Advertisements
Advertisements
منوعات

طر.دني حكايات رومانى مكرم 2

Advertisements

“مين اللي برا يا عصام؟ مين اللي بيحر.ق لك المخازن وإنت هنا؟” ضحك عصام بقهقهة مريضة: “أنا ماليش دعوة يا باشا.. مش يمكن دعوات الولايا الغلابة؟ كريمة داست على ناس كتير وهي بتكبر، والظاهر إن الحساب جه بدري.” لكن الحقيقة كانت أبعد مما يتخيل الجميع. عادت كريمة إلى موقع الحريق. كانت النيران قد أكلت الأخضر واليابس. وقفت أمام الرماد، والعمال يلتفون حولها بوجوه يكسوها السواد واليأس. تقدم منها “عم منصور”، أقدم عامل في الشركة، ومد يده بورقة متفحمة الأطراف وجدها معلقة على باب المكتب المشتعل.

قرأت كريمة الكلمات المكتوبة بخط يد مهتز: **”فاكرة ‘سامح’؟ اللي ضحيتي بيه عشان تداري على غلطة ‘برج المنشاوي’؟ السجن اللي دخله زمان ظلم.. النهاردة بيطلّع ناره عليكي.”** سقطت الورقة من يد كريمة. “سامح!” همس حسين بذهول: “سامح المهندس المساعد؟ ده اختفى من سنين بعد ما قضى مدة عقوبة بتهمة إهمال جسيم في موقع البرج.. إحنا كنا فاكرين إنه مات أو سافر!” قالت كريمة بمرارة: “عصام استخدم السر ده ضدنا، بس الحقيقة إن سامح هو اللي كان شايل السر الحقيقي. أنا مضحيتش بيه يا حسين.. أنا دفعت له تمن سكوته، بس الظاهر إن حد لعب في دماغه وفهمه إننا الغدرنا بيه.”

لم تضيع كريمة دقيقة واحدة. تواصلت مع أحد أصدقائها في المخابرات العامة (سابقاً) ليتتبع أثر سامح. وفي أقل من ست ساعات، اكتشفت المفاجأة الكبرى: سامح لم يخرج من السجن ليعيش في الظل، بل كان يعمل “مستشاراً هندسياً” من وراء الستار لشركة منافسة كبرى، يملكها “مازن الهواري”.. العدو اللدود لوالد كريمة والراغب الأول في الاستحواذ على شركتها منذ سنوات. قالت كريمة لحسين وهي ترتدي معطفها بعزم: “عصام كان مجرد أداة غبية في إيد مازن وسامح. هما اللي زقوا عصام يطردني، وهما اللي مولوا خطة الخطف، ولما فشل عصام.. قرروا يحر.قوا كل حاجة عشان يجبروني أبيع الأرض والشركة بتراب الفلوس.”

في تلك الليلة، توجهت كريمة إلى قصر مازن الهواري. لم تذهب ومعها شرطة، بل ذهبت ومعها “حقيبة سوداء” وابتسامة واثقة. دخلت المكتب ووجدت مازن يجلس وبجانبه سامح، الذي تغيرت ملامحه تماماً وأصبح يملأ وجهه غل السنين. قال مازن بسخرية: “أهلاً بالمهندسة المنكوبة.. جاية توقعي عقود البيع؟ المخازن ولعت، والديون هتحبسك يا كريمة.” فتحت كريمة الحقيبة، وأخرجت منها “جهاز لوحي” (Tablet)، وعرضت فيديو مصوراً بكاميرات سرية جداً، يظهر فيه سامح وهو يسكب البنزين بنفسه في المخازن قبل الحريق بساعة، وبجانبه سيارة تابعة لشركة مازن الهواري.

قالت كريمة ببرود: “إنتوا نسيتوا إني مهندسة ديكور، يعني تخصصي ‘توزيع كاميرات وتأمين مخفي’. المخازن اللي حر.قتوها دي كانت مخازن ‘خشب قديم’ أنا نقلت ليها البضاعة الأصلية من أسبوع بعد ما شكيت في تحركات عصام. يعني اللي اتحر.ق ده كراكيب.. أما بضاعة الشركة الحقيقية، فهي في مكان آمن.” شحب وجه سامح، وانتفض مازن من مكانه: “إنتي بتبلغي عنا؟” ردت كريمة وهي تقف: “لأ.. أنا مش هبلغ بس. أنا هشتري شركاتكم بالثمن اللي إنتوا كنتوا عايزين تشتري بيه شركتي. الفيديو ده لو وصل للنيابة، إنت يا مازن هتخسر اسمك وسوقك، وإنت يا سامح هترجع السجن بتهمة حريق عمد وشروع في قتل.”

وضعت كريمة العقود أمامهم وقالت: “قدامكم ساعة واحدة تمضوا على تنازل عن أسهمكم في السوق لصالح شركتي.. كتعويض عن ‘الإزعاج’ اللي سببتوه ليا ولابني.” نظر سامح لمازن بضعف، بينما كان مازن يشعر لأول مرة أن القطة التي طُردت بالفوطة، تحولت إلى نمرة لا ترحم. وقبل أن يوقعوا، رن هاتف كريمة.. كان “عصام” يتصل من السجن من هاتف مهرب. ردت وفتحت “الاسبيكر” ليسمع الجميع. قال عصام بصوت مكسور: “كريمة.. أرجوكي.. أمي بتمو.ت في الحجز، وأنا مستعد أقول كل حاجة عن مازن وسامح بس طلعي أمي من هنا.”

ابتسمت كريمة لنهاية اللعبة وقالت: “اتأخرت أوي يا عصام.. الحساب اتقفل خلاص.” ** وقعت الأقلام على الأوراق بمرارة؛ وقع “مازن” و”سامح” على صك نهايتهما المهنية قبل أن يغادرا القاعة تحت حراسة مشددة، بعدما سلمت كريمة الفيديوهات للنيابة فور خروجها. لم تكن كريمة تسعى للانتقام لمجرد التشفي، بل كانت تغلق أبواب الشر التي ظلت مفتوحة لسنوات. ### المواجهة الأخيرة بعد مرور شهر، وقفت كريمة أمام زنزانة “عصام” للمرة الأخيرة. لم تعد هناك دموع، ولا حقد، فقط هدوء المنتصر الذي استعاد ذاته.

نظر إليها عصام من خلف القضبان، وقد غزا الشيب شعره في أسابيع قليلة، وقال بصوت متحشرج: “أمي ماتت يا كريمة.. ماتت وهي بتدعي عليكي. إنتي اللي قتلتِينا.” ردت كريمة بيقين هز أركان المكان: “ظلمك هو اللي قتلها يا عصام. لسانها اللي محترم سني ولا صان غيبتي هو اللي وصلها لهنا. أنا سكتُّ سنين عشان كنت فاكرة إن الصبر على الأذى حب، بس اكتشفت إن الصبر على الظالم جريمة في حق النفس. إنت مش مسجون ورا القضبان دي بس.. إنت مسجون جوه أنانيتك، وهتفضل فيها لحد ما تقابل رب كريم.”

تركت عصام يصرخ خلفها وخرجت إلى ساحة المحكمة، حيث كان “ياسين” ينتظرها بضحكته التي تعيد الحياة لقلبها. احتضنته بقوة وهي تنظر إلى السماء الصافية، مدركةً أن المطر الذي بللها ليلة طردها لم يكن عذاباً، بل كان “غسلاً” لروحها من أوهام دامت طويلاً. ### الإمبراطورة لم تكتفِ كريمة باستعادة شركتها، بل دمجت الشركات التي استحوذت عليها لتؤسس **”مؤسسة كريمة المنشاوي للإعمار”**. وأول قرار اتخذته كان بناء مجمع سكني للأرامل والمطلقات اللواتي لا مأوى لهن، وسمّته **”دار الكرامة”**؛ ليكون حصناً لكل امرأة ظنت يوماً أن العالم انتهى عند باب أغلقه رجل في وجهها.

### الحكمة من الحكاية في نهاية الطريق، وبينما كانت كريمة تقف في مكتبها الفاخر المطل على النيل، دونت في مذكراتها الكلمات التي أصبحت دستوراً لحياتها: 1. **الكرامة أغلى من لقمة العيش:** من يهددك بقوت يومك لكسر إرادتك، لا يستحق أن تتقاسم معه الرغيف، فالله هو الرزاق، والبشر مجرد أسباب. 2. **التضحية لها حدود:** إذا بدأت التضحية بمحو ملامح شخصيتك، فهي ليست حباً بل انتحاراً بطيئاً. الحب الذي لا يحترم عقلك وكيانك هو قيد يجب كسرُه.

3. **الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه:** لا تيأس إذا وجدتك الحياة “حافياً تحت المطر”، فربما كانت تلك هي اللحظة التي ستتعلم فيها كيف تبني قصرك الخاص بيدك، لا بظل غيرك. 4. **العدالة الإلهية قائمة:** قد يغلق الظالم في وجهك باباً من خشب، لكن الله يفتح لك أبواباً من فرص، ومن يخرج من بيته بكرامته، يملك الدنيا وما فيها. **تمت.**

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!