
بعد طلاقي ضحكت عائلتي كلها عندما علمت أن جدي ترك لي جنيهًا واحدًا فقط في وصيته لكن في اليوم التالي أخذني محاميه إلى عقار خفي كشف سرًا مدفونًا منذ سنوات ومنحني فرصة حقيقية لأعود وأقاتل في معركة حضانة كنت أظن أنني خسرتها إلى الأبد
لم تكن الضحكة صادرة من شخص واحد بل من الطاولة بأكملها في اللحظة نفسها وكأن أحدهم ضغط زر تشغيل تسجيل محفوظ منذ زمن بعيد.
كنا نجلس في مطبخ خالتي الواسع في بيتها بالإسكندرية أرضية رمادية لامعة وشمعة كبيرة تتوسط الرخامة وصينية فطير جاهزة من المتجر نُزع نصفها ووضِع ملف المحامي بعناية إلى جوار أطباق بلاستيكية لأن عائلتي لم تكن تستضيف أحدًا يومًا دون أن تتعامل مع التنظيف كما لو أنه عقاب شخصي.
قال المحامي بصوت هادئ وهو يقلب صفحات الملف إن جدي كتب في وصيته أنه يترك لحفيدته رنا جنيهًا واحدًا فقط. ارتطم كأس العصير بالرخامة وخرج صوت استهزاء خافت من جهة ما وهمس أحدهم بأن الأمر منطقي للغاية. شعرت كأن حياتي كلها تحولت إلى نكتة رخيصة.
دفع المحامي العملة نحوي كانت عملة تذكارية أثقل قليلًا وعلى حافتها حروف اسم جدي منقوشة بعناية. أمسكتها وأخذت أتحسس النقش بأصابعي محاولة أن أتنفس. سألت بصوت مكسور إن كان هذا كل شيء. نظر إليّ نصف ثانية أطول مما ينبغي وقال بهدوء إن هذا هو المتاح حاليًا.
خرجت من البيت كالشــ,,ـــــبح الشارع نظيف البيوت مرتبة وصناديق البريد مصطفة في نظام ذلك النوع من الأماكن الذي يحييك فيه الناس بلطف ثم يتحدثون عنك فور أن تدير ظهرك. وصلت إلى سيارتي وكانت يدي ترتجف حتى إن المفاتيح سقطت مرتين قبل أن أتمكن من تشغيل المحرك.
بعد ثلاثة أيام عدت إلى المكان الوحيد الذي كنت أشعر أنه ما زال يقبلني العمل في مطعم صغير داخل محطة القطار كانت رائحة البيض المقلي والخبز المحمص المحترق تملأ المكان والضوء الأبيض يكشف تعب الوجوه حتى حين تبتسم. تحركت كآلة قهوة وشاي ومناديل وجملة محفوظة تتكرر هل تحب أن أضيف لك شيئًا آخر. كانت البقشيش هو الإيجار والبقشيش هو البنزين والبقشيش هو الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها دخول محكمة الأسرة متظاهرة بأن حياتي تحت السيطرة.
كان الجنيه في جيب المريلة طوال الوردية وكلما تحركت شعرت بضغطه على ساقي كأنه تذكير دائم بأنني لا شيء.
كان طفلاي سيف ولين يقضيان عطلة نهاية الأسبوع مع والدهما مرتين في الشهر جدول يشبه مواعيد الطبيب أكثر مما يشبه الأمومة.
رن هاتفي وتوقعت أن تكون المدرسة أو المحاسب أو أي مصيبة أخرى لكن الاسم الظاهر كان المحامي حسام. أجبت وأنا أقف قرب آلة العصير فقال إن ميراثي لم يكتمل. قلت بمرارة إنني حصلت على الجنيه وانتهى الأمر. قال إن هذا الجنيه أكثر مما يبدو وإنه يريد أن يريني شيئًا في الغد. أخبرته أن لدي جلسة حضانة فأجاب بجدية أن الأمر ليس نزهة وطلب ساعتين بعد الجلسة.
صمت لحظة ثم قال إنه ينفذ وصية جدي وعليه أن يفعل ذلك قبل أن يعرف الآخرون ما أملكه. أخبرني أنه سيكون أمام المحكمة بسيارة سوداء ثم أغلق الخط.
في اليوم التالي بدت المحكمة باردة رخام وخشب لامع كأن المكان نفسه يعادي أي مشاعر. ارتديت أفضل فستان أملكه وكان مستعملًا وحملت الملف بيدي كأنه طوق نجاة. وقف طليقي مرتاحًا في بدلة غالية بابتسامة رجل لم يحسب يومًا ثمن الطعام في نهاية الشهر.
تحدث القاضي عن الاستقرار والأمان المالي والنظام وكل كلمة كانت بابًا يُغلق في وجهي حتى صدر الحكم وقلّ الوقت الذي أقضيه مع أطفالي أكثر فأكثر حتى صار مجرد مواعيد صغيرة في التقويم.
خرجت والمطر ينهمر وتوقفت على السلم لأن الحركة كانت تعني الاعتراف بأن هذا هو الواقع. توقفت سيارة سوداء أمامي ونزل المحامي حسام وفتح المظلة فوق رأسي وقال إنه آسف. ضحكت ضحكة غريبة وأخبرته أن الأمر لم يعد يهم فقال إن الأمر يهم ولهذا لم يترك لي جدي نكتة. نظر إلى جيب معطفي حيث العملة وقال إن عليّ أن أرافقه ساعة واحدة فقط.
ترددت لحظة بينما المطر يغسل الرصيف وشعرت أن حياتي كلها انهارت بالفعل فوافقت أخيرًا وركبت السيارة. انطلقت بنا عبر طرق لم أعرفها من قبل حتى خرجنا من المدينة ودخلنا منطقة قديمة ذات بيوت قليلة متباعدة. توقف أمام بوابة حديدية صدئة وناولني العملة قائلاً إنني سأحتاجها. أدخلت العملة في فتحة صغيرة بجانب البوابة فصدر صوت ميكانيكي خافت وانفتحت ببطء.
سألته بدهشة عن هذا المكان فقال إنه جزء من وصية جدي السرية وإن جدي كان يعلم أن العائلة لن تمنحني شيئًا إن ترك المال علنًا لذلك اختار طريقًا مختلفًا.
دخلنا فوجدت مبنى قديمًا أشبه بمخزن مهجور لكنه من الداخل كان نظيفًا ومرتبًا وفي منتصفه درج يقود إلى طابق سفلي.
نزلنا السلم وفتح بابًا معدنيًا ثقيلًا لنجد غرفة واسعة تحوي خزائن معدنية وصفوف ملفات. قال إن جدي كان يحتفظ بكل ما يخص أعمال العائلة هنا بعيدًا عن أعين الجميع. فتح إحدى الخزائن وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا وضعه أمامي قائلاً إن هذا هو الإرث الحقيقي.
فتحت الصندوق فوجدت أوراق ملكية لعقار كبير وأوراقًا تثبت وجود حساب استثماري باسمي منذ سنوات طويلة ورسالة بخط يد جدي يقول فيها إنه يعرف أنني الوحيدة التي ستحتاج فرصة ثانية وأن الجنيه لم يكن سوى المفتاح.
شعرت أن الأرض تميد بي وسألته لماذا أخفى جدي كل هذا فقال إن جدي كان يعلم أن المال قد يُفسد نوايا الآخرين لكنه كان يؤمن بأنني سأقاتل من أجل أطفالي لا من أجل المال.
