Advertisements
Advertisements
منوعات

المشرد الوسيم حكايات أسما -1

Advertisements


فـي كـل منـاسبة… كانـت أمـي بتـأكل شـاب غلـبان فـي مغسـلة هـدوم قريبـة مـن بيـتنا بـس بعد سنين شفته اتصـدمت ..
كانت أمي كل فترة تعمل أكل كتير كأننا مستضيفين عزومة كبيرة.
لحمة في الفرن، بطاطس، خضار، وريحة العيش البلدي كانت بتملأ البيت دفا.
ومهما كانت ظروفنا… كانت دايمًا بتحط طبق تاني على جنب.
الطبق ده… كان لشاب اسمه يوسف.
كان بينام في مغسلة هدوم صغيرة في آخر الشارع… دايمًا في نفس الركن… متغطي ببطانية خفيفة.
أمي عمرها ما عاملته كأنه مش موجود…كانت بتسلم عليه… تسأله عامل إيه… وتسيب له الأكل بإيدها.
وأنا صغيرة… كنت بستغرب.
كنت بقول لنفسي: “إيه لازمة كل ده؟”
بس أمي كانت فاهمة حاجة أنا ما كنتش فاهمها وقتها.
يوسف كان لوحده… فقد أهله… والدنيا رمت عليه حمل تقيل.
ومع الوقت… الموضوع ما بقاش أكل وبس.
بقت تسيب له هدوم شتوي… جوانتي… سويت شيرت تقيل…
مرة حتى عرضت عليه تساعده يلاقي مكان يعيش فيه.
بس هو رفض بهدوء وقال: مش عايز أكلفك ارجوكي كفايع
ابتسمت له : اوعا تقول كده.. انت زي ابني بالضبط..
السنين عدت…..أنا كبرت… سبت البيت… بدأت حياتي…
وأمي فضلت على نفس العادة… من غير ما تتغير.
لحد ما… تعبت…
المرض دخل حياتنا فجأة… وقلب كل حاجة.
سنة كاملة من الوجع… من الخوف… من الأمل اللي بيروح ويرجع…
لحد ما أمي… مشيت… ماتت
ومن بعدها… الدنيا بقت ساكتة بشكل غريب.
في يوم… وقفت في المطبخ…
ببص على صوانيها… وعلى ذكرياتها في كل حاجة حواليّ.
وساعتها… سمعت صوتها جوايا: يوسف مستني…
ما قدرتش أتجاهل.
طبخت… زي ما كانت بتعمل…
ولفيت الأكل… وروحت للمغسلة.
قلبي كان بيدق بسرعة…
مش عارفة ليه… بس كنت حاسة إن في حاجة مختلفة.
ولما وصلت… ومشيت ناحية الركن اللي دايمًا بيكون فيه…..وقفت فجأة.
لأن يوسف… كان واقف.
مش نايم…مش مكسور…
كان لابس بدلة.
نضيف… متظبط… كأنه شخص تاني خالص.
وفي إيده… بوكيه ورد أبيض…
بصلي… وابتسم ابتسامة فيها دموع وقال:
“أنا كنت مستنيك.”
وقتها… حسيت إن في حاجة أكبر من مجرد صدفة.
وقبل ما أستوعب… قال جملة خلت الدنيا تلف بيا: مامتك كانت مخبية عنك حاجة…
اللهم اخرجنا من كل ضيق إلى أوسع طريق.. واهدِ نفوسنا لما يرضيك ووسّع علينا في أنفسنا وأحوالنا يا كريملايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد

بصيت له وقلبي بيدق بسرعة غريبة… مش خوف بس… ولا فضول عادي… كان إحساس تقيل كأن اللحظة دي هتغير كل حاجة في حياتي… قلتله بصوت واطي وأنا بحاول أستوعب شكله: يعني إيه ماما كانت مخبية عني حاجة؟ يوسف خد نفس عميق وبص حواليه كأنه بيدور على الكلمات المناسبة… وبعدين بصلي تاني وقال: أنا مش عارف أبدأ منين… بس لازم تعرفي الحقيقة… لأن مامتك كانت عايزة كده في الوقت المناسب… سكت لحظة وبعدين كمل: أنا ما كنتش مجرد شاب غلبان كانت بتأكله… مامتك كانت بالنسبة لي كل حاجة… الكلمة وقعت عليا تقيلة… حسيت إني مش فاهمة… قلتله: تقصد إيه؟ قال بهدوء:

تقصد إنها كانت سبب إني أبقى واقف قدامك دلوقتي بالشكل ده… وإن حياتي ما تنتهيش في الركن ده… دموعي بدأت تتجمع وأنا سامعاه… كمل: زمان… قبل ما تعرفيني أصلاً… أنا كنت تايه… ضايع… فقدت أهلي وأنا صغير واترميت في الشارع… مفيش حد بيسأل عليا ولا حد شايفني… كنت بنام في المغسلة علشان صاحبها كان بيسيب الباب مفتوح بالليل… كنت باكل من الزبالة أوقات… وأوقات بفضل يومين تلاتة من غير أكل… لحد اليوم اللي مامتك دخلت فيه… يومها كانت شايلة نفس الأكل اللي انتي وصفتيه… ريحته كانت مالية المكان… وأنا كنت مكسوف أبص حتى… بس هي اللي قربت…

سلمت عليا كأني إنسان طبيعي… وسألتني اسمي… أول مرة حد يسألني السؤال ده من سنين… قلت لها يوسف… ابتسمت وقالتلي: تشرفنا يا يوسف… ومن يومها… ما سابتنيش… كنت بسمع كل كلمة وقلبى بيوجع… كأنه بيحكيلي حكاية كنت المفروض أعرفها من زمان… قال: في الأول كانت بس بتجيبلي أكل… بعد كده بدأت تسألني… أتعلمت إيه؟ كنت بحب إيه؟ نفسي أكون إيه؟ وأنا كنت بهرب من الإجابات… علشان مكنتش شايف لنفسي مستقبل أصلاً… بس هي ما بطلتش… كانت كل مرة تيجي تقعد معايا شوية… تحكيلي… تضحك… كأنها بتديلي إحساس إن ليا قيمة… ومع الوقت… بدأت أستنى اليوم اللي هتيجي فيه…

مش علشان الأكل بس… علشان الكلام… علشان الإحساس إني بني آدم… سكت لحظة وابتسم ابتسامة حزينة: في يوم جابتلي كشكول وقلم وقالتلي: اكتب اسمك… اكتب أي حاجة… وفضلت معايا لحد ما عرفت أكتب اسمي صح… وبعدها كل مرة كانت تجيبلي حاجة جديدة… كتاب بسيط… قصة… حتى لو مش فاهم… كانت تقعد تشرحلي… واحدة واحدة… علمتني أقرأ… علمتني أكتب… وأنا عيني وسعت من الصدمة… قلت: ماما عملت كل ده؟ هز راسه وقال: أكتر من كده بكتير… في يوم قالتلي: مش هينفع تفضل هنا طول عمرك… لازم تشتغل… ودورتلي على شغل بسيط في ورشة قريبة… وأنا خفت… كنت فاكر إني هفشل…

بس هي كانت ورايا… كل يوم تيجي تسألني… شغلك عامل إيه؟ حد ضايقك؟ محتاج حاجة؟ كنت بحس إنها أمي… فعلاً… سكت شوية وبعدين كمل بصوت مبحوح: بس ده مش السر… السر الأكبر… إن مامتك كانت بتدفعلي فلوس تعليمي من غير ما أعرف… حسيت إن الأرض بتلف بيا… قال: بعد فترة صاحب الورشة لاحظ إني بتعلم بسرعة… ورشحني لمعهد صنايع… وأنا قلت مستحيل… مفيش فلوس… ساعتها مامتك قالتلي: سيبك من الفلوس… ركز بس… وأنا عرفت بعد كده إنها كانت بتدفع كل حاجة… مصاريف… كتب… حتى لبس… من غير ما تقول لي… دموعي نزلت غصب عني… افتكرت قد إيه كانت بسيطة…

قد إيه كانت بتوفر في كل حاجة… وهو كمل: أنا خلصت المعهد… واشتغلت… واحدة واحدة… بقيت أحسن… وبعد سنين… فتحت مشروع صغير… وبعدين كبر… وبقيت عندي شركة… وأنا واقف مش مصدقة… الشخص اللي قدامي… اللي في بدلة… ده يوسف؟ قال: كل خطوة في حياتي… كانت بسببها… بس هي طلبت مني حاجة واحدة… بصلي بتركيز وقال: قالتلي أوعى تقول لبنتي… عايزة الخير يبقى لوجه ربنا بس… ومش عايزة حد يحس إنه مديون ليها… سكتت… قلبي بيوجع وفي نفس الوقت حاسه بفخر مش طبيعي… قال: أنا حاولت أكتر من مرة أقولها إن لازم تعرفي… بس كانت ترفض… وتقول: لما أمشي… ابقى قولها…

علشان ما تزعلش مني إني مخبيتش عليها… وأنا حسيت إن الدنيا ضاقت بيا… قلتله بصوت مكسور: طب والورد؟ ليه جايب ورد؟ ابتسم وقال: ده كان ليها… كنت ناوي أجيلها قبل ما تموت وأقولها إنها نجحت… إنها عملت بني آدم… بس ما لحقتش… فسكت لحظة وبعدين مد البوكيه ناحيتي وقال: ده ليكي… علشان هي كانت بتقول إنك قلبها… وإنك هتكوني زيها… مسكت الورد وأنا بعيط… مش عارفة أقول إيه… قال: في حاجة كمان… مد إيده وطلع ظرف… وقال: ده ليكي… كانت سايباه عندي… قالتلي أديهولك في اليوم ده… إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه… لقيت ورقة بخطها… نفس الخط اللي كنت بحبه… “بنتي…

لو بتقري الكلام ده يبقى أنا مشيت… بس أنا مطمنة… علشان سيبتلك حاجة أكبر من أي فلوس… سيبتلك دعوة من قلب حد كان تايه وربنا هداه… الخير اللي بنعمله يا بنتي عمره ما بيروح… حتى لو مستخبي… أنا عايزاكي تكملي… مش علشان حد… علشان نفسك… علشان ربنا يوسع عليكي زي ما وسع على غيرك بسببك… بحبك… ماما” الورقة وقعت من إيدي وأنا بعيط… بس المرة دي كان عياط مختلف… مش بس حزن… كان امتنان… كان راحة… كان إحساس إني عرفت ماما بجد لأول مرة… بصيت ليوسف وقلتله: أنا مش عارفة أشكرك إزاي… قال بهدوء: اشكرِها هي… وبعدين ابتسم وقال: وأنا مستنيكي…

نكمل اللي بدأته… سألته: نكمل إيه؟ قال: نفتح مكان يساعد الناس اللي زيي زمان… نديهم فرصة… زي ما هي ادتني… حسيت إن قلبي اتنور فجأة… كأن ده الطريق… كأن ده السبب… مسكت السلسلة اللي في رقبتي… وقلت: هنكمل… علشانها… ومن اليوم ده… حياتي اتغيرت… بقيت كل ما أحس بضيق… أفتكر إن في حد كان نايم في ركن… وبقى واقف… علشان قلب طيب ما استناش شكر… ومن ساعتها… وأنا بحكي الحكاية… مش علشان أقول قد إيه ماما كانت طيبة… لكن علشان أقول… إن الخير… حتى لو بسيط… ممكن يغير حياة حد بالكامل… ويمكن… ينقذ روح… ويمكن كمان… يرجعلك في يوم…

بشكل عمرك ما تتخيله… حكايات أسما السيد  

وقفت قدامه وأنا ماسكة الورد والجواب… حاسة إن حياتي اتقسمت لنصين… قبل اللحظة دي… وبعدها… سألته بصوت لسه فيه رعشة: وإنت عايزني أبدأ إزاي؟ ابتسم يوسف ابتسامة هادية وقال: زي ما هي كانت بتبدأ… بخطوة صغيرة… بس بنية صادقة… سكت لحظة وبعدين كمل: أنا بقالى سنين بدور على حد يكمل معايا… حد يفهم هي كانت بتفكر إزاي… ما لقيتش غيرك… لأنك جزء منها… نفس القلب… نفس الرحمة… بصيت في عينه… وشفت صدق غريب… مش شفقة… ولا عاطفة لحظة… ده كان إيمان… إيمان بيا أنا
رجعت البيت وأنا تايهة بين ذكريات وقرار… طول الليل ما نمتش… قعدت في المطبخ…

نفس المكان اللي كانت ماما بتقف فيه وهي بتجهز الأكل… حطيت إيدي على الرخامة… حسيت بحرارة إيديها كأنها لسه هنا… افتكرت صوتها وهي بتقول: الخير مش محتاج وقت كبير… محتاج قلب حاضر… ابتسمت وسط دموعي وقلت: حاضر يا ماما… هحاول
تاني يوم… صحيت بدري… لأول مرة من شهور حسيت إني عايزة أعمل حاجة… لبست ونزلت قابلت يوسف… خدني لمكان صغير… شقة بسيطة فوق محل… قال: هنا البداية… كنا بنساعد ناس قليلة… أكل… هدوم… شغل يومين في الأسبوع… بس أنا حاسس إننا نقدر نكبر… دخلت المكان… كان فيه شابين قاعدين… وواحدة ست كبيرة… عيونهم كلها فيها نفس النظرة اللي وصفها يوسف…

نظرة حد مستني فرصة… مش صدقة
قعدت معاهم… سمعت حكاياتهم… واحد هرب من بيت فيه مشاكل… واحد ساب شغله واترمي في الشارع… والست كانت لوحدها بعد ما أولادها سابوها… كل قصة كانت بتكسر حاجة جوايا… بس في نفس الوقت… كانت بتبني حاجة تانية… عزيمة… إحساس بالمسؤولية
بصيت ليوسف وقلت: نعمل إيه؟ قال: نبدأ بالأكل… زيها… ونشوف بعد كده… وافقت فورًا… وروحت جبت من البيت كل اللي أقدر عليه… طبخت… ولفّيت الأكل… ولأول مرة… أنا اللي بشيل الطبق التاني… وأنا اللي ماشية بيه لحد محتاجه
الأيام بدأت تعدي… يوم ورا يوم… بقينا ننظم… نكتب أسماء… نشوف مين محتاج شغل…

مين محتاج علاج… مين محتاج بس حد يسمعه… ومع الوقت… المكان الصغير بدأ يكبر… ناس تانية جات تساعد… حد جاب هدوم… حد تبرع بأكل… حد عرض شغل… وأنا واقفة في النص… شايفة حلم ماما بيتحقق قدامي
في يوم… كنت واقفة بوزع الأكل… لقيت بنت صغيرة ماسكة إيدي وبتقول: انتي زي ماما… الكلمة وقفتني… بصيت لها… ودموعي نزلت من غير ما أحس… سألتها: ليه؟ قالت: علشان بتدينا من غير ما تزهقي… حضنتها وأنا حاسة إن ماما بترد عليا من خلالها… كأنها بتقول: كمّلي… أنا معاكي
بعد شهور… قدرنا نفتح مكان أكبر… سميناه “بيت الأمان”… يوسف كان واقف جنبي يوم الافتتاح…

قال لي: لو كانت هنا… كانت هتكون فخورة… بصيت للسما وقلت: هي هنا… في كل خطوة
النجاح ما جاش بسهولة… في أيام كنا بنتعب… في ناس كانت بتستهين… وفي مشاكل كتير… بس كل مرة كنت بضعف… كنت أرجع للجواب… أقرأ كلامها… وأفتكر إن الخير عمره ما بيروح… وأقوم تاني
وفي ليلة… كنت قاعدة لوحدي في المكان بعد ما الكل مشي… نفس الهدوء… نفس الإحساس… بس المرة دي ما كانش فيه فراغ… كان فيه سلام… سمعت صوت جوايا… نفس الصوت… نفس الحنية: يوسف مستني… ابتسمت وقلت: وأنا كمان… مستنية أي حد محتاج
ومن ساعتها… حياتي بقت حكاية تانية…

حكاية بدأت بطبق أكل… وانتهت بباب مفتوح لناس كتير… وكل ما حد يسألني: إزاي بدأتوا؟ أقولهم: بقلب أم… ما استنتش شكر… وسيبت أثر… كبر… وبقى حياة كاملة
حكايات أسما السيد  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!