
كنتُ أتناول غدائي داخل حمّام المدرسة لمدّة ثلاث سنوات بسبب المتنمّرة التي كانت تلاحقني، وبعد عشرين عامًا اتصل بي زوجها ليكشف لي أكبر سرّ في حياتها.
اسمي ندى، وما سأرويه ليس مجرّد ذكرى عابرة، بل جرحٌ ظلّ مفتوحًا في داخلي لسنوات طويلة، حاولت أن أدفـ .ـنه مرارًا، لكن بعض الآلام لا تختفي، بل تنتظر اللحظة التي تستيقظ فيها من جديد.
عندما كنتُ في الرابعة عشرة من عمري، فقدتُ والديّ في حـ .ـادث سيارة. كان ذلك الحدث كفيلًا بأن يقسم حياتي إلى نصفين؛ ما قبل الحـ .ـادث، وما بعده. بعد ذلك اليوم، لم أعد الفتاة نفسها.
الحزن لم يسكن قلبي فقط، بل امتدّ إلى جسدي أيضًا. بدأتُ أزداد وزنًا بسرعة، رغم أنني لم أغيّر شيئًا في نظامي الغذائي. قال الأطباء إنّ ذلك نتيجة التوتر، لكن أحدًا لم يخبرني كيف أتعامل مع هذا التغيّر وأنا في هذا العمر الحساس.
في المدرسة، كانت هناك فتاة تُدعى رنا. كانت جميلة، واثقة من نفسها، محاطة بالأصدقاء، وكأنّ العالم خُلق ليُرضيها. في المقابل، كنتُ أنا أحاول فقط أن أمرّ دون أن يلاحظني أحد. لكن رنا لاحظتني. بل لاحظت ضعفي.
في أوّل مرة نادتني فيها “الدبّة”، ضحك الجميع. لم يكن الضحك هو المؤلم، بل الإحساس بأنني أصبحت فجأة هدفًا سهلًا.
بعد ذلك، تحوّلت حياتي إلى سلسلة من الإهانات اليومية. كانت تسخر مني في الممرات، تترك لي رسائل جارحة في خزانتي، وتتعمد إحراجي أمام الآخرين. مرّةً سكبت صينية طعام كاملة على ملابسي أمام الجميع، وضحكت، فضحك معها الجميع.
توقّفتُ عن الذهاب إلى المقصف. لم أعد أحتمل تلك النظرات، ولا ذلك الضجيج الذي يتحوّل إلى سخرية كلما مررتُ. وهكذا، بدأ روتيني الجديد. كل يوم، عند وقت الغداء، كنتُ أذهب إلى أبعد حمّام في المدرسة، أدخل إلى إحدى المقصورات، وأغلق الباب بإحكام، ثم أجلس فوق المرحاض رافعةً قدميّ حتى لا تظهر حذائي من أسفل الباب.
كنتُ أتناول طعامي هناك، في صمت، في عزلة، وكأنني أحاول أن أختفي من العالم.
ثلاث سنوات مرّت بهذه الطريقة. ثلاث سنوات من الخوف، والانكسار، ومحاولات النجاة الصامتة. لكنني، رغم كل شيء، نجوت.
انتهت المدرسة، والتحقتُ بالجامعة، وبدأتُ أستعيد نفسي شيئًا فشيئًا. درستُ بجد، حصلتُ على درجة الماجستير، وبنيتُ مسيرتي المهنية في مجال تحليل البيانات. مع الوقت، فقدتُ الوزن، وتغيّرت ملامحي، لكن آثار تلك السنوات لم تختفِ بالكامل. كنتُ أزور معالجًا نفسيًا لأتعلّم كيف أُصلح ما كُسر في داخلي.
نسيتُ رنا. أو هكذا ظننت.
آخر ما سمعته عنها أنها تزوّجت رجلًا ثريًا وتعيش حياة مثالية. لم أهتمّ.
لم يعد لي بها أي صلة.
مرّ عشرون عامًا.
وفي يوم ثلاثاء عادي، بينما كنتُ أعمل في مكتبي، رنّ هاتفي برقمٍ غريب. عادةً لا أردّ على الأرقام المجهولة، لكنني شعرتُ بدافع غامض جعلني أجيب.
“ألو؟”
“هل هذه ندى؟” جاءني صوت رجلٍ متردّد.
“نعم، من المتحدّث؟”
“أنا كريم… زوج رنا.”
تجمّد الدم في عروقي. لم أفهم لماذا يتصل بي. مرّت ثوانٍ من الصمت، قبل أن يتحدّث مجددًا، وصوته يرتجف:
“أعلم أن الاتصال بك مفاجئ، لكنني… أعتقد أنكِ تستحقّين أن تعرفي الحقيقة.”
سألته بحذر: “أيّ حقيقة؟”
قال: “وجدتُ مذكّرات رنا القديمة…
من أيام المدرسة.”
شعرتُ بانقباض في صدري. مذكّرات؟ ماذا يمكن أن تحتوي؟
تابع: “لم تكن تختاركِ عشوائيًا. كانت قد رأتكِ يوم عزاء والديكِ… ورأتكِ وأنتِ وحدكِ، تبكين دون أن يلاحظكِ أحد. وكتبت أنها قررت منذ تلك اللحظة أنكِ الهدف الأسهل.”
أغمضتُ عيني. عاد بي الزمن إلى ذلك اليوم، إلى شعور الوحدة، إلى الفراغ الذي تركه والداي. لم أكن أعلم أن أحدًا كان يراقبني.
قال كريم بصوتٍ منخفض: “كانت تكتب أنها كانت تستمتع بما تفعله بكِ. كانت تخطط لكل موقف… لكل كلمة.”
لم أستطع الرد. كانت الكلمات أثقل من أن تُحتمل.
ثم قال:
“لكن هذا ليس كل شيء. الأمر لم يتوقّف عندكِ.”
سألته بصوتٍ خافت: “ماذا تقصد؟”
أجاب: “ابنتي سارة… بدأت تعاني في المدرسة. كانت تختبئ في الحمّام أثناء الفسحة… تمامًا كما كنتِ تفعلين.”
شعرتُ بصدمة تجتاحني.
تابع: “اكتشفتُ أن رنا… كانت تفعل بها الشيء نفسه. نفس الإهانات، نفس الكلمات، نفس الأسلوب. كانت تقول إنها تريد أن تقوّيها.”
همستُ: “وهل هذا ما كانت تراه؟”
قال بحزن: “لا. الحقيقة أنها كانت تعيد ما فعلته بكِ. لكنها هذه المرة… كانت تفعل ذلك بابنتها.”
ساد الصمت بيننا، ثم أضاف: “سارة حاولت إيذاء نفسها.
وعندما واجهتُ رنا، قالت إنها تفعل ذلك لمصلحتها. عندها، أدركتُ أنني لا أستطيع البقاء.”
تنفّستُ ببطء، أحاول استيعاب كل ما سمعته.
ثم قال: “في آخر صفحات المذكرات… كتبت عنكِ بعد سنوات. كانت تتابع أخباركِ، ورأت نجاحكِ.”
سألته: “وماذا قالت؟”
أجاب: “قالت إنها خافت منكِ. خافت لأنكِ لم تنكسري كما ظنّت. وكتبت جملة واحدة… قالت فيها: أنا لم أكن قوية يومًا، بل كنتُ جبانة أختبئ خلف ألم الآخرين.”
سقطت دمعة من عيني دون أن أشعر.
بعد أن أنهينا المكالمة، بقيتُ جالسةً طويلًا، أفكّر في كل شيء.
في الماضي، في الألم، في الطفلة التي كنتها، وفي الطفلة الأخرى التي تعيش الآن ما عشته.
وفي اليوم التالي، اتخذتُ قرارًا.
اتصلتُ بكريم وقلت له: “أريد أن أقابل سارة.”
بعد يومين، التقيتُ بها. كانت نحيلة، خجولة، تنظر إلى الأرض وكأنها تخاف أن يراها أحد. جلستُ أمامها وقلت بهدوء: “كنتُ مثلكِ يومًا ما. كنتُ أختبئ في الحمّام لأتناول طعامي.”
رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليّ بدهشة.
ابتسمتُ وقلت: “لكنني نجوت. وأنتِ أيضًا ستنجين.”
في تلك اللحظة، شعرتُ أن الدائرة التي بدأت منذ سنوات طويلة قد بدأت تُغلق أخيرًا.
لم أعد تلك الطفلة التي تختبئ، بل أصبحتُ امرأة قادرة على مدّ يدها لإنقاذ غيرها.
وهكذا، أدركتُ أن الألم قد يكسرنا، لكنه قد يمنحنا أيضًا القوة لنكون سببًا في شفاء الآخرين.


