
تراجعت كريمة للخلف وهي تسعل بشدة، رائحة الغاز كانت خانقة لدرجة أنها شعرت بدوار يهاجم رأسها. وضعت يدها على أنفها وحاولت استجماع شتات نفسها. لم تدخل الشقة، بل تذكرت نصيحة أخيها: “في اللحظات دي، الغدر ملوش أمان.” سحبت هاتفها بسرعة واتصلت بحسين، وفي غضون دقائق كان رجال الإطفاء والشرطة يملأون المكان. تبين أن محبس الغاز تم تخريبه عمداً، وأن الشقة كانت على وشك الانفجار مع أول شرارة كهرباء. قال ضابط المباحث لكريمة: “دي محاولة قتل صريحة يا فندم. حد دخل الشقة بمفتاح مصطنع وعمل كده.”
نظرت كريمة إلى الضابط وقالت بجمود: “مش محتاجة تفكير يا حضرة الضابط.. عصام هو الوحيد اللي يقدر يعمل كده، أو حد باعتُه.” في تلك الأثناء، كان عصام يختبئ في منطقة عشوائية عند أحد أصدقائه القدامى، وحالته يرثى لها. الفضيحة التي حاول تدبيرها لكريمة انقلبت عليه، وأصبح مطلوباً للتحقيق بتهمة التشهير والتزوير، والآن.. محاولة القتل التي فشلت. صرخت فيه أمه بغل: “ضيعتنا يا عصام! بقيت مطارد زي المجرمين، والشقة اللي كنا طمعانين فيها بقت حلم بعيد. كل ده عشان واحدة كنت بتذلها بلقمة العيش؟”
رد عصام وهو يكسر زجاجة كانت أمامه: “مش هسيبها تتهنى! لو مش هتكون ليا ولتحت طوعي، مش هتكون لأي حد تاني. كريمة فاكرة إنها كسبت الجولة، بس هي نسيت إن عندها نقطة ضعف واحدة أنا عارفها كويس.” نظرت إليه أمه بتساؤل، فابتسم بخبث وقال: “ابنها.. ‘ياسين’.”
تجمدت الدماء في عروق كريمة وهي تتذكر. ياسين، ابنها من زوجها الأول الذي توفي في حادث منذ سنوات، والذي كان يعيش مع والدة زوجها الراحل في الإسكندرية لظروف دراسته وهدوء حياته هناك. عصام كان يكره ياسين، وكان يمنعها من زيارته إلا بصعوبة، لدرجة أنها كانت تخفي تفاصيل حياته عن عصام تماماً لتحميه من غيرته وتحكمه. ركضت كريمة نحو سيارتها وهي تصرخ في حسين: “ياسين يا حسين! عصام هيروح لياسين! هو عارف إن ده الحاجه الوحيدة اللي ممكن تكسرني وتخليني أتنازل عن كل حاجة.”
انطلق حسين بسيارته خلفها وهو يحاول تهدئتها: “كلمي طنط سعاد في إسكندرية فوراً، خليها تقفل الأبواب وماتفتحش لأي حد!” اتصلت كريمة، لكن الهاتف كان يعطي “غير متاح”. قلبت الدنيا في رأسها، وبدأت تضغط على دواسة البنزين بجنون، والمطر بدأ يهطل مرة أخرى، وكأن السماء تعيد مشهد ليلة طردها، لكن هذه المرة ليست كرامتها هي المهددة.. بل روح ابنها. وصلت كريمة إلى مشارف الإسكندرية في وقت قياسي. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً. توجهت مباشرة إلى البيت القديم، لتجد الباب مفتوحاً على مصراعيه والهدوء يسود المكان.
دخلت وهي تصرخ: “ياسين! ماما سعاد!” وجدت “سعاد” مقيدة على كرسي في الصالة، وفمها مكمم. جرت عليها وفكت قيدها وهي ترتعش. بكت السيدة العجوز وقالت بنحيب: “خده يا كريمة.. عصام جه ومعاه ناس وخدوا ياسين.. قال لي قولي لأمه لو عايزة ابنها يرجع، تيجي “المخازن القديمة” لوحدها، ومعاها كل عقود التنازل عن الشركة والشقة.” سقطت كريمة على الأرض، شعرت أن العالم ينهار فوق رأسها. عصام تحول من زوج نرجسي ومتحكم إلى مجرم غادر لا يتورع عن خطف طفل.
حاول حسين الاتصال بالشرطة، لكن كريمة أمسكت يده بقوة: “لأ يا حسين.. عصام مجنون، لو شاف عربية بوليس واحدة هيأذي ياسين. هو عايزني أنا.. وأنا هروح له.” حسين بحزم: “مش هتروحي لوحدك!” كريمة بعينين مشتعلتين بالقوة واليأس معاً: “هروح يا حسين. بس مش هروح عشان أتنازل.. هروح عشان أنهي الحكاية دي للأبد.” فتحت كريمة حقيبة يدها، وأخرجت منها “جهاز تسجيل” صغير كانت قد وضعته في ملابسها منذ بدأت معركتها مع عصام، وقالت بلهجة لم يسمعها حسين منها من قبل:
“عصام فاكرني لسه ‘كريمة’ بتاعة الفوطة والمطر.. ما يعرفش إن اللي اتولدت الليلة دي هي اللي هتحطه ورا القضبان بإيده هو.” تحركت كريمة نحو المخازن، والظلام يلف الطريق، وفي تابعو صفحه رومانى مكرم وصلت كريمة إلى منطقة المخازن المهجورة، المكان يفوح برائحة الصدأ والرطوبة، وصوت قطرات المطر وهي تصطدم بالصاج القديم يعزف لحنًا جنائزيًا. كانت الأضواء خافتة، والظلال تتراقص على الجدران المهدمة. ترجلت من سيارتها، وفي يدها حقيبة الأوراق، بينما كان حسين يراقبها من بعيد بجهاز تتبع، بعد أن اتفقا على عدم تدخل الشرطة إلا بإشارة منها.
دخلت كريمة المخزن الرئيسي، لتجد عصام يجلس على مقعد خشبي متهالك، وفي يده سيجارة، وبجانبه ياسين الصغير، الذي كان يجلس مقيدًا على كرسي، وعيناه تملأهما الدموع والخوف، لكنه صامت تمامًا كما علمته أمه دائمًا أن يكون قويًا. بمجرد أن رأى ياسين أمه، صرخ بخفوت: “ماما!” صاح عصام بغل: “اسكت يا ولد!” ثم وجه نظره لكريمة وقال بضحكة صفراوية: “نورتي يا باشمهندسة. شفتي بقى؟ الدنيا دوارة. من كام يوم كنتي إنتي اللي واقفة تحت المطر، والنهاردة إنتي اللي جاية لحد عندي وانتي بتترجي السماح.”
وقفت كريمة على بعد أمتار منه، وثباتها كان يثير جنونه. لم تبكِ، لم تصرخ، بل قالت بصوت هادئ: “سيب ياسين يا عصام. الأوراق اللي إنت عايزها كلها هنا. الشقة، الشركة، وحتى ورثي من بابا.. كله ليك.” لمعت عينا عصام بطمع: “ارمي الشنطة هنا واطلعي برا.. والولد هسيبه يرجع مع أخوكي لما أتأكد إن العقود سليمة ومفيش فيها مقلب من مقالبك.” فتحت كريمة الحقيبة ببطء، وأخرجت الأوراق، وقالت: “عايزة أتأكد الأول إن ابني بخير.” أومأ عصام لأحد رجاله، الذي فك قيد ياسين وأوقفه بجانبه.
قالت كريمة وهي تقترب خطوة واحدة: “عصام.. إنت ليه وصلت لكل ده؟ إحنا كان ممكن نطلق بهدوء وكل واحد يروح لحاله. ليه الخطف؟ ليه محاولة القتل بالغاز؟ ليه التزوير؟ إنت بتهدم نفسك مش بتهدمني.” ضحك عصام بسخرية: “ببني نفسي بفلوسك يا روح ماما! إنتي كنتي فاكرة إنك ذكية؟ أنا كنت عارف إنك هتخافي على الولد ده أكتر من حياتك. وبالمناسبة.. محاولة الغاز دي كانت مجرد قرصة ودن، بس اللي جاي لو ما وقعتيش دلوقتي.. هيكون النهاية.”
في هذه اللحظة، لاحظ عصام شيئًا غريبًا في تعبيرات وجه كريمة. لم تكن خائفة، بل كانت تنظر خلفه. فجأة، تحولت نبرة صوتها تمامًا، وقالت بلهجة حادة: “كنت محتاجة أسمعك وانت بتعترف بكل ده يا عصام.. ‘محاولة قتل بالغاز’، ‘خطف’، ‘ابتزاز’.. وبصوتك.” تجمد عصام مكانة: “إنتي بتقولي إيه؟” رفعت كريمة يدها، لتظهر جهاز تسجيل صغير مخفي في ياقة معطفها، متصل ببث مباشر عبر الإنترنت. وقالت: “ألف مبروك.. إنت دلوقتي ‘تريند’ يا عصام. والشرطة مش بس برا المخزن، الشرطة والنيابة وكل الناس بيسمعوا اعترافاتك لايف.”
جن جنون عصام، واندفع نحوها وهو يصرخ: “هقتلك يا كريمة!” لكن قبل أن يصل إليها، انهار السقف الزجاجي للمخزن بدخول رجال العمليات الخاصة، بينما سحب حسين ياسين بسرعة نحو الخارج تحت حماية الرصاص والقنابل الدخانية. سقط عصام على الأرض والشرطة تحاصره من كل جانب. كان يصرخ ويسب كالمجنون، بينما كانت أمه، التي كانت مختبئة في الغرفة الخلفية، تحاول الهرب لكنها وقعت في قبضة الضابط “خالد”. وقفت كريمة في وسط الفوضى، تنظر إلى عصام وهو يُقاد بالأصفاد. اقتربت منه للمرة الأخيرة، وقالت بهدوء قتل ما تبقى من كبريائه:
“فاكر ليلة ما طردتني بالفوطة؟ يومها إنت قفلت باب بيتك في وشي.. بس النهاردة، إنت قفلت باب الدنيا كله على نفسك. السجن مش بس حيطان يا عصام.. السجن هو اللي إنت عايش فيه جوه قلبك الأسود.” خرجت كريمة من المخزن، لتجد ياسين ينتظرها في ح.ضن حسين. ارتمى الصغير في أح.ضانها وهي تشم رائحته وتبكي لأول مرة منذ بدأت الحرب. قال لها حسين وهو يربت على كتفها: “خلصت يا كريمة. عصام وأمه هيتحاكموا بتهم توصل للمؤبد.”
نظرت كريمة إلى الأفق، حيث بدأت شمس يوم جديد تشرق وتشق غيوم الإسكندرية، وقالت: “مخلصتش يا حسين.. الحكاية لسه بتبدأ. أنا لازم أبني كل اللي هو هده، بس المرة دي.. الأساس هيكون صخر مش رمل.” لكن، وبينما كانوا يبتعدون بالسيارة، رن هاتف حسين. كان المتصل محامي الشركة بلهجة مذعورة: **”يا سيادة المستشار.. الحقونا! المخازن اللي فيها البضاعة الرئيسية للشركة ولعت كلها، وفيه حد ساب رسالة على المكتب مكتوب فيها: (النار مش بتنطفي بالحبس يا كريمة.. الحساب لسه مخلصش).”**
نظرت كريمة إلى حسين، وأدركت أن عصام ربما يكون خلف القضبان، لكن ذيوله في الخارج لا تزال تتحرك بدموية. للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم تجمدت أنفاس كريمة وهي تنظر إلى الدخان الأسود الذي بدأ يتصاعد في أفق المدينة، كأنه مارد غاضب يلتهم تعب السنين. لم تكن النيران في المخازن مجرد خسارة مادية، بل كانت “رسالة ذبح” موجهة لروحها التي بدأت تسترد عافيتها. صرخ حسين في الهاتف: “يعني إيه المخازن ولعت؟ فين طفايات الحريق؟ فين الأمن؟”
جاءه صوت المحامي المرتجف: “كل حاجة حصلت في ثواني يا فندم.. الأمن اتخدر، والولعة بدأت من جوه ومن بره في نفس الوقت. دي عملية احترافية مش مجرد انتقام عشوائي.” التفتت كريمة إلى حسين، وعيناها تلمعان بتحدٍ غريب، وقالت بصوت خفيض: “عصام في الحجز يا حسين.. يعني مش هو اللي نفذ. أمه كمان معانا. مين اللي ليه مصلحة يحر.ق شقايا دلوقت؟” في قسم الشرطة، كان عصام يجلس خلف القضبان، وجهه شاحب لكن ابتسامة خبيثة لم تفارق شفتيه حين وصله خبر الحريق. دخل عليه ضابط المباحث وضربه بالملف على الطاولة:

