Advertisements
Advertisements
منوعات

ياجماعه حكايات رومانى مكرم

Advertisements

الصابون عن وجهي بيده المبللة.
وجدتُ نفسي، وبدون تفكير، أنجرّ وراء هذه الحالة العبثية. ضحكتُ من قلبي وأنا أرى شكلنا في مرآة الصالة؛ كأننا قطعتان من القطن تسيران على الأرض. بدأنا نتسابق، هو ينزلق من المطبخ وأنا أنزلق من غرفة النوم، لنلتقي في منتصف الصالة ب تصادم كوميدي يجعلنا ندور حول أنفسنا كالنواعير.
لكن المتعة لم تدم طويلاً، فقد تذكرتُ الكارثة التي تنتظرنا في الأسفل. أحمد، الجيران! الرغوة الآن ستصل لمطبخ عم محمد في الدور الأسفل عبر المواسير!
لم يكد ينهي جملته لا تقلقي، الرغوة تتبخر بسرعة حتى سمعنا صوتاً جهورياً من منور الشقة يا أستاذ أحمد!

يا ست ليلى! الغسيل عندي في البلكونة أصبح كله برائحة الليمون! هل أنتم تغسلون السجاد أم تغسلون العمارة كلها؟
كان هذا صوت الحاجة أم جابر التي لا ترحم في مشاجراتها. ارتبك أحمد، وحاول الوقوف بسرعة ليهدئ من روعها من الشباك، لكن الأرض خانته للمرة الألف. انزلق بقوة، وبدلاً من أن يتوقف عند الشباك، طار بجسده ليرتطم ب النيش الذي كان يحتوي على طقم الشاي البورسلين العزيز على قلبي.
اهتز النيش بعنف، وبدأت الأكواب والطباق تتراقص بالداخل، بينما وقفنا أنا وهو في صمت قاتل، نراقب الطقم وهو يميل ببطء شديد نحو السقوط..

وفي تلك اللحظة الحرجة، رن جرس الباب بعنف، وصوت ضابط الشرطة بالخارج يقول بصرامة
افتح يا أستاذ، لدينا بلاغ عن انفجار خط مياه واشتباه في غرق الشقة

بالكامل!
نظرنا لبعضنا البعض، الرغوة تغطينا من الرأس حتى القدم، النيش على وشك الانهيار، والشرطة على الباب.. فماذا سيفعل البطل الخارق أحمد في هذا المأزق؟
تجمدت الدماء في عروقنا؛ النيش يميل بزاوية مرعبة، والشرطة تطرق الباب بعنف، والرغوة وصلت لارتفاع الركبة. في هذه اللحظة، تحول أحمد من طفل متهور إلى مهندس كوارث. صرخ بصوت خفيض ليلى، أمسكي طرف النيش بسرعة، سأحاول أنا التعامل مع الباب!
انزلقتُ على بطني كالفقمة حتى وصلت لقاعدة النيش وسندته بكتفي، بينما استجمع أحمد قواه، ووقف ببطء وهو يتشبث بالحوائط حتى وصل إلى الباب. فتح فتحة صغيرة جداً، وخرج برأسه فقط، محاولاً إخفاء الكارثة البيضاء التي خلفه.
أهلاً يا سيادة الضابط.. خير؟ هل هناك مشكلة؟ قالها أحمد بابتسامة صفراء، بينما كانت فقاعة صابون كبيرة تستقر فوق أذنه كأنها قبعة.
رد الضابط بحدة بلاغ من الجيران بغرق العمارة، والرغوة تخرج من تحت عقب باب شقتك يا أستاذ.. ثم ما هذا الذي فوق رأسك؟
أحمد، بسرعة بديهة لا تُحسد عليها، مسح الفقاعة وقال أوه، هذا.. كنتُ أحلق ذقني وفجأة انفجرت ماسورة الحلاقة.. أقصد ماسورة الحوض! نحن الآن نحاول السيطرة على الوضع، والسباك في الطريق.
في تلك اللحظة، ناديتُه بصوت مخنوق من الداخل أحمدددد.. النيش ينهار، والرغوة بدأت تخرج من الباب!
لم يستطع أحمد الصمود أكثر، وبفعل ضغط الرغوة خلف الباب، انزلق قدمه فجأة ليفتح الباب

على مصراعيه، وتخرج تسونامي من الرغاوي والفقاعات لتغطي حذاء الضابط اللامع وزيه الرسمي!
اتسعت عينا الضابط من الذهول وهو يرى الصالة وقد تحولت إلى غسالة عملاقة، ويراني وأنا أسند النيش بظهري وأكاد أغرق في الرغوة. ساد صمت رهيب، لم يقطعه إلا صوت سقوط طبق واحد من البورسلين وتحطمه إلى ألف قطعة.
نظر الضابط إلى أحمد، ثم إليّ، ثم إلى الرغوة التي بدأت تزحف نحو السلم، وقال بنبرة هادئة ومخيفة اختبار لجودة الأرضيات، وماسورة حلاقة؟ هل تعتقدان أننا في برنامج كاميرا خفية؟
أحمد، وبدلاً من الاعتذار، نظر للضابط وقال بمنتهى الجدية يا فندم، والله هي كانت زحلقة واحدة، لكن الصابون نوعه أصلي والتحكم ضاع منا. هل تحب أن تجرب بنفسك؟ السيراميك ماركة عالمية!
كاد الضابط أن ينفجر، لكن قبل أن ينطق بكلمة قسم الشرطة، حدث ما جعل الجميع يصمتون.. صوت فرقعة قوية قادمة من سقف الصالة، وبدأت النجفة الكبيرة تهتز بعنف وكأن البيت كله قرر أن يشارك أحمد في رحلة التزحلق!
هل ستسقط النجفة فوق رؤوسنا؟ وكيف سيخرج أحمد من قضية إتلاف ممتلكات وإزعاج سلطات؟
تأرجحت النجفة يميناً ويساراً كبندول الساعة، وفجأة، وبدلاً من أن تسقط، انفجرت منها رشاشات المياه الخاصة بإنذار الحريق التي استشعرت الرغوة الكثيفة كأنها دخان، لتتحول الصالة رسمياً إلى شلالات نياجرا.
الضابط، الذي كان يحاول الحفاظ على هيبته، وجد نفسه وسط دوامة من المياه والصابون،

وبينما كان يحاول التراجع، انزلقت قدمه هو الآخر ليجد نفسه طارداً خلف أحمد في رحلة تزلج إجبارية انتهت بهما الاثنين تحت طاولة السفرة!
ساد صمت تام، لم يقطعه إلا صوت قطرات الماء. نظر الضابط إلى أحمد الذي كان بجانبه تحت الطاولة، ونظر أحمد إليه برعب، وفجأة.. انفجر الضابط في الضحك! ضحك بهستيريا لم أتوقعها، وقال وهو يمسح وجهه والله يا أستاذ أحمد، أنا من ساعة ما تخرجت من كلية الشرطة لم أرَ مجرماً ولا مواطناً فعل بي ما فعلته أنت بصابون الأطباق هذا!
قرر الضابط ب روح رياضية أن يغلق المحضر بشرط واحد أن يتم جفاف الشقة فوراً وتوزيع تعويضات بخور ومعطر جو على الجيران المتضررين. وبمجرد خروجه، التفتُّ إلى أحمد وأنا أمسك بخرطوم المياه وأستعد لإنهاء حياته الزوجية، لكنه سبقني بكلمة واحدة ليلى.. هل رأيتِ كيف انزلق الضابط؟ لقد كانت حركته أسرع مني! يبدو أن السيراميك يحتاج فقط لزيادة كمية الماء.
لم أنتظر، ألقيتُ فوق رأسه جردل المياه الأخير، وأجبرته على تنظيف الشقة شبراً شبراً وهو يرتدي مريلة المطبخ، بينما جلستُ أنا على الكرسي الوحيد الجاف، أراقب البطل الخارق وهو يمسح الأرض بدموعه بدلاً من الصابون.
انتهت المعركة بسلام، لكنني حتى الآن، كلما دخل أحمد البيت وبيده زجاجة صابون جديدة، أركض فوراً وأغلق باب البلكونة، وأخبئ فازة أمي، وأتأكد أن هاتفي مشحون.. تحسباً لطلب الإسعاف أو النجدة في الجولة القادمة من

أولمبياد الصابون المنزلي.

حكايات رومانى مكرم

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!