
مرات ابني بتعاملني زي المشردين، في العشا كانوا بياكلوا لحم فاخر وانا يتحط قدامي بواقي اكل عادي، كنت بستحمل وبسكت واقول لو ابني عرف هيردلي قيمتي لكن اللي حصل منه بعدها وجعلي قلبي اكتر…
وعرفت إن في حاجة غلط من اللحظة اللي هبة حطت الطبق قدامي.
كل اللي قاعدين على السفرة كانوا بيقطعوا قطع لحم كبيرة وطازة، لسه سخنة بتص.در صوت وهي على أطباق البورسلين.
لكن طبقي أنا…
كان فيه قطعة صغيرة من اللحم، أطرافها ناشفة ومتيبسة، لونها باهت كأنها متشالة من تلاجة قديمة بقالها أيام.
ولا حد حتى بص لي.
كنت قاعدة على طرف السفرة الزجاج الكبيرة…
واضح إن وجودي كان في آخر لحظة.
كرسي اتضاف بعد ما السفرة كانت متجهزة.
لا منديل مناسب…
ولا حد سألني لو عايزة عصير.
بس مساحة صغيرة بالكاد أعرف أحط فيها كوعي.
رفعت الشوكة بهدوء.
اللحم كان بارد… وقاسي.
لكن المشكلة عمرها ما كانت في الأكل.
عندي 73 سنة… واتعلمت حاجة مهمة في الحياة:
قلة الاحترام نادرًا بتيجي بصوت عالي.
بتجي بهدوء.
في تفاصيل صغيرة…
في الطريقة اللي يحطوك بيها على السفرة.
في طبق بواقي يتحط قدامك…
جنب ناس بتاكل أكل فاخر.
ناس…كنت أنا السبب في إنهم يقدروا يدفعوا تمنه.
ابني أحمد ضحك على حاجة قالتها مراته.
زمان… ضحكته كانت تملأ البيت.
ضخمة… دافئة… بريئة.
ضحكة طفل كان يجري حافي على شط إسكندرية ويناديني علشان أشوفه وهو يلعب في الموج.
لكن دلوقتي…
ضحكته بقت مصطنعة.
متحكم فيها…
كأنها تمثيل قدام الناس اللي عايز يبهرهم.
حتى ما بصش ناحيتي.
مراته هبة رفعت كاس العصير وابتس,مت لضيوفها.
شعرها مرتب بعناية تحت ضوء النجفة.
كانت تتصرف زي ست فاكرة إن جمالها ولباقتها ممكن يغفروا القسوة الصغيرة اللي بترميها حوالينها.
ولا مرة سألتني:
“إنتِ عاملة إيه؟”
كل اللي كان يهمها…
إن ضيافتها تبان مثالية قدام الناس.
قلت بهدوء:
“الملح خفيف شوية.”
لكنها ما ردتش.
الأصوات حواليا كانت مليانة كلام عن:
تجديد البيت…
رحلة نهاية الأسبوع في الساحل…
ومدارس الأولاد الخاصة.
كنت عارفة كويس…
إن حساب البنك اللي كان بيساعدهم يوصلوا لكل ده…
كان فيه اس,مي.
سنين طويلة.
بس محدش كان حابب يفتكر ده.
بس حفيدتي ليلى…
هي الوحيدة اللي بصت لي.
في عينيها كان في قلق صغير.
لكن هبة لمست كتفها بسرعة وقالت لها:
“كلي يا ليلى.”
حتى الأطفال…
بيتعلموا بسرعة إيه المشاعر المس,موح بيها في بيت زي ده.
الحلوى وصلت بعد شوية.
كيكة كبيرة ولامعة…
اتقد,,مت لكل الضيوف الأول.
قطعتهم كانت كبيرة ومتزينة.
أما أنا…
وصلت لي آخر واحدة.
قطعة صغيرة جدًا…
كأنها معتذرة عن وجودها.
اتحطت جنب كوباية المية…
من غير كلمة.
بعد ما العشا خلص…
ابني أحمد وصلني لحد الباب.
كان ماسك موبايله…
وعينه عليه طول الوقت.
واضح إن تفكيره في مكان تاني.
لكن اللي ما كانش يعرفه…
إن الليله مكنتش خلصت على كده ابني بصلي وقالي..وال👇
ابني بصلي وقال وهو لسه ماسك الموبايل في إيده
خلي بالك من نفسك يا ماما الطريق طويل
الكلمات خرجت منه سريعة وباردة كأنها واجب بيخلصه
وقفت لحظة قدام باب البيت أبص له
كنت مستنية كلمة تانية
مستنية يقول حاجة عن اللي حصل على السفرة
مستنية يقول لمراته كلمة ترجع لي كرامتي
لكن أحمد ما قالش حاجة
رجع بسرعة لجوه وقفل الباب
وقفت على السلم لحظة حسيت فيها إن قلبي بقى أثقل من رجلي
مشيت ببطء وأنا بحاول أقنع نفسي إن ابني
أكيد ما خدش باله
أكيد لو شاف اللي حصل كان هيعمل حاجة
فضلت أكرر الكلام ده لنفسي وأنا ماشية لحد ما وصلت للشارع
الهواء كان بارد شوية والليل هادي
وقفت أستنى تاكسي
لكن الحقيقة اللي كانت بتقرب مني كانت أوضح من أي صوت
أحمد كان شايف
بس اختار يسكت
وصلت البيت الصغير اللي عايشة فيه
شقة قديمة في عمارة بسيطة
قعدت على الكنبة وأنا لسه حاسة بطعم اللحم البارد في بوقي
مش لأنه كان سيئ
لكن لأنه كان مليان إهانة
قعدت أفكر في سنين طويلة
سنين تعبت
فيها علشان أحمد
اشتغلت خياطة في البيت
وغسلت هدوم ناس
ووفرت كل جنيه علشان يدخل أحسن مدرسة
كنت أرجع بالليل وإيدي وجعاني
لكن لما أشوفه نايم كنت أحس إن التعب كله يستاهل
افتكرت يوم ما جه قال لي إنه عايز يعمل مشروع
كان محتاج فلوس
كل اللي كنت محوشاه من سنين كان في حساب صغير باس,مي
ما ترددتش لحظة
قلت له خد يا ابني
ده تعب عمري بس علشان مستقبلك
وقتها حضني وقال
عمري ما هنسى اللي عملتيه يا ماما
لكن واضح إن الناس بتنسى أسرع مما
نتخيل
عدت أيام
وما حدش سأل علي
لا أحمد ولا هبة
لكن اللي حصل بعد أسبوع غير كل حاجة
في صباح هادي كنت قاعدة بشرب شاي
س,معت خبط على الباب
فتحت لقيت بنت صغيرة واقفة
كانت حفيدتي ليلى
وشها باين عليه التوتر
قالت
تيتا ممكن أدخل
دخلت وقعدت جنبي
كانت ماسكة حاجة في إيدها
مظروف صغير
وقالت بصوت واطي
بابا قال لي أدي ده ليكي
اتوترت
قلت لها
أبوك قال لك حاجة تانية
هزت راسها
لا بس قال لي ما
أقولش لماما
فتحت المظروف
كان فيه ورقة
ومفتاح صغير
الورقة كان فيها سطر واحد
مكتوب بخط أحمد
ماما
أنا آسف
بس أنا ضعيف
وما قدرتش أقول قدامها اللي كان لازم يتقال
الفلوس اللي في حساب الشركة باس,مك
أنا رجعتها ليكي
والمفتاح ده لمكتب المحامي
كل حاجة هتتشرح لك هناك
فضلت ماسكة الورقة وأنا مش فاهمة
ليلى بصت لي وقالت
بابا كان زعلان قوي بعد ما مشيتي
ماما فضلت تزعق له طول الليل
بس هو ما ردش عليها
وبعدين في الصبح خرج بدري
قلبي بدأ يدق أسرع
لبست بسرعة وطلبت تاكسي وروحت العنوان اللي على الورقة
مكتب محامي كبير في وسط البلد
استقبلني رجل محترم
وقال
حضرتك مدام فاطمة
قلت أيوه
قال
أستاذ أحمد كان هنا امبارح
فتح ملف كبير قدامه
وقال
ابنك نقل كل أسهمه في الشركة باس,مك
ونقل البيت اللي ساكن فيه باس,مك كمان
اتصد,,مت
قلت له ليه
ابتس,م وقال
قال لي بالحرف
الفلوس دي أساسها تعب أمي
والبيت ده كان المفروض يكون بيتها من الأول
سكت لحظة
وبعدين كمل
قال
كمان إنه قرر يسافر فترة بعيد عن الضغط والمشاكل
خرجت من المكتب وأنا مش مصدقة
مشيت في الشارع وأنا حاسة إن الدنيا اتغيرت
مش لأن الفلوس رجعت لي
لكن لأن ابني في الآخر افتكر
افتكر مين اللي كان السبب في كل حاجة وصل لها
بعد يومين
خبط الباب تاني
فتحت لقيت أحمد واقف
وشه تعبان وعينيه حمرا
بمجرد ما شافني قال
سامحيني يا ماما
سكت لحظة
وبعدين قال
أنا كنت جبان حكـايات أسمـا السيـد
