Advertisements
Advertisements
منوعات

ماكينة خياطة جدتي حكايات اسما

Advertisements

جـدتي تركـت بيتـها للجـارة… وأعطتنـي فقـط ماكينـة الخيـاطة الـقديمة لكننـي وجـدت مفـتاحًا ومـلاحظة غيـرا كـل شـيء
بعد وفاة أمي، لم يبقَ لي في هذه الدنيا سوى جدتي فاطمة.
ربتني في بيت صغير قديم بحي هادئ في مدينة المنصورة، بيت تحيط به شجرة ياسمين وباب خشبي أزرق اعتدت أن أفتحه كل يوم بعد المدرسة.
حتى بعدما انتقلـتُ إلى القاهرة للعمل، لم أنقطع عنها.
كنت أعود تقريبًا كل عطلة نهاية أسبوع، أحمل لها الحلوى التـي تحبها، وأجلس معها في الشرفة نستعيد ذكريات لا تنتهـي.
بالنـسبة لي، لم تكن جدتي مجرد جدة… كانت أمي الثانية، وملجـئي الوحيد.

وحـين رحـلت، شعرت أن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
بعد أيام قليلة من الجنازة، اجتمعنا في مكتب المحامي لقراءة الوصية…كان الجو مشحونًا بالصمت.
تنحنح المحامي وقال بصوت رسمي: يؤول المنزل الكائن بحي الجامعة إلى السيدة منى.
تجمدت في مكاني.منى؟
كانت جارة جدتي.
كانتا تذهبان معًا إلى المسجد كل جمعة، ويتبادلان الأطباق في الأعياد.
نعم، كانتا قريبتين… لكن أن تترك لها البيت؟
شعرت بشيء داخلي ينكسر.
ثم تابع المحامي: أما إلى حفيدتها، فتترك السيدة فاطمة ماكينة الخياطة الخاصة بها.
ماكينة الخياطة؟ لم أستوعب.

ذهبت إلى منى بعد الجلسة وسألتها إن كانت تعرف شيئًا عن سبب هذا القرار….ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
يا بنتي… أكيد جدتك كانت عارفة كويس هي بتعمل إيه. يمكن كانت شايفة الصورة كاملة.
كلماتها زادت حيرتي…دخلت البيت للمرة الأخيرة.
لمست الجدران التي شهدت طفولتي.
فتحت الدولاب الذي كانت تضع فيه ملابس العيد التي تخيطها لي بنفسها…جلست قليلًا على الأريكة التي كانت تنام عليها في ليالي الشتاء الباردة…ثم حملت ماكينة الخياطة.

حكايات توته وستوته
كانت قديمة وثقيلة، لكن عليها آثار يديها…كم مرة جلست بجوارها تراقبني وأنا أذاكر، وهي تخيط لي فستانًا جديدًا لأن المال لم يكن يكفي لشراء واحد؟..كم مرة أصلحت لي معطف المدرسة حتى لا أشعر بالنقص أمام زميلاتي؟
على الأقل… هذا الشيء لي.
الاكتشاف الذي لم أتوقعه حكايات اسما
أحضرت صندوقًا لأضع الماكينة بداخله…وأثناء رفعها، شعرت بشيء صلب أسفلها.
قلبتها ببطء… وتجمدت.
كان هناك … صلي على محمد وال محمد وتابع معايا👇

كان هناك مفتاح صغير مثبت بشريط لاصق وتحته ورقة مطوية بعناية لم أستطع أن أتنفس للحظة شعرت وكأن الزمن توقف حولي جلست على الأرض والماكينة بجانبي ويدي ترتجفان وأنا أفك الشريط وأفتح الورقة ببطء كان خط جدتي واضحا كما أعرفه منذ طفولتي يا حبيبتي لو وصلت لهذه الرسالة يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة كاملة عارفة إنك موجوعة ويمكن حاسة إني ظلمتك لكن صدقيني أنا كنت بحميكي روحي على العنوان اللي تحت بالمفتاح ده وهتفهمي كل حاجة لم أستوعب الكلمات في البداية كنت غاضبة حزينة مشتتة لماذا تتركني البيت الذي عشت فيه عمري وتعطيني فقط ماكينة قديمة ثم تكتب لي عن حقيقة

لم أعرفها أبدا نظرت إلى العنوان كان في قرية قريبة من دمياط لم أسمع به من قبل كتبت العنوان في الهاتف ووجدته يبعد ساعة تقريبا عن المنصورة قلبي كان يدق بسرعة شعرت بالخوف لكن الفضول كان أقوى وضعت المفتاح في جيبي وأغلقت الصندوق وخرجت من البيت للمرة الأخيرة وأنا لا أعرف هل سأعود إليه أم لا الطريق كان طويلا وكل دقيقة تمر كانت تزيد من توتري وصلت إلى القرية مع غروب الشمس بيوت بسيطة وشوارع ضيقة وهدوء ثقيل كأن المكان ينتظرني توقفت أمام منزل صغير بطابق واحد باب خشبي بني وشباك مغلق بستارة بيضاء شعرت بقشعريرة تسري في جسدي أخرجت المفتاح

من جيبي وضغطته في راحة يدي بقوة حتى كاد يؤلمني تقدمت بخطوات بطيئة وضعت المفتاح في القفل وأدرته سمعته يفتح بسهولة وكأنه كان ينتظرني دفعت الباب بحذر ودخلت رائحة قديمة من الخشب والغبار استقبلتني أغلقت الباب خلفي وأنا أتنفس بصعوبة كانت الغرفة الأولى بسيطة للغاية طاولة قديمة وخزانة خشبية وصندوق في الزاوية تقدمت أكثر ووجدت شيئا جعلني أتجمد على الحائط صورة كبيرة تجمع جدتي برجل لم أره من قبل كانت تبدو أصغر سنا في الصورة وتبتسم بجانبه ابتسامة مختلفة لم أرها من قبل جلست على الكرسي القريب وأنا أشعر أن الأرض تميد بي فتحت درج الطاولة ووجدت ملفا سميكا وضعت يدي

عليه ببطء وفتحته كانت أوراقا رسمية وصورا ورسائل قديمة وبينها شهادة ميلاد باسم امرأة شابة تحمل اسم أمي لكن الأب المدون لم يكن الاسم الذي عرفته طوال حياتي شعرت بأنفاسي تتقطع هل يمكن أن يكون كل ما عرفته عن عائلتي غير صحيح فتحت رسالة أخرى بخط جدتي كانت أطول هذه المرة وتقول يا حبيبتي أنا عارفة إن اللحظة دي صعبة عليك بس لازم تعرفي إن أمك كانت ضحية قرار خاطئ وأنا كنت السبب في إخفاء الحقيقة الرجل اللي في الصورة ده هو والدك الحقيقي لم يكن زوج أمك الذي عرفتيه لكنه كان شابا بسيطا أحبها بصدق لكن عيلتنا رفضته بسبب فقره

وخوفي على سمعتنا خليت أمك تبعد عنه وتوافق على زواج آخر وبعد فترة اكتشفنا إنها حامل بيكي والدك حاول يرجع ويطالب بحقه لكني أنا اللي منعت الموضوع كنت فاكرة إني بحميها وبحميك لكني كنت بظلم الجميع الرجل ده عاش حياته وحيدا لكنه ما بطلش يسأل عنك البيت ده اشتراه زمان وكتبه باسمي عشان ما حدش يعرف قصته لكنه كان نفسه في يوم تعرفي إنك بنته وإنه عمره ما تخلى عنك شعرت بصدمة عنيفة دموعي نزلت دون أن أشعر هل يعقل أن يكون والدي الذي ظننته تخلى عنا لم يكن أبي الحقيقي وأن الرجل الذي في الصورة عاش عمره ينتظرني نظرت حولي

في البيت وكأنني أراه بعين جديدة على الطاولة كان هناك إطار صورة أخرى لي وأنا طفلة في العاشرة لم أعرف متى التقطت هذه الصورة ومن الذي كان يراقبني لأخذها شعرت بالخوف ثم أدركت أن جدتي كانت على علم بكل شيء طوال هذه السنوات وكانت تخفي عني السر الأكبر في حياتي عدت إلى الرسالة وأكملت القراءة والدك توفى من سنتين قبل ما أقدر أصلح غلطتي لكنه ساب البيت ده وكل ما يملكه باسمك وأنا نقلت الملكية قبل وفاتي بأيام منى كانت مجرد ستار علشان محدش يشك في حاجة البيت اللي في المنصورة كتبته باسمها مؤقتا بعقد أمانة وهترجعه لك لما توصلي للحقيقة

أنا عارفة إنك زعلانة مني لكن صدقيني كنت بحاول أحميك بطريقتي الغلط سامحيني لو تقدري جلست على الأرض وأنا أحتضن الرسالة شعرت بمزيج من الغضب والحزن والارتياح أخيرا فهمت لماذا تركت لي الماكينة فقط كانت تعلم أنني سأبحث فيها لأنها تعرف كم تعني لي لم ترد أن يعرف أحد بالحقيقة قبل أن أكون مستعدة لمواجهتها نهضت ببطء وتجولت في أرجاء المنزل كان صغيرا لكنه دافئ وكأنه يحمل ذكريات لم أعشها بعد فتحت الخزانة ووجدت صندوقا به ملابس طفلية وألعاب قديمة وصور أخرى لي مع رجل يقف بعيدا يراقبني بعينين مملوءتين شوقا أدركت أنه كان يتابعني من بعيد طوال حياتي دون أن

يقترب بناء على رغبة جدتي خرجت إلى الشرفة الصغيرة ونظرت إلى السماء شعرت بأن حياتي التي ظننت أنني أعرفها انقلبت رأسا على عقب لكن في أعماقي كان هناك شعور خفي بالسلام كأن قطعة مفقودة من روحي عادت إلى مكانها عدت إلى المنصورة في تلك الليلة وأنا أحمل الرسائل والملف والمفتاح في حقيبتي ذهبت مباشرة إلى منى طرقت بابها وعندما فتحت نظرت إلي بعينين تعرفان كل شيء قبل أن أنطق قالت وصلت لها صح هززت رأسي وقلت ليه ما قولتيش لي ابتسمت بحزن وقالت جدتك كانت خايفة عليك من الصدمة كانت عايزة تختاري بنفسك تعرفي ولا لأ البيت ده بيتك من يوم

ما اتولدتي وأنا كنت حافظة الأمانة بس سكتت احتراما لوصيتها دموعي نزلت مرة أخرى لكن هذه المرة لم تكن دموع خيبة كانت دموع كشف حقيقة عشت عمري أجهلها عدت إلى بيت جدتي في اليوم التالي وأول شيء فعلته أنني وضعت ماكينة الخياطة في مكانها كما كانت تماما شعرت أنني أخيرا فهمت لماذا أعطتني إياها لم تكن مجرد آلة كانت المفتاح لطريق الحقيقة كانت تعرف أنني الوحيدة التي ستبحث جيدا ولن تترك الأمر يمر بسهولة بعد أسابيع قليلة أنهيت إجراءات نقل ملكية البيت في دمياط باسمي وعدت أزوره كل فترة أجلس في الغرفة التي علقت فيها صورة والدي الحقيقي وأحدثه عن حياتي

وأخبره أنني عرفت أخيرا أنه لم يتخل عني وأنني سامحته رغم أنه لم يخطئ يوما أما بيت المنصورة فقد عاد باسمي كما وعدت منى وعرفت أن جدتي لم تكن تحب الجارة أكثر مني لكنها كانت تخطط ليكشف السر بطريقة لا تجرحني أمام الناس تعلمت من تلك القصة أن بعض القرارات التي تبدو قاسية قد تخفي خلفها حبا عميقا وأن الحقيقة مهما طال إخفاؤها ستجد طريقها للخروج وأن مفتاحا صغيرا مخبأ أسفل ماكينة قديمة قد يفتح أبواب عمر كامل من الأسرار ومن يومها لم أعد أنظر لماكينة الخياطة كقطعة حديد قديمة بل كصندوق أسرار حمل رسالة أخيرة من جدتي تقول لي فيها

إنني كنت دائما أغلى ما تملك حتى لو بدا العكس في لحظة قراءة الوصية واليوم كلما مررت بجوار الباب الخشبي الأزرق أتذكر أن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تموت وأن القلب الذي يحب قد يخطئ لكنه في النهاية يبحث عن وسيلة ليصلح خطأه حتى بعد الرحيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!