
وقفت في نص المكان بعد ما الناس كلها مشيت… وبصيت حواليّ… الكراسي مترتبة… الأطباق متشالة… وريحة الأكل لسه معلقة في الجو… نفس الريحة اللي كانت بتملى بيتنا زمان… نفس الإحساس بالدفا… بس المرة دي… أنا اللي واقفة في مكانها
قعدت على الكرسي وفتحت الشنطة… طلعت الجواب بتاع ماما… بقيت أحمله معايا في كل حتة… كأنه دليل الطريق… قريته بصوت واطي… وكل كلمة فيه كانت بتطبطب عليا… وبتفكرني أنا ليه هنا
يوسف دخل بهدوء… وقال: لسه قاعدة؟ ابتسمت وقلت: مش عايزة أمشي… حاسة إني لو خرجت… ممكن كل ده يختفي… قعد قصادي وقال: مش هيختفي… طول ما في حد بيكمله…
قلتله: خايفة أقصر… خايفة ما أبقاش زيها… هز راسه وقال: هي ما كانتش بتفكر كده… كانت بس بتعمل اللي تقدر عليه… وإنتي كده بالظبط
سكتنا شوية… وبعدين قال: في حاجة عايز أوريهالك… طلع موبايله… ووراني صورة… بنت صغيرة… قاعدة بتضحك… قال: دي مريم… قلتله: شبهك… ابتسم بحزن وقال: كانت دايمًا تقوللي إن ماما اللي ربتني هي اللي خلتني أبقى بني آدم أستاهل أبقى أبو… بس أنا ما لحقتش أكون كفاية ليها… حطيت إيدي على إيده وقلت: كنت كفاية… وزيادة… لأنك كملت اللي اتعلمته… سكت وبصلي وقال: وإنتي كملتي معاها
الأيام بعد كده كانت أسرع… وأصعب… وأجمل في نفس الوقت…
المكان كبر… بقينا نستقبل حالات أكتر… أطفال… ستات… شباب… كل واحد فيهم شايل حكاية… وكل حكاية كانت بتغير حاجة جوايا… بتعلمني… بتكسرني… وترجع تبنيني من جديد
في يوم… جالنا شاب صغير… نفس السن اللي يوسف كان فيه زمان… عينه فيها خوف… وتعب… وكسرة… قعد قدامي وما كانش قادر يبص في وشي… قلتله: اسمك إيه؟ قال بصوت واطي: كريم… سكت… افتكرت يوسف… نفس البداية… نفس السكوت… قلتله: تحب تاكل الأول؟ رفع عينه وبصلي لأول مرة… وقال: من غير مقابل؟ ابتسمت وقلت: من غير مقابل… بس بشرط… قال: إيه؟ قلت: لما تقف على رجلك… تساعد حد غيرك… سكت شوية… وبعدين هز راسه…
اللحظة دي… حسيت إن دايرة بتتقفل… ودايرة تانية بتبدأ
بقيت أرجع البيت كل يوم تعبانة… بس قلبي مليان… أولادي بقوا يساعدوني… بنتي بتيجي معايا… ابني بيسألني عن الناس… بقينا بنتكلم عن العطاء… عن الرحمة… عن إن الدنيا مش كلها أخد وبس… كنت شايفة ماما فيهم… في كلامهم… في طريقتهم
وفي ليلة… كنت واقفة في البلكونة… ببص للسما… قلت بصوت واطي: أنا بحاول يا ماما… بحاول أبقى قد اللي علمتيني… الهوا كان هادي… وفي لحظة… حسيت براحة غريبة… كأن في حد بيقولي: كفاية… إنتي ماشيه صح
يوسف في الوقت ده… بقى شريك حقيقي… مش بس في المكان…
في الرحلة كلها… بقينا نفهم بعض من غير كلام… نعرف نهدّي بعض… نكمل بعض… كان دايمًا يقولي: أنا مديون ليكي… وأقوله: لا… إحنا الاتنين مديونين لها… وهي جمعتنا
في يوم… بعد سنة من البداية… قررنا نعمل يوم مفتوح… نجيب كل الناس اللي ساعدناهم… واللي ساعدونا… المكان اتملّى… ضحك… حكايات… عيون فيها نور… وقفت في النص… وبصيت عليهم… وكل واحد فيهم كان حكاية نجاح صغيرة… بس بالنسبة لي… كانت معجزة
يوسف طلع وقال كلمة… قال: أنا كنت نايم في ركن… ومحدش شايفني… لحد ما ست عظيمة شافتني… النهارده… إحنا بنحاول نشوف اللي محدش شايفهم… والفضل ليها… وبصلي… وكمل: ولبنتها…
اللي كملت المشوار… الناس سقفت… وأنا دموعي نزلت… مش علشان الكلام… علشان الحقيقة… الحقيقة اللي أخيرًا بقت واضحة
بعد اليوم ده… بقى عندنا دعم أكبر… ناس أكتر عايزة تشارك… المكان اتوسع… بقينا نساعد في تعليم… تدريب… علاج… بقى في أمل حقيقي
وفي يوم… وأنا براجع الأوراق… لقيت اسم كريم… الشاب اللي جه أول مرة… مكتوب جنب اسمه: اشتغل… استقر… متطوع… ابتسمت… وناديته… دخل وهو واثق… عينه فيها نور… قلتله: مبروك… قال: بفضلكم… قلت: لا… بفضل إنك اخترت تكمل… قال: أنا عايز أكون زي يوسف… قلت: خليك زي نفسك… بس ماتنساش الشرط… ابتسم وقال:
مش هنسى
رجعت البيت اليوم ده… ووقفت قدام صورة ماما… أول مرة أحط لها صورة كبيرة في الصالة… حطيت قدامها ورد أبيض… نفس الورد اللي يوسف كان جايبه… وقلت: شوفي… الخير كبر… بقى شجرة… وكل يوم بتطلع فرع جديد
مرت سنين… والرحلة مستمرة… تعبت… وقعت… قومت… بس ما بطلتش… لأن كل مرة كنت بفكر أوقف… كنت أفتكر صوتها… “يوسف مستني”… وبقيت أفهم إن الجملة دي مش بس ليوسف… دي لأي حد محتاج… لأي حد تايه… لأي حد مستني حد يشوفه
وفي آخر يوم من سنة جديدة… كنت قاعدة لوحدي في المكان… نفس الكرسي… نفس الهدوء…
بس قلبي مش فاضي… كان مليان ناس… مليان حكايات… مليان دعوات… قفلت عيني… وابتسمت
وفجأة… حسيت بحاجة بسيطة… مش صوت… ولا صورة… بس إحساس… إحساس حضن… حضن دافي… حضن كنت مفتقداه… وسمعت جوايا… بهدوء… بفخر… “أنا فخورة بيكي”
فتحت عيني… والدموع بتنزل… بس المرة دي… كانت دموع نهاية حلوة… نهاية وجع… وبداية سلام
قمت… طفيت النور… وقفلت الباب… وأنا عارفة إن بكرة في باب تاني هيتفتح… وحد تاني هييجي… وحكاية تانية هتبدأ
ومن يومها… وأنا بحكي الحكاية… مش علشان أقول إن ماما كانت عظيمة… ولا إننا عملنا إنجاز… لكن علشان أقول…
إن طبق أكل…
ممكن ينقذ حياة
وكلمة طيبة… ممكن ترجع روح
وقلب صادق… ممكن يغيّر قدر
وإن الخير… حتى لو بدأ بسيط… ممكن يكبر… ويعيش… ويكمل… حتى بعد ما أصحابه يمشوا
دي مش كانت نهاية…
دي كانت البداية الحقيقية
حكايات أسما السيد وقبل ما أقفل الحكاية دي… في حاجة اتعلمتها متأخر… بس غيرتني من جوايا إن الخير… مش لازم يكون كبير علشان يبقى مؤثر ولا لازم حد يشوفه علشان يبقى ليه قيمة أمي ما كانتش مستنية شكر… ولا كانت عايزة حد يعرف…
كانت بس بتعمل اللي قلبها شايفه صح وأنا… كنت فاكرة إني فقدتها لما ماتت بس الحقيقة… إني لقيتها تاني في كل حد ساعدناه في كل دعوة طالعة من قلب تعبان في كل عين رجع لها الأمل دلوقتي… كل ما أجهز طبق تاني… مش بحطه ليوسف بس… بحطه لأي حد ممكن يكون مستني حتى لو أنا مش شايفاه وبقيت فاهمة إن الرسالة ما كانتش ليه لوحده… كانت ليا أنا علشان أبقى الامتداد علشان ما أقطعش الخير
علشان أفضل أكمّل ولو في يوم… حسيت إن الدنيا ضاقت أفتكر جملة واحدة… “يوسف مستني” وأبتسم… وأكمل — حكايات أسما السيد
