسيارة… كان واقفًا أمامنا. طويل. نحيف. وجه باهت. عينان سوداوان. قال بصوت منخفض: «لي لي… لسه مراتي؟» صرخت: «مش هرجعلك!» مدّ يده وضر.ب الزجاج. انط.لقت بالسيارة.
ذهبنا للشرطة. أخذوا بلاغًا رسميًا. وبعد ساعات، قال شرطي: «في حد بيقول إنه أبوها… وعايز يشوفها.» تجمّدت. وعندما خرج الشرطي… قال: «اختفى.» نُقلنا لمكان آمن. نامت لي لي لأول مرة دون استحمام. ثم أخبرت الطبيبة النفسية بكل شيء. الطبيبة قالت: «هو مش قوة خارقة… هو رجل مؤذٍ يعرف خوفك.» بعد ثلاثة أيام… قبـ . ــضوا عليه. كان مختبئًا في مخزن. له قضايا كثيرة مفتوحة. لكن قبل المحكمة، قالت لي لي لي شيئًا حطم قلبي: «هو… مش بس جوزي الأول. هو… أبويا.»
كانت ضحيــ .ــة زواج قسري منذ طفولتها. وكان يقول لها دائمًا: «ريحتي فيكي… مهما غسّلتي.» في المحكمة، واجهته أخيرًا. قال لها: «عمرك ما هتهربي… ريحتي في دمك.» لكنها ردت بثبات لأول مرة: «الريحة… كانت خوف. والخوف ما.ت.» خرجنا من المحكمة، لي لي تبتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية. قالت: «عايزة أعيش… من غيره.» قلت: «وهتعيشي.» قالت: «ومن غير الغسيل.» قلت: «ومن غير الخوف.» أمسكت يدي وقالت: «زيد… إنت رجّعتني لنفسي بحبك جدا.» وفي تلك اللحظة… كانت لي لي أخيرًا حرّة.
… تمت