
بعد أن وجدنا طفلًا صغيرًا متروكًا أمام باب منزلنا أصبحت أمًا لأول مرة وأنا في السادسة والخمسين من عمري ولم أكن أتخيل أن تلك اللحظة ستفتح بابًا لسر دفين سيعود بعد ثلاثة وعشرين عامًا ليقلب حياتي رأسًا على عقب
كنت أنا وزوجي محمود قد تعودنا على فكرة أننا سنمضي حياتنا معًا دون أطفال فقد مررنا بسنوات صعبة لم يكن المال فيها كافيًا حتى لنفكر في تكوين أسرة ثم أصبت بمرض طويل أنهكني وأخبرني الأطباء بعده أنني لن أتمكن من الإنجاب أبدًا ومع مرور السنوات تعلمنا أن نصنع لأنفسنا حياة هادئة صغيرة نعيشها نحن الاثنان فقط بلا ضجيج ولا فوضى ولا ألعاب مبعثرة على الأرض وكنا نقنع أنفسنا بأن هذا الاكتفاء هو شكل من أشكال السلام
في صباح شتوي هادئ استيقظت قبل محمود بقليل كان البيت غارقًا في الصمت حتى إن صوت خطواتي كان يبدو مرتفعًا على أرضية المطبخ وبينما كنت أستعد لإعداد القهوة سمعت صوتًا خافتًا يشبه بكاء طفل ظننته في البداية خيالًا أو صوتًا قادمًا من شقة بعيدة لكن الصوت تكرر بوضوح أكبر هذه المرة قادمًا من خارج باب شقتنا مباشرة فتوقفت في مكاني وشعرت بأن قلبي بدأ ينبض بقوة غير مفهومة
اقتربت ببطء من الباب وفتحته بحذر وعندما انفتح الباب تجمدت مكاني تمامًا كان هناك طفل رضيع ملفوف ببطانية خفيفة لا تقيه البرد وموضوع على عتبة المنزل كأن أحدهم تركه ورحل في صمت تام دون أن يلتفت خلفه حملته بسرعة إلى الداخل كان جسده باردًا ويداه صغيرتين مرتعشتين فاستيقظ محمود على صوتي وأنا أطلب مساعدته وفعلنا معًا كل ما نستطيع فعله لإنقاذ حياته ثم اتصلنا بالشرطة وخدمات حماية الطفل الذين حضروا سريعًا وأخذوه معهم بعد أن تأكدوا من استقرار حالته
عاد المنزل إلى صمته بعد رحيلهم لكن شيئًا في داخلي لم يعد كما كان لم أستطع التوقف عن التفكير في ذلك الطفل ولو للحظة واحدة كنت أتصل يوميًا تقريبًا لأطمئن عليه وأسأل عن حاله وأنتظر أي خبر عنه لكن الأيام مرت دون أن يتقدم أحد للمطالبة به وكأن العالم كله نسي وجوده
في تلك اللحظة اتخذنا القرار الذي غيّر حياتنا إلى الأبد قررنا أن نتبناه وأطلقنا عليه اسم كريم رغم همسات الناس التي كانت تلاحقنا بأننا أكبر من أن نربي طفلًا وبأننا نبدو كجدين لا كوالدين إلا أننا لم نهتم بتلك الكلمات بل بذلنا كل ما لدينا لنمنحه حياة مليئة بالحب والرعاية وأصبح كريم الابن الذي لم نجرؤ يومًا حتى على الحلم بوجوده
مرت السنوات سريعًا كأنها لحظة واحدة كبر كريم أمام أعيننا وتحول إلى شاب طيب حنون يحمل في قلبه كل ما تمنيناه له من خير وكنت أنظر إليه كثيرًا بشعور امتنان عميق لأن القدر منحه لنا في اللحظة التي كنا نظن فيها أن كل الأبواب أغلقت لكن صباحًا واحدًا كان كافيًا ليغيّر كل شيء من جديد قبل أن أتمكن حتى من إعداد القهوة سمعت طرقًا على الباب فتحت لأجد امرأة غريبة لم أرها من قبل تقف أمامي بوجه متوتر ونظرات قلقة ولم تحاول حتى تقديم نفسها بل قالت مباشرة إنها تعرف ابني منذ زمن طويل وإنه لم يخبرني بالحقيقة
