Advertisements
Advertisements
منوعات

طرد عائلي حكايات أسما -2

Advertisements

بس الحكاية ما خلصتش عند كده… لأن أوقات ربنا لما بيكشفلك حقيقة ناس، بيكون لسه عنده دروس تانية يعلمها لك… وأنا كنت لسه في أول الطريق… الشقة الجديدة كانت صغيرة قوي، أوضة وصالة ومطبخ بالكاد يتسمى مطبخ، بس كانت أول مرة من سنين أحس إن المكان ده “بتاعي”… مفيش حد ممكن يقولي امشي… مفيش حد ممكن يبص لبنتي ويقرر إذا كانت تستاهل تقعد ولا لأ… ملك كانت بتجري من ركن لركن وهي بتضحك، وبتقوللي “دي أوضتي؟ بجد يا ماما؟” وأنا كنت كل مرة أهز راسي وأبتسم رغم إن جوايا خوف كبير… الخوف من بكرة… من الفلوس اللي بتخلص…

من الشغل اللي لسه مش مستقر… بس كنت مخبية كل ده ورا كلمة واحدة بقولها لنفسي كل يوم: “إحنا نجينا… والباقي هيتصلح”
بدأت أدور على شغل تاني… شغل بمرتب ثابت… بعد ما سيبت كل حاجة ورايا في القاهرة… الملفات اللي كنت بشتغل فيها، الناس اللي كانوا عارفينني، كل ده انتهى فجأة مع الزلزال… قدمت في مكاتب كتير، وشركات صغيرة، وحتى شغل إداري بسيط… وفي كل مرة كانوا يبصوا لي بنظرة فيها شك: “حضرتك سيبتي شغلك ليه؟” وكنت أجاوب بابتسامة باهتة: “ظروف”… الكلمة اللي بتخبي وراها حكايات ما تتقالش…

وفي يوم، بعد ما رجعت من مشوار طويل، لقيت ملك قاعدة على الأرض بترسم… رسمت بيت صغير، جنبه شجرة، ومرسومة أنا وهي ماسكين إيد بعض… سألتها: “ده إيه؟” قالتلي: “ده بيتنا الجديد… بس محتاج شباك كبير عشان الشمس تدخل”… ضحكت… بس جوايا حاجة وجعتني… بنتي شايفة الحلم بسيط… وأنا اللي شايفة الطريق صعب
تاني يوم جالي اتصال… من شركة محاسبة صغيرة في المنصورة… كانوا محتاجين حد ينظم لهم ملفات قديمة… مش شغل كبير، ولا مرتب ضخم، بس بداية… قبلت فورًا… أول يوم شغل، وأنا داخلة المكتب، افتكرت نفسي زمان… كنت واثقة، عارفة أنا بعمل إيه، والناس بتحترم شغلي… دلوقتي؟

حاسة إني ببدأ من الصفر… بس الفرق إني ببدأ وأنا أقوى… قعدت بالساعات أنضف ملفات، أرتب ورق، أراجع أرقام… وفي نص اليوم، صاحب المكتب وقف ورايا وقال: “حضرتك اشتغلتي فين قبل كده؟” رديت بهدوء، وبعدين سكت شوية وقال: “واضح إنك فاهمة… كويس”… الكلمة دي كانت صغيرة… بس بالنسبة لي كانت بداية رجوعي لنفسي
عدت الأيام، وابتديت أستقر شوية… ملك دخلت مدرسة قريبة، واتعرفت على بنت اسمها ياسمين، وبقوا يرجعوا سوا كل يوم يضحكوا ويحكوا… وأنا بقيت أرجع من الشغل ألاقي صوتهم مالي البيت… الصوت اللي كان ناقصني…

وفي يوم، وأنا بعمل حساباتي، لقيت إني لأول مرة من شهور، الفلوس مكفية آخر الشهر… يمكن بالعافية… بس مكفية… قعدت على الكنبة، وسندت راسي، وقلت لنفسي: “إنتي بتعمليها يا نادية… واحدة واحدة… بس بتعمليها”
بس زي ما قلت… الدروس ما خلصتش… بعد حوالي شهر، ماما اتصلت بيا… صوتها كان متردد: “ممكن تيجي؟” سكت شوية… وبعدين قالت: “أنا تعبانة شوية”… قلبي شد… مهما حصل، هي أمي… رحت لهم… البيت كان أهدى من قبل كده… مفيش نفس الزحمة… ولا نفس الصوت العالي… دخلت، لقيتها قاعدة وساكتة… وشها باين عليه التعب… قعدت جنبها وسألتها: “مالك؟” قالتلي: “الدنيا اتلخبطت يا بنتي”…

فهمت من غير ما تشرح… المشاكل اللي حصلت بسبب التوقيع المزور كانت أكبر من مجرد قضية… الثقة بينهم اتكسرت… الخناقات زادت… وكل واحد بقى خايف من التاني… سمر كانت قاعدة في الركن، مش بتتكلم… محمد ساكت… بابا باين عليه كبر سنين في شهور
ماما بصتلي وقالت: “إنتي كنتي صح… إحنا ظلمناكي”… الكلمة دي كانت تقيلة… تقيلة قوي… لأنها جات متأخر… بس برضه… كان لازم أسمعها… قلت لها بهدوء: “اللي فات مات يا ماما”… بس الحقيقة إن اللي فات عمره ما بيموت بالكامل… بيبقى ساكن جواك… يوجعك أوقات…

ويعلمك أوقات تانية
قعدت معاهم شوية، وساعدتهم يرتبوا شوية ورق تاني، وراجعت حسابات كانوا تايهين فيها… وأنا بشتغل، حسيت بنفس الإحساس القديم… إني أنا اللي شايلة الموضوع… بس المرة دي، أنا اللي مختارة أكون موجودة… مش مجبورة… الفرق ده كان كبير
قبل ما أمشي، ماما قالتلي: “إرجعي عيشي معانا”… بصيت لها… وبصيت للبيت… نفس البيت اللي وقفت على بابه وأنا محتاجة حضن… وما لقيتش… قلت بهدوء: “أنا كويسة يا ماما… هناكي في قلبي… بس بيتي بقى هناك”… ما زعلتش… يمكن فهمت… يمكن أخيرًا شافتني
رجعت شقتي… فتحت الباب، لقيت ملك قاعدة مستنياني، جريت عليا حضنتني وقالت: “اتأخرتي ليه؟”

حضنتها جامد… أكتر من أي مرة… لأن الحقيقة الوحيدة اللي بقيت متأكدة منها… إن البنت دي… هي كل حاجة
مرت الشهور… والشغل كبر… صاحب المكتب بدأ يعتمد عليا أكتر… وبعدين عرض عليا شراكة صغيرة… نسبة بسيطة… بس اعتراف كبير… وافقت… وبدأت أشتغل أكتر… أتعب أكتر… بس برضه أفرح أكتر… ملك بقت متفوقة في المدرسة، وكل يوم تيجي تحكي لي عن يومها… وأنا بقيت أسمع بجد… مش وأنا تايهة في هموم… لأ… وأنا موجودة
وفي يوم، وأنا قاعدة في الشغل، دخل عليا الأستاذ خالد… نفس المحامي اللي كلمني أول مرة… ابتسم وقال: “واضح إنك بقيتي في حتة تانية خالص”… ضحكت…

“يمكن”… قعد شوية وبعدين قال: “أنا كنت عايز أقولك… إن في ناس كتير بتخسر لما يحصل لها ظلم… بس قليل اللي بيعرف يحوله لقوة”… سكت شوية… وبعدين قال: “إنتي من القليل ده”…
الكلمة دي خلتني أفتكر أول يوم… أول ليلة في الأوتيل… أول دمعة خبّيتها… أول مرة باب اتقفل في وشي… وكل ده بقى بعيد… مش لأنه اتنسى… لكن لأنه ما بقاش يحددني
وفي ليلة هادية… وأنا قاعدة في شباك الشقة، ببص على الشارع، ملك نايمة جوا، والهوا داخل خفيف… افتكرت كل حاجة… وقلت لنفسي: “لو رجع بيا الزمن… كنت هقبل أعيش كل ده تاني؟” وسكت شوية… وبعدين ابتسمت…

“آه… علشان أوصل للي أنا فيه دلوقتي”
الحكاية ما كانتش عن بيت وقع… ولا عن عيلة قفلت بابها… الحكاية كانت عن واحدة وقفت لوحدها… واتعلمت تفتح بابها بنفسها… وعن طفلة صغيرة علمت أمها إن الأمل ممكن يكون بسيط… رسمة فيها شباك وشمس… بس كفاية يخلّي الحياة تكمل
ويمكن… يمكن أكتر حاجة اتعلمتها… إن الكرامة مش كلمة بنقولها… الكرامة قرار… بيتاخد في لحظة وجع… بس بيغير عمر كامل
وفي يوم… ملك جتلي وهي شايلة نفس الكراسة القديمة… وقالتلي: “بصي يا ماما… رسمت بيتنا تاني”… بصيت… نفس البيت… بس المرة دي… الشباك كان كبير… والشمس مالية الرسمة كلها…
ابتسمت…

وقلت لها: “أيوه يا حبيبتي… كده بقى كامل”
— حكـايات أسمـا السيـد

عدّى وقت… مش قليل… ومش سريع… الوقت اللي بيعدّي وهو بيصلّح فيك حاجة حاجة… من غير ما تحس… لحد ما تبص لنفسك في يوم وتستغرب: إمتى بقيت بالشكل ده؟ إمتى بقيت هادية بعد ما كنتي مكسورة؟ وإمتى الضحكة بقت طالعة من قلبك مش مجاملة للحياة؟
كنت واقفة في المطبخ الصغير بتاع شقتي… بحضر عشا بسيط… وملك قاعدة على الترابيزة بتحل واجبها… فجأة قالت من غير ما ترفع عينيها من الكراسة:
— ماما… إحنا بقينا عيلة حقيقية صح؟
السؤال بسيط… بس وقعُه كان تقيل… حطيت المعلقة في الطبق وبصيت لها…

— كنا عيلة من الأول يا حبيبتي
هزت راسها وقالت:
— بس دلوقتي محدش ممكن يبعدنا عن بعض… صح؟
ابتسمت… والمرّة دي ما كانش في خوف جوايا… ولا شك
— صح
رجعت تكتب… وأنا فضلت واقفة شوية… مستوعبة الكلمة… “محدش”… قد إيه كانت بعيدة عن الحقيقة زمان… وقد إيه دلوقتي بقت حقيقية
الشغل كبر… والاسم بتاعي بقى معروف في كذا مكتب… وبقيت أنا اللي بييجي لي شغل… مش أنا اللي بدور عليه… خطوة صغيرة… بس كانت حلم زمان… صاحب المكتب بقى شريكي رسمي… وبدأنا نفتح فرع تاني… وأنا كنت مسؤولة عنه… أول يوم فتحت الباب…

حسيت نفس الإحساس… بس بشكل مختلف… المرة دي باب بيتفتح… مش بيتقفل
ماما بقت تكلمنا كل أسبوع… أوقات تيجي تزورنا… تقعد مع ملك… تجيب لها حاجات… تحاول تعوض… وأنا ما كنتش بمنعها… ولا بقرّبها زيادة… خليت كل حاجة تمشي بهدوء… من غير ضغط… من غير وجع جديد
سمر كمان اتغيرت… بقت أهدى… يمكن الحياة علمتها… يمكن الخوف اللي عاشته خلّاها تشوف الدنيا بشكل تاني… في مرة جتلي وقالت:
— نادية… أنا كنت غلطانة
بصيت لها… وما رديتش بسرعة…
— بس أنا اتعلمت
سكت شوية… وبعدين قلت:

— المهم إنك اتعلمتي
ما كانش في حضن… ولا دموع كبيرة… بس كان في سلام… وده كان كفاية
بابا بقى ييجي يقعد معانا ساعات… يلعب مع ملك… يضحك… يمكن بيحاول يرجّع حاجة ضاعت… وأنا كنت بسيبه… مش عشان أنسى… لكن عشان أعدّي
وفي يوم… حصل حاجة صغيرة… بس كانت أكبر من كل اللي فات… ملك كان عندها حفلة في المدرسة… “يوم العيلة”… كل طفل ييجي ومعاه حد من عيلته… زمان كنت هتوتر… هفكر مين ييجي… مين يقف جنبي… بس المرة دي؟
لبست… وجهزت… ومسكنا إيد بعض وروحنا
المدرسة كانت مليانة ناس… أب وأم… جدود… إخوات…

كل أشكال العيلة
ملك كانت واقفة على المسرح… ولما شافتني… ابتسمت ابتسامة كبيرة… وبدأت تغني… صوتها كان عالي… واثق… مليان فرح
وفي نص الأغنية… قالت جملة… كانت جزء من الفقرة
— العيلة مش عدد… العيلة أمان
وقتها… حسيت دموعي نزلت من غير ما أحس… لأن الجملة دي… هي كل اللي عديت بيه… كل اللي عيشته… كل اللي اتعلمته
بعد الحفلة… جريت عليا حضنتني وقالت:
— شوفتي؟ غنيت حلو؟
حضنتها جامد…
— إنتي أجمل حاجة في حياتي
رجعنا البيت… وإحنا بنضحك… الطريق كان عادي… نفس الشارع… نفس الزحمة… بس إحساسي مختلف…

لأن لأول مرة… ما كنتش شايلة هم بكرة… ولا خايفة من حد…
وفي الليل… بعد ما نامت… قعدت لوحدي… فتحت الشباك… نفس الشباك اللي كانت عايزاه في رسمتها… والشمس كانت دخلت منه النهار كله…
بصيت للسما… وافتكرت كل حاجة… أول ليلة في الأوتيل… أول كلمة اتقالت لي: “مش ممكن تقعدي”… أول خطوة مشيتها وأنا شايلة شنط تقيلة وقلبي أتقل…
وسألت نفسي: لو ما كانش الباب ده اتقفل… كنت هكون فين دلوقتي؟
والإجابة كانت واضحة…
كنت هفضل واقفة… مستنية مكان حد تاني يدّيهولي
لكن دلوقتي؟
أنا اللي بنيت مكاني… بإيدي… بتعبي…

بصبري
وفي لحظة هدوء… قلت الدعوة اللي خرجت مني يومها… بس المرة دي بصوت ثابت:
“اللهم اخرجنا من كل ضيق إلى أوسع طريق”
وبعدين ابتسمت… لأن الطريق فعلاً اتفتح… بس مش لوحده… أنا اللي مشيته
والتوقيع المزور… اللي كان ممكن يضيّع بيت… كان السبب إنه يبني روح
روح ما بترجعش تتكسر بسهولة
وقفت… قفلت الشباك… وبصيت على أوضة ملك… نور خفيف… وهدوء
دخلت… عدّلت الغطا عليها… وبصيت لوشها…
قلت بهدوء:
— إحنا وصلنا يا حبيبتي…
يمكن مش لأكبر بيت… ولا لأحسن حياة…

بس وصلنا لمكان واحد بس مهم
مكان نكون فيه… مرحّب بينا
— حكـايات أسمـا السيـد تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!