Advertisements
Advertisements
منوعات

قبل 10سنوات حكايات اسما

Advertisements

دفنـ,تُ ابنـي مـنذ عـشر سـنوات… لـكن عنـدما رأيـت ابـن جـارتي الجـديد، شعـرت أن الـزمن عـاد بـي إلـى الـوراء. توفي ابني زين عندما كان في التاسعة من عمره. صدمته سيارة بينما كان يلعب بالكرة بالقرب من مدرسته. هناك أنواع من الألم… لا يخففها الزمن أبدًا. مرت عشر سنوات على ذلك اليوم، ومع ذلك ما زلت أحيانًا أشعر وكأن صدري يضيق من شدة الحزن. بعد الحادثة، لم أستطع إنجاب طفل آخر. لم أكن قادرة على تحمل فكرة الفقد مرة ثانية.

لذلك عشت أنا وزوجي خالد حياتنا بهدوء… نحن الاثنين فقط، في بيت أصبح أكثر هدوءًا مما ينبغي. قبل أيام قليلة، توقفت سيارة نقل كبيرة أمام المنزل المجاور…وصل جيران جدد. كانا زوجين في الخمسينيات من عمرهما… ومعهما شاب. كعادة الجيران في حيـنا، خبزت فطيرة تفاح لأرحب بهم. وفي مساء اليوم التالي، حملتها وهي لا تزال دافئة وذهبت لزيارتهم….طرقت الباب. بعد لحظات… فتحه الشاب. وفي تلك اللحظة…تجمدت في مكاني. سقط الطبق من يدي وتحطم على الأرض. شعرت وكأن قلبي توقف.

ذلك الشاب…كان يشبه زين. ابني كان يملك عيونًا بلونين مختلفين واحدة زرقاء والأخرى بنية وهي صفة ورثها من جدته. وهذا الشاب… كان يملك نفس العيون تمامًا. نفس الشعر الداكن المجعد…نفس حكايات اسما ملامح الوجه. ونفس ملامح الذقن الحادة قليلًا. كان الأمر وكأنني أنظر إلى ابني بعد عشر سنوات. انحنى الشاب بسرعة ليجمع قطع الطبق المكسور، بينما وقفت أنا عاجزة عن الحركة. قلت بصوت مرتجف: أنا آسفة جدًا… لم أقصد إسقاط الطبق… لكن هل يمكنني أن أسألك… كم عمرك؟

ابتسم بأدب وقال: تسعة عشر عامًا. توقف قلبي للحظة. هذا بالضبط… العمر الذي كان سيبلغه زين اليوم. بعد لحظات، جاءت والدته مسرعة نحو الباب. بدأت أعتذر لها وأخبرتها أن ابنها يشبه ابني الراحل كثيرًا. لكن فجأة… تغير وجهها. بدت متوترة جدًا…ثم قالت بسرعة: — من الأفضل أن تغادري الآن… لدينا الكثير لنفعله. وأغلقت الباب في وجهي….عدت إلى منزلي وأنا أرتجف. دخلت مسرعة إلى غرفة المعيشة وأخبرت زوجي خالد بما حدث. خفض رأسه ببطء… وجلس على الأريكة.

ثم حدث شيء لم أره طوال ثمانية وعشرين عامًا من زواجنا…بدأ بالبكاء. كان صوته يرتجف عندما قال: ظننت أنني دفنت هذا السر مع ابننا… كنت فقط أحاول أن أحميك من الحقيقة. توقف لحظة… ثم نظر إلي بعينين دامعتين وقال: صلي على محمد وال محمـد وتابع👇👇👇👇

خفض خالد رأسه بين كفيه، وكأن الكلمات التي على وشك قولها أثقل من أن يحملها صدر إنسان.
ظل صامتًا لثوانٍ طويلة…
ثم تنفّس بعمق وقال بصوت مبحوح:
— زين… ربما لم يمت في ذلك اليوم كما ظننا.
تجمدت في مكاني.
شعرت وكأن الأرض سُحبت من تحت قدمي.
قلت بارتباك شديد:
— ماذا تقول؟! أنا رأيته يا خالد… رأيت جسده في المستشفى… رأيت الكفن… رأيت قبره.
أغلق عينيه بقوة وكأنه يحاول جمع شجاعة مفقودة منذ سنوات.
ثم قال ببطء:
— نعم… هذا ما اعتقدناه. لكن الحقيقة… لم تكن كاملة.

اقتربت منه خطوة وأنا أشعر بأن قلبي يدق بعنف.
— تكلم بوضوح يا خالد.
رفع رأسه أخيرًا ونظر إلي بعينين مليئتين بالندم.
— في يوم الحادث… عندما نقلوا زين إلى المس,تشفى… كان مص,ابًا إصا,بة خط,يرة في الرأس. الأط,باء قالوا إن حال,ه حر,جة جدًا.
أنا وصلت قبلك بدقائق.
توقف لح,,ظة ومسح دموع,ه.
— بعد حوالي ساعة… جاء الطبيب وأخبرني أن قلبه توقف.
بدأ صوتي يرتجف:
— هذا ما أخبرتني به… نعم.
هز رأسه ,ببطء.
— لكن بعد دقائق… حدث شيء غريب.
اتسعت عيناي.
— ماذا تقص,د؟
قال بصوت خافت:

— عاد النبض.
شعرت بدوار مفاجئ.
— ماذا؟!
— الأطبا,ء نجحوا في إنعا,شه… لكنه كان في غي,بوبة عميق,ة.
لم أستطع التنفس لثوانٍ.
— لماذا… لماذا ل,م تخبرني؟
أخفض رأسه.
— لأن الطبيب قال إن إص,ابة ال,د,م,اغ خط,يرة جدًا… وإنه حتى لو عاش فقد يبقى في حالة نب,اتية… وربما لن يتذكر شيئًا أبدًا.
بدأت الدموع تس,يل على وجهي.
— هذا لي,س سببًا لإخ,فاء الأمر, عني!
هز رأسه بقوة,.
— هناك ما هو أسوأ.
سكت للحظة… ثم قال:
— في تلك الليلة… جاء إلى المست,شفى زوجان. كانا يبكيان بشدة…

لأن ابنهما الوحيد توفي في حا,دث سيارة أيضًا في نفس الليلة.
بدأ قلبي يخف,ق بسرعة.
— وماذا علاقة ذلك بابننا؟
أجاب بصوت مكسور:
— كان ابنهما في ا,لتاسعة أيضًا… وك,ان يشبه زين كثيرًا.
شهقت دون و,عي.
— لا…
أغمض خالد عينيه.
— نعم.
جلست على الكرس,ي لأن قدمي لم تعودا قادرتين على حملي.
— أكمل.
قال:
— الأطباء أخبروني, أن حالة زين ميؤوس منها… وأنه قد يعيش سنوات طويلة دون وع,,ج سيكون مكلفًا جدًا… وقد يدمّر حياتنا.,
بدأت أشعر بالغثيان.
— ماذا فعلت يا خالد؟

انفجر بالبكاء.
— في تلك اللحظة… كنت خائفًا… مرتبكًا… محطمًا.
صمت لحظة ثم قال:
— ذلك الزوجان كانا مستعدين لفعل أي شيء ليبقيا طفلًا في حياتهما.
رفعت رأسي ببطء… وبدأت أفهم.
— لا تقل لي…
قال وهو يرتجف:
— الطبيب عرض علي فكرة… فكرة مجنونة.
— ما هي؟
— أن يأخذا زين.
لم أصدق ما سمعت.
— ماذا؟!
— وأن نعلن وفاة ابننا… لأن الطفل الآخر توفي فعلًا… ولم يكن هناك من يستطيع التمييز بينهما بسهولة.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
— أنت… وافقت؟

لم يستطع النظر إلي.
— كنت أعتقد أنه لن يستيقظ أبدًا… وأنه سيعيش كجسد بلا روح… وكنت خائفًا عليك.
صرخت:
— خائف عليّ؟! فأخذت مني ابني؟!
انهار على الأرض وهو يبكي.
— كنت أعتقد أنني أنقذه… وأنقذك.
لم أستطع الكلام.
كل الذكريات… الجنازة… القبر… سنوات الحزن… مرت أمام عيني كأنها حلم كاذب.
قلت بصوت خافت:
— إذا كان ما تقوله صحيحًا… فهذا يعني…
نظر إلي بعينين مرتجفتين.
— نعم.
— ذلك الشاب…
همس:
— ربما يكون زين.
توقف الزمن للحظة.

شعرت وكأن قلبي سينفجر من صدري.
— لكن لماذا… لماذا أغلقوا الباب في وجهي؟
قال خالد:
— لأنهم يعرفون الحقيقة.
مرت ساعات تلك الليلة كأنها سنوات.
لم أنم.
ظللت أفكر في وجه الشاب… في عينيه المختلفتين… في ابتسامته.
كان هناك شيء في داخلي يقول إن قلبي لم يخطئ.
مع شروق الشمس… قلت لخالد:
— سنذهب إليهم اليوم.
هز رأسه ببطء.
— نعم… حان الوقت.
خرجنا من البيت ونحن نشعر بأننا نسير نحو قدر لا نعرف نهايته.
طرقت الباب.
هذه المرة… فتحته المرأة نفسها.

كانت تنظر إلي بقلق واضح.
قلت بهدوء:
— أرجوك… نحتاج إلى التحدث.
نظرت خلفي إلى خالد… ثم إلى وجهي.
تنهدت ببطء.
— كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي.
سمحت لنا بالدخول.
جلسنا في غرفة المعيشة.
بعد دقائق… دخل الشاب.
كان أطول مما تخيلت… وصوته أعمق… لكن ملامحه كانت نفس ملامح طفلي.
جلس أمامنا وهو ينظر إلينا باستغراب.
قالت المرأة بصوت مرتجف:
— اسمه الآن… سامر.
نظرت إليها.
— والاسم الحقيقي؟
انهمرت الدموع من عينيها.
— زين.
توقفت أنفاسي.
نظر الشاب بيننا بارتباك.

— ماذا يحدث؟
قال الرجل الذي كان يجلس بصمت طوال الوقت:
— حان وقت الحقيقة يا بني.
ثم نظر إلي وقال:
— نحن لم نخطفه… ولم نسرقه.
تابعت المرأة بصوت مكسور:
— زوجك هو من أعطانا إياه… لأن الأطباء قالوا إنه قد لا يعيش.
خفض خالد رأسه.
تابع الرجل:
— لكنه استيقظ بعد ثلاثة أشهر.
اتسعت عيناي.
— ماذا؟!
— لكنه فقد ذاكرته بالكامل.
شعرت بقلبي يتمزق.
— لم يتذكر شيئًا… لا اسمه… ولا ماضيه… ولا عائلته.
أكملت المرأة:
— فربّيناه كابننا.

نظر الشاب إلينا بوجه شاحب.
— هل… هل هذا صحيح؟
لم أستطع التوقف عن البكاء.
اقتربت منه خطوة.
قلت بصوت يرتجف:
— كنت تحب لعب كرة القدم… وكنت تكره الجزر… وكان لديك قط صغير اسمه لوز.
تجمد في مكانه.
وضعت يدي على فمي.
قال بصوت خافت:
— أنا… لدي صورة في رأسي لطفل يلعب بالكرة… لكنه دائمًا بلا وجه.
شعرت بالأمل يشتعل في صدري.
قلت:
— ذلك الطفل… هو أنت.
ساد الصمت في الغرفة.
ثم قال سامر بصوت متردد:
— هل… يمكن أن نجري اختبار DNA؟

أومأت بسرعة.
— بالطبع.
مرت الأيام التالية ببطء قاتل.
حتى جاء اليوم الذي تلقينا فيه النتيجة.
جلسنا جميعًا حول الطاولة.
فتح سامر الظرف.
قرأ الورقة… ثم رفع رأسه ببطء.
كانت عيناه مليئتين بالدموع.
قال بصوت مرتجف:
— النتيجة… تطابق بنسبة 99.9%.
وضعت يدي على فمي وأنا أبكي.
اقترب مني ببطء… وكأنه يخشى أن يلمس حلمًا قد يختفي.
ثم قال:
— أمي؟
لم أتمالك نفسي.
احتضنته بقوة وكأنني أعوض عشر سنوات من الغياب.
لكن بعد لحظات… شعرت بيده الأخرى تمتد نحو المرأة التي ربته.

فاحتضنها أيضًا.
وقال:
— لدي أمّان.
نظرت إليها.
كانت تبكي… لكن ابتسامة صغيرة ظهرت على وجهها.
قالت:
— لم أكن يومًا أريد أن أسرق ابنك… فقط كنت خائفة من فقدانه.
اقتربت منها وأمسكت يدها.
— لم تسرقيه… لقد أنقذتِه.
في تلك اللحظة… شعرت بشيء يتحرر في قلبي.
عشر سنوات من الحزن… بدأت تذوب.
لم يعد الزمن قادرًا على إعادة الماضي… لكنه منحني شيئًا لم أجرؤ على الحلم به.
ابني… عاد إلي.
لكن هذه المرة… لم أعد وحدي أمّه.
كان هناك قلب آخر شاركني حبه.
وربما…

هذا هو العدل الذي أراده الله منذ البداية.    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!