
إيد ياسين كانت ساقعة… ساقعة أكتر من اللازم. شريف مسكها بإيدين الاتنين. — «مين رجع يا حبيبي؟» ياسين ما ردّش. عينه كانت ثابتة على زاوية الأوضة… الزاوية اللي الضلمة فيها كانت أغمق من باقي المكان. ندى اتحرّكت خطوة لقدّام، صوتها واطي بس ثابت: — «ماتخافش… هو ما يعرفش يقرب طول ما باباك واقف». الدكتور حسام بلع ريقه. — «إنتِ بتتكلمي عن إيه؟ إحنا في مستشفى!» الأم قامت من مكانها، السبحة وقعت من إيدها. — «يا رب سترك…»
الهواء اتحرّك فجأة. الستارة اهتزت رغم إن الشباك مقفول. وياسين همس: — «هو زعلان». شريف حس قلبه هيقف. — «زعلان ليه؟» — «عشان ما خدنيش… وعشان إنت جيت». ندى بصّت لشريف. — «اسمعه كويس. ما تقاطعوش». شريف قرب ودانه من فم ابنه. — «كمل يا ياسين… أنا سامعك». حصرى لصفحه رومانى حكايات — «بيقول إن البحر كدّاب… وإنك دايمًا بتوعد». الكلمة ضـ,ـربت شريف في صدره. الدكتور حاول يضحك ضحكة متوترة: — «ده هذيان… ضغط عصبي».
ندى لفّت له ببطء. — «لو كان هذيان، الحرارة ما كانتش نزلت دلوقتي». الدكتور بصّ على الجهاز. الخط الأخضر كان ثابت… زيادة عن الطبيعي. — «إزاي؟» ندى ردّت: — «لأنه مبقاش لوحده». الضلمة في الزاوية اتحرّكت. مش شخص… مش ظل واضح… لكن إحساس تقيل، كأن الأوضة نفسها بتقرب. ياسين شهق. — «بيقولك… اختار». شريف صرخ: — «اختار إيه؟!» ندى بسرعة: — «ما تجاوبش! السؤال ده فخ». — «بيقول… يا الشغل… يا أنا». الأم صرخت: — «حسبنا الله ونعم الوكيل!»
شريف نزل على ركبته قدّام السرير. صوته كان مكسور بس صادق: — «أنا غلطت… بس عمري ما هختار غيرك». الهواء وقف فجأة. الستارة سكنت. ندى قرّبت من ياسين، همستله: — «قول اللي في قلبك… من غير خوف». ياسين غمّض عينه. — «أنا كنت مستني البحر… كل يوم». دمعة نزلت من عين شريف. — «وأنا كنت فاكر بكرة دايمًا موجود». ندى رفعت إيدها. — «دلوقتي… الدور عليك يا شريف». — «أعمل إيه؟» — «توعد… وتنفّذ. مش بعدين».
شريف بصّ لابنه. — «أول ما تطلع من هنا… نروح البحر. دلوقتي. حتى لو الدنيا مقلوبة». ياسين فتح عينه. اللون رجع لوشّه سنة صغيرة. لكن الصوت رجع… أوطى… أخطر: — «وعد سمعناه قبل كده…» ندى شدّت نفس طويل. — «عشان كده… لازم تثبت». حكايات رومانى مكرم — «أثبت إزاي؟» ندى بصّت للدكتور. — «اكتب خروجه». الدكتور اتفاجئ: — «إنتِ مجنونة؟!» ندى بحدّة: — «لو فضِل هنا، هيفضِل الباب مفتوح». ياسين مسك إيد شريف بقوة. — «بابا… أنا عايز أمشي دلوقتي».
شريف وقف. — «لو ده اللي هينقذك… نمشي». وفجأة… الزاوية فضيت. لكن قبل ما النفس يطلع، صوت خافت قال: — «البحر قريب… وأنا أقرب». ندى همست، وعينها على ياسين: — «الجزء الجاي… مش في المستشفى». وسكتت. : طريق البحر المستشفى وراهم كانت بتنور وتطفي زي عين بتقفل غصب عنها. شريف سايق، إيده على الدركسيون متشنجة. ندى جنبه، ساكتة… الهدوء اللي يخوّف. الأم في الكنبة ورا، ماسكة السبحة وبتهمهم دعاء من غير صوت. وياسين؟ قاعد في النص.
ساكت قوي… قوي زيادة. شريف بصّ له في المراية: — «تعبان يا حبيبي؟» ياسين هز راسه نفي. — «لا… بس هو ماشي معانا». الدركسيون اهتز في إيد شريف. — «مين؟» — «اللي في الأوضة». ندى اتكلمت من غير ما تبص: — «ما تردش عليه لو كلمك». — «هو مش بيكلّمني… هو فاكرني فاكره». الأم شهقت: — «يا ساتر يا رب». الطريق كان فاضي، بحر الظلام على الجانبين، ولا عربية، ولا نور غير كشافات العربية. ندى فتحت الشباك فجأة. الهوا دخل بارد… مالح.
شريف استغرب: — «إنتِ بتعملي إيه؟» — «الملح بيقفل الحاجات اللي زي دي». ياسين ابتسم ابتسامة صغيرة. — «هو مش مبسوط». — «ليه؟» شريف سأل وهو قلبه بيدق. — «عشان البحر مش تبعه… البحر بتاعكم». ندى بصّت لياسين لأول مرة من أول ما مشيوا. — «إنت فاهم أكتر ما مفروض». ياسين هز كتفه. — «أنا سمعت… وأنا لوحدي». الكلمة نزلت تقيلة. شريف فرمل فجأة. — «إنت عمرك ما كنت لوحدك!» العربية سكتت. الموتور فصل. الطريق غرق في سكون يخوّف.
ندى قالت بهدوء مريب: — «إحنا وقفنا في حتة ما ينفعش نقف فيها». شريف حاول يدور العربية… مفيش استجابة. ياسين همس: — «هو قدّامنا». شريف بصّ للطريق. مفيش حد. لكن الهوا تقّل. كأن حد واقف… مش شايفينه. صوت جه من كل حتة: — «الوعد… لسه ناقص». ندى فتحت شنطتها، طلعت كيس قماشة صغير. — «شريف… بصلي». — «أبص لإيه؟» — «لو بصّيت قدّامك، هتشوف اللي مش هتعرف تنساه». شريف غمّض عينه غصب عنه. — «خلصيني».
ندى حطّت الكيس في إيد ياسين. — «ده اختيارك يا بطل». — «اختيار إيه؟» — «يا تاخد اللي في الكيس… يا تكمّل تسمع صوته». الأم صرخت: — «ده طفل!» ياسين مسك الكيس… حسّه تقيل. — «ده وجع». ندى ردّت: — «أيوه… بس وجعك إنت، مش وجعه هو». صمت. بعدين ياسين فتح الكيس. حاجة وقعت على رجله. صدفة بحر… مكسورة. ياسين بصّ لها، ودموعه نزلت: — «دي بتاعتي… ضيعتها زمان». شريف فتح عينه فجأة. — «إمتى؟»
— «يوم ما قلتلي بكرة». الصوت صرخ… صرخة خلت العربية تهتز. — «مش من حقك تاخده!» ندى زعقت: — «اقفل الصدفة! دلوقتي!» ياسين طبقها بإيده الصغيرة. الصوت اتقطع… زي موجة اتكسرت على صخرة. العربية دارت لوحدها. الهوا خف. حكايات رومانى مكرم شريف بصّ لقدّامه… الطريق رجع. لكن ندى كانت بتترعش. — «إحنا كسبنا جولة… بس مش الحرب». ياسين سند راسه على الكرسي. — «هو قال إنه مستنينا عند البحر». شريف بلع ريقه. — «وإحنا رايحين».

