
أمـروها أن تخـلع ستـرتها أمـام الجميـع لكـن الـقائد تجـمد حـين رأى الوشـم علـى ظـهرها. لم يكـن الـوشم زـينة ولا نـزوة عـابـرة بـل عـلامة تصنـيف سـري لوحـدة عسكـرية قـيل رسميًا إنهـا لا وجود لهـا وفي ثوانٍ قليلة فقط توقـف الضـحك وسـقطت السخرية من الوجوه كما تسقط الخوذات عند الخطر الحقيقي.
دخلت إلى الحظيرة وكأنها تنتمي إلى المكان لا بتحد ولا بغرور بل بهدوء صلب لمن رأى ما هو أسوأ من ذلك بكثير وكان اسمها لارا الصبّاغ امرأة في أواخر الأربعينيات أو ربما اقتربت من الخمسين شعرها الممزوج بالبياض مشدود في كعكة عسكرية صارمة ترتدي بدلة عمل زيتية قديمة أكل الزمن أطرافها وحذاء أمان يحمل خدوش استخدام حقيقية لا لمعان استعراض وفي يدها لوح فحص مهترئ وصندوق أدوات يبدو أقدم من أعمار بعض الفنيين في الحظيرة وهنا تكمن خطورة الافتراضات أن تحكم على إنسان دون أن تعرف تاريخه.
كانت شمس الظهيرة تضـ,ـرب بلا رحمة القاعدة الجوية العسكرية رقم سبعة في عمق الصحراء الشرقية والخرسانة ترتجف من الحرارة والهواء مشبع برائحة وقود الطيران والمعدن الساخن والعرق وداخل الحظيرة السابعة كانت المراوح الصناعية تلهث بلا فائدة بينما الأدوات تطن والدوّارات تُفحص واللاسلكي العسكري يفرقع بتعليمات برج المراقبة. وقّعت لارا دخولها بخطوات دقيقة مدروسة بخط يد ثابت لشخص اعتاد ملء الاستمارات تحت الضغط لا خلف المكاتب.
تفحّص الرقيب أول صيانة سامي خطاب أوراقها وهو رجل تجاوز العشرين عامًا في القوات الجوية وقال وهو يقلب الصفحات إن الفحص الهيكلي للطائرات الهجومية صحيح وأن شركتها لم تُرسل أحدًا منذ فترة وأن آخر من جاء لم يكن يفرّق بين دعامة هبوط وريشة مروحة فأجابت لارا بهدوء إنها ليست الآخر. شيء في نبرتها جعل الرقيب يرفع رأسه إذ ذكّرته بالقادة القدامى أولئك الذين كانوا يشخّصون الأعطال من صوت المحرك فقط فأشار بيده إلى الطائرة في الحظيرة السابعة وقال إن الفحوصات الأولية أُنجزت لكن لها أن تتحقق مما تشاء.
لم تكن تبحث عن انتباه بل مجرد متعاقدة أخرى في يوم عمل عادي داخل آلة عسكرية ضخمة إلى أن قرر العريف طارق منصور أن يجعلها تسليته. كان طارق في الثانية والعشرين حديث التخرّج بزي نظيف أكثر من اللازم وحذاء يلمع بغرور من لم يُختبر بعد وكان قد رسب في اختبار وتلقى توبيخًا لضياع أدوات وكان بحاجة لمن يُفرغ فيه إحباطه فقال من بعيد بصوت متعال يا مدام حضرتك جاية تراجعي إلكترونيات الطيران فرفعت لارا عينيها بهدوء وقالت فحص هيكلي.
ابتسم وقال إنه يحتاج إلى رؤية التصريح بسبب إجراءات أمن جديدة فناولته الملف دون كلمة وبدأ يتصفحه باستعراض فارغ واقترب جندي شاب وفني مشتت وسارجنت كان يجب أن يتدخل لكنه لم يفعل. قال طارق إن المكتوب هيكلي وليس إلكترونيات فردّت لارا دون تردد بأن الفحص الهيكلي يشمل دعامات أنظمة الطيران فضحك أحدهم بخفوت.
شبك طارق ذراعيه وقال إن البروتوكولات الجديدة تـمنع أي أجهزة مخفية وأنه يجب التأكد وطلب منها خلع الجزء العلوي فانخفضت الأصوات وثقل الهواء واختلّ التوازن في المكان. سألته لارا بصوت ثابت ماذا تقترح بالضبط فأجاب بثقة زائفة إنه إجراء روتيني. توقفت لحظة ثم وضعت لوح الفحص جانبًا وبدأت تخلع سترتها ببطء ليس خضوعًا بل بثقة من يعرف أن الحقيقة أقسى من الإهانة وحين انكشف ظهرها ظهر الوشم ولم يكن رسمًا ولا اسمًا ولا شعارًا بل رمزًا لشفرة تسلسل لا يعرفه إلا من حملوا أوامر لا تُكتب وعاشوا مهمات لا يُعترف بها. تجمد طارق واتسعت عينا الرقيب وتراجع السارجنت خطوة كمن رأى شبحًا.
في تلك اللحظة دخل العميد هشام الرفاعي إلى الحظيرة فتوقف ونظر إلى المشهد ثم وقع بصره على ظهر لارا واقترب ببطء وقرأ الرمز ثم رفع عينيه إليها وسأل بصوت منخفض ….
وسأل بصوت منخفض حاد كحد السكين:
— اسمك الكامل… وتاريخ اعتماد الرمز.
لم تجبه لارا فورًا. استدارت ببطء، أعادت سترتها إلى كتفيها بحركة محسوبة، ثم وقفت في وضع انتباه لا يُخطئه من خدم يومًا في مواقع لا تظهر على الخرائط.
— لارا الصبّاغ. اعتماد الرمز: القطاع الأسود، الدفعة الثالثة، قبل إيقاف البرنامج بستة أشهر.
لم يكن في صوتها تفاخر، فقط تقرير حقيقة.
تبدّل وجه العميد هشام الرفاعي. اللون انسحب من وجنتيه كما لو أن حرارة الصحراء اختفت فجأة. رفع يده بتحية عسكرية كاملة، تحية لا تُمنح إلا لرتبة غير مكتوبة.
— مرحبًا بكِ… كنت أظن أنكم جميعًا…
— انتهينا؟ أكملت عنه بهدوء.
— نعم، هكذا كُتب في البيان.
ساد صمت ثقيل. حتى المراوح بدت وكأنها تخفف سرعتها احترامًا للحظة.
ابتلع العريف طارق ريقه. حاول أن يتكلم، لكن الكلمات خانته. الرقيب سامي كان أول من استعاد توازنه، فثبت نظره في الأرض، مدركًا أنه كان على بعد خطوة واحدة من كارثة إدارية… وربما أسوأ.
قال العميد وهو يلتفت إلى طارق: — اخرج من الحظيرة. الآن. — سيدي أنا… — قلت الآن. وسلّم نفسك لشؤون الأفراد.
لم يحتج إلى تكرار الأمر.
بعدها التفت إلى لارا: — هل تفضلين استكمال الفحص أم نخصص لك فريقًا كاملًا؟
رفعت لارا عينيها نحو الطائرة الهجومية، مررت كفها على هيكلها المعدني كما لو كانت تقرأ ذاكرة مخفية تحت الطلاء.
— الفريق لن يفيد. العيب ليس حيث تبحثون. — وأين هو؟ — في نقطة لم تُفحص منذ دخول الطائرة الخدمة… لأن من صمّمها افترض أن من يجرؤ على العبث بها لن يخرج حيًا ليُسأل.
تبادل العميد والرقيب نظرة سريعة.
— تفضلي. قال العميد، ثم أضاف بصوت أخفض:
— وأيًا كان ما تحتاجينه… فهو مُصرّح به.
ابتسمت لارا ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى. — هذا لم يتغير أبدًا.
دخلت أسفل الجناح، فتحت لوحة لا تظهر في المخططات العادية، وأخرجت أداة قديمة من صندوقها المهترئ. دقائق مرت… ثم توقفت.
— هنا. — ماذا هنا؟ سأل الرقيب. — بصمة. ليست عطلًا… رسالة.
رفع العميد حاجبه: — من؟
أجابت دون أن تنظر إليهم: — وحدة قيل رسميًا إنها لا وجود لها.
ثم أضافت بعد صمت قصير:
— ويبدو أنهم لم ينسوا كيف يعودون.
في تلك اللحظة، دوّى إنذار خافت من برج المراقبة، إنذار لم يُسمع منذ سنوات.
ورفعت لارا رأسها ببطء وقالت: — أغلقوا القاعدة. ما سيأتي… ليس فحصًا روتينيًا.
أُغلقت بوابات القاعدة خلال ثلاث دقائق.
سلسلة أوامر قصيرة مشفّرة انطلقت عبر شبكة داخلية لا يعرف بوجودها سوى قلة، وتحوّل الهدوء الصحراوي إلى توتر مكتوم يشبه اللحظات التي تسبق العاصفة.
لارا كانت قد انزلقت بالفعل داخل تجويف ضيق أسفل جناح الطائرة.
لم ترتدِ قفازات.
كانت تحتاج أن تشعر بالمعدن.
— دي مش بصمة تخريب. قالت دون أن ترفع رأسها.
— دي دعوة.
اقترب العميد هشام خطوة: — دعوة لمين؟
توقفت لارا عن العمل، أغلقت اللوحة ببطء، ثم نظرت إليه نظرة جعلت معدته تنقبض.
— لناس بيشتغلوا في الظل… وبيظهروا بس لما النظام نفسه يبقى هو الهدف.
في تلك اللحظة، انقطع الاتصال مع برج المراقبة لثانيتين… ثم عاد.
ثانيتان فقط.
لكن لارا تجمّدت.
— اتنين ثانية؟
— أيوه. حصلت إعادة ضبط سريعة. أجاب فني الاتصالات.
— مش إعادة ضبط. قالت بحدة.
— ده اختبار اخ-تراق.

