
كنـت فاكـرة إن ولادي بيحبـوني بجـد… بعـد ما جـوزي توفـى، بـقوا فجـأة يهـتموا بيـا أكـتر… ياخـدوني للـدكتور، ويجيبـولي طلبـاتي، ويقولوا دايـمًا إنهـم عايـزين راحتـي ومصلحـتي لما قالولي إن في كشف تاني لازم أعمله… وافقت من غير ما أفكر لحظة بس بدل ما ياخدوني على العيادة… وصلوني لدار مسنين نزلت من العربية وأنا مش فاهمة… بصيت لهم، لقيتهم بيحــ,,ـــــضنوني بسرعة..وقالولي: هنرجعلك قريب يا ماما…ودي كانت آخر مرة أشوفهم فيها الأيام عدت… وبقت أسابيع…ولا تليفون… ولا زيارة… ولا حتى رسالة
طلبت من الموظفين في الدار يكلموهم… مرة واتنين وعشرة… بس مفيش رد بدأت أحس إني اتشالت من حياتهم… كأني حاجة قديمة مالهاش لازمة لحد ليلة… ما قدرتش أستحمل الإحساس ده أكتر من كده خدت شوية حاجات بسيطة… وخرجت من الباب الجانبي في هدوء مشيت لحد ما وصلت الشارع بتاعي… قلبي كان متعلق بأمل صغير يمكن ألاقي النور مفتوح… يمكن أسمع صوت ضحك… يمكن حد منهم يكون مستنيني بس لما وصلت… اتجمدت..البيت… كان فاضي الشبابيك من غير ستاير… مفيش ولا حاجة من حاجتي
ولا صورة… ولا كرسي… ولا حتى ريحة المكان كل حاجة اختفت…وفي الجنينة… كان في يافطة مكتوب عليها “تم البيع” نفس المكان اللي كنت بزرع فيه ورد بإيدي… وبستناه يطلع كل ربيع…رجلي ما بقتش شايلاني ولادي… باعوا البيت البيت اللي بنيته أنا وأبوهم… واللي فيه كل ذكرياتنا مسحت دموعي… بالعافية…وقفت على رجلي… رغم الوجع..وفي اللحظة دي… حاجة جوايا اتغيرت ووو رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلي والدي وان اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي اني تبت إليك واني من المسلمين..
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد ” style=”” class=””]مسحت دموعي بالعافية… وقفت على رجلي رغم الوجع… وفي اللحظة دي… حاجة جوايا اتغيرت… مش مجرد زعل… ولا حتى صدمة… كان إحساس تقيل… كأني صحيت فجأة من حلم طويل… حلم كنت مصدقاه بإرادتي… إني لسه مهمة… إني لسه أم… إني لسه ليّ مكان في حياة حد
بصيت حواليا على البيت اللي بقى مش بيتي… على الشباك اللي كنت بفتحه كل صباح… على الجنينة اللي كنت بسقيها بإيدي… كل تفصيلة فيه كانت بتحكي عمري… ضحكتي… تعبي… سنين عمري اللي راحت وأنا ببني حاجة كنت فاكرة إنها هتفضل لآخر نفس… لكن الحقيقة كانت واقفة قدامي بوضوح قاسي… كل حاجة ممكن تتباع… حتى الذكريات… حتى الأم لفّيت ضهري ومشيت… مش عارفة رايحة فين… ولا المفروض أعمل إيه… الشارع اللي كنت عارفة كل زاوية فيه… بقى غريب… والناس اللي كانوا بيسلموا عليّ… بقى في عينيهم نظرة مختلفة… نظرة شفقة يمكن… أو يمكن أنا اللي بقيت بحس بكده
قعدت على الرصيف شوية… رجلي ما كانتش شايلاني… عقلي بيعيد كل لحظة… كل مرة ولادي قالولي فيها “إحنا جنبك يا ماما”… كل مرة صدقت… كل مرة حسيت بالفخر… إني ربيتهم صح… إني نجحت… طلع كل ده وهم… أو يمكن أنا اللي كنت عايزة أصدقه بس وسط كل ده… صوت جوايا بدأ يطلع… ضعيف في الأول… بس واضح… بيقول: قومي قمت مش علشان عندي قوة… ولا علشان مش موجوعة… لكن علشان ما بقاش عندي حاجة أخسرها… لما كل حاجة بتتاخد منك… الخوف بيختفي… وده كان أول إحساس حقيقي بالقوة حسيت بيه من سنين
رجعت دار المسنين تاني… بس المرة دي مش زي الأول… دخلت وأنا مرفوعة الراس… الموظفة بصتلي باستغراب وقالت: “رجعتي؟ كنا قلقانين عليكي” ابتسمت ابتسامة خفيفة… وقلت: “أنا مش هرجع هنا كضيفة تاني… لو هقعد… يبقى بإرادتي” الكلمة دي… أول مرة أقولها… بإرادتي الأيام اللي بعد كده كانت تقيلة… بس مختلفة… بقيت ببص حواليا… وأشوف الناس اللي زيي… قصص شبه قصتي… أم اتسابِت… أب اتنسي… ناس كانوا يوم من الأيام كل حاجة… وبقوا فجأة ولا حاجة
بس الغريب… إن في وسط الألم… كان في حياة ست اسمها أمينة… كانت دايمًا بتضحك رغم إن ولادها ما بيسألوش عليها… راجل اسمه عم حسين… بيحكي نكت كل يوم… رغم إنه فقد مراته وابنه في دــ,,ـــــادث… ناس موجوعة… بس لسه عايشة ابتديت أقعد معاهم… أسمع… وأحكي… وأضحك وببطء… الألم بدأ يتحول مش اختفى… بس بقى أخف… بقى مفهوم… بقى جزء من الحكاية مش نهايتها في يوم… مدير الدار ناداني… قاللي إن في حد سأل عليّ
قلبي وقف لحظة… قلت يمكن… يمكن حد منهم رجع… يمكن حسوا… يمكن افتكروا خرجت بسرعة… وبصيت بس اللي واقف… ماكانش واحد من ولادي

