
لُعِ-ن الطفل ورفض-ه الجميع… حتى رأت امرأة عمياء حقيقته
لعـن الطـفل وتـم رفضه من الجـميع حتى راته امراه عمياء حقيقته ..
لم يأكل يوسـف مـنذ ثـلاثـة أيـام، ومـرت خـمسة أيـام كامـلة لـم يسمع فيـها أحـد ينـاديه باسـمه.
وفـي عمـر صـغير كهذا، تعلـم ما لا ينبغـي لأي طفل أن يتعلـمه: كيـف يكون الإحسـاس بالاختـفاء دون مـو.ت.
كان يسـير بيـن أهـل قريتـه، يحتك بسـيقان الكبار، يصـرخ ويبـكي ويتعثـر، فلا يلتـفت إلـيه أحـد، ولا تمـتد يد، ولا تلتـقطه عـين. كأن وجوده لم يكن…كأن الهواء أثقل منه.
قالوا إن لعنة حلت به…لعنة نطق بها راشـدون لم يترددوا لحظة في قسوتهم.
طفل هـش، بثياب مرقعة وبشرة أنهكها الجوع، لم يقترف ذنبًا سـوى أنه وُلد في مكانٍ أخطأ في احتوائه. وقف يوسف بين جبالٍ خضـراء تحيـط بقرية الوادي، وبين نهرٍ بارد صافٍ وغاباتٍ كثيفة، يتجوّل بلا وجهة، يرجو أن يتذكّر العالم فجأة أنه حقيقي. لكن العالم لم يتذكر…طرق أبوابًا لم تُفتح، وتـبع ظلالًا لم تتوقف، حـاول أن يعـانق أجسادًا مـرت خلاله دون أن تشعر بوجوده. كـان يبكي كل ليـلة وهو ينظر إلى القمر، يتوسّل صـوتًا واحـدًا فقط أن يجيبه، اسمًا واحـدًا يُنـطق، اعـترافًا بسيطًا بأنه موجود لكن القرية أعلنت حكمها ..يوسف غير مرئي.
وكـان ذلك عقابًا قاسيًا لطفل بالكاد يعرف كيف يربط حذاءه حتى في قلب الغابة الرطبة، حين جفّت دموعه ولم تعد قواه تكفي للبكاء، سمع ما بدا مستحيلًا.صوت امرأة ناعم لكنه ثابت، يشقّ الفراغ قائلًا: هل من أحد هنا؟… أشعر أنني لست وحدي…لأول مرة منذ أن سقطت اللعنة، أدرك أحدهم وجوده لكن المفارقة أن تلك التي شعرت به لم تكن تملك ما يملكه الآخرون….لم ترَ بعينيها…بدت القرية من بعيد هادئة؛
بيوت طينية صغيرة تتكئ على السفوح، نهر يغني في طريقه، ونسيم بارد يحرك الأشجار كأنها تخفي أسرارًا قديمة لكن بالنسبة لطفل في الخامسة حُكم عليه بالصمت، كان هذا الجمال سجنًا مفتوحًا قضى يوسف أيامه بين أطراف الغابة وضفاف النهر.
أحيانًا كان يلتقط الحصى المسطّحة ليشعر أنه ما زال قادرًا على لمس شيءٍ حقيقي وأحيانًا أخرى كان يصغي إلى الريح، متخيّلًا أنها تحمل له عناقًا لم يعد يتلقّاه بلغت وحدته حدًّا جعل الحيوانات تفرّ قبل أن تقترب منه.
وبدأ يصدق أن اللعنة لم تجعله غير مرئي فحسب، بل محته من الداخل، كأن وجوده نفسه خطأ وفي تلك القرية نفسها، المختبئة بين المسارات الرطبة وجذور الغابة العتيقة، عاشت امرأة لم تشبه أحدًا….كانت تُدعى الحاجة زينب…امرأة عجوز عمياء، تسير بعصا خشبية كأنها دليلها الوحيد، وتحمل دائمًا إناءً صغيرًا تملؤه من النهر…لم تكن ترى بعينيها، لكنها كانت ترى بروحها…تدرك ما تجاهله الآخرون، وتسمع ما صمت عنه الجميع.
ولم يكن أيٌّ منهما يعلم بعد، أن الأقدار كانت على وشك أن تجمع بين طفلٍ لم يستطع أحد رؤيته، وامرأةٍ رأت ما وراء العيون والجلد واللعنات…
اقترب الصوت أكثر وكان ثابتًا على غير ما اعتاد يوسف من أصوات البشر تلك التي تمر من خلاله دون أن تتوقف قالت المرأة ثانية هل من أحد هنا أنا أشعر بخطوات صغيرة على العشب وبنَفَسٍ متقطّع لا يشبه الريح ولا يشبه الحيوان تجمّد يوسف في مكانه لم يعرف هل يهرب كما اعتاد أم يظل واقفًا فالصوت لم يحمل تهديدًا ولا سخرية بل حمل يقينًا غريبًا كأن صاحبه يرى ما لا يُرى قال بصوت خافت بالكاد خرج من حلقه أنا هنا
ارتعش الصوت في الهواء لكنه لم يضِع توقفت العصا الخشبية عن الطرق على الأرض ومالت المرأة برأسها قليلًا كأنها تصغي لقلب الغابة نفسها ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة دافئة وقالت كنت أعلم أنني لست وحدي تعال يا صغير لا تخف اقترب يوسف خطوة ثم أخرى كان قلبه يدق بعنف لم يسبق له أن دُعي من قبل لم يسبق أن قال له أحد تعال حين صار على مسافة قريبة مدّت المرأة يدها ببطء لم تبحث عنه بعشوائية بل تركتها مفتوحة في الهواء كأنها تنتظر أن يُكمل هو الطريق ولمّا لمس كفّها شعرت برجفة خفيفة فشدّت عليه بلطف وقالت اسمك يوسف أليس كذلك
شهق الطفل كيف عرفت قالت لأن الأرض نطقت به حين خطوت ولأن الجوع له أسماء كثيرة لكن هذا الاسم أعرفه جلس يوسف إلى جوارها على جذع شجرة مائل وبكى بكاءً طويلًا لم يُقاطَع ولم يُستعجل ولم يُنكر بكى حتى هدأ صدره وحتى عاد الهواء إلى رئتيه وكأن العالم قرر أخيرًا أن يسمح له بالتنفس أخرجت الحاجة زينب من جرابها الصغير كسرة خبز وقطعة جبن وناولتهما إليه لم تسأله من أين جاء ولا لماذا هو وحيد كأنها تعرف أن بعض الأسئلة تؤلم أكثر من الجوع أكل ببطء شديد يخشى أن ينتهي الطعام فيعود الاختفاء
قالت له بعد حين الناس لا يرون ما يخافون منه يا يوسف وحين يعجزون عن الفهم يخترعون اللعنات سألها ولماذا لا ترينني مثلهم ابتسمت وقالت لأن عينيّ استراحتا منذ زمن ولم تعودا تخدعاني أخذته معها إلى كوخها الصغير عند أطراف الغابة كان بسيطًا لكنه دافئ رائحة الحطب فيه مطمئنة وصوت الغليان على الموقد يشبه همس أم قديمة هناك نام يوسف لأول مرة دون أن ينظر إلى القمر ليستجدي اعترافًا في الصباح غسلته عند النهر بيديها المرتجفتين وغسلت ثيابه ورتبت شعره وقالت له أنت لست ملعونًا أنت فقط وُلدت في مكان نسي كيف يحب
مرت الأيام وبقي يوسف مع الحاجة زينب كانت تعلّمه كيف يسمع العالم دون أن يراه كيف يميّز خطوات الناس من وقع أقدامهم وكيف يعرف الصدق من نبرة الصوت وكيف يحتمي من القسوة بالصبر لا بالاختفاء بدأ جسده يستعيد قوته وعيناه تستعيدان بريقًا كان غائبًا وفي القرية بدأ الهمس يظهر من جديد قيل إن الطفل عاد قيل إن العمياء أخفته قيل إن اللعنة ستنتقل إليها لكن الحاجة زينب كانت تمر بعصاها مرفوعة الرأس لا تلتفت وفي يوم جاء شيخ القرية يتقدّم الرجال ووقف عند باب كوخها وقال هذا الطفل نذير شؤم
وقفت الحاجة زينب أمامه وقالت بل أنتم من نذرتم أنفسكم للقسوة مدّت يد يوسف وأمسك بها أمام الجميع وقالت هذا الطفل حي وأنتم من اختار أن يكون أعمى لم يحدث شيء لم تنشق الأرض ولم تهب عاصفة لكن شيئًا آخر أخطر حدث صمت الناس لأن الحقيقة حين تُقال بصدق تُربك بعد أسابيع مرض طفل من أطفال القرية واشتد عليه الحمى ولم يعرفوا له علاجًا فجاءوا مضطرين إلى كوخ العمياء كانت الحاجة زينب تعرف الأعشاب وتعرف كيف تُصغي للجسد أنقذ الطفل وعاد إلى أمه
وفي تلك الليلة قال يوسف للحاجة زينب هل ما زلت غير مرئي قالت له الآن بدأوا يرون ولكن ليس لأنهم تعلّموا بل لأنهم احتاجوا كبر يوسف عامًا بعد عام صار يساعدها ويقودها في الطرقات وصار الناس ينادونه باسمه لم يعد الاسم غريبًا على أفواههم وفي أحد الأيام جلس يوسف على ضفة النهر وسألها لماذا اختارك القدر أنت قالت لأن بعض القلوب تُمنح الظلام كي ترى النور وحين ماتت الحاجة زينب بعد سنوات طويلة دفنها يوسف بيديه وبكى كما بكى أول مرة لكنه لم يختفِ هذه المرة لأن القرية كلها كانت تنظر إليه
لم يعد الطفل الملعون بل صار الرجل الذي عرف معنى الرؤية دون عينين وهكذا انتهت اللعنة حين راته من لم تكن ترى وبدأت الحياة حين نُطق اسمه بصدق…يـوسف

