Advertisements
Advertisements
منوعات

توقيع وهمي حكايات اسما

Advertisements

نظرت إلى أمينة فوجدتها واقفة عند الباب تحمل الصينية ووجهها متوتر لكنها تحاول أن تبدو طبيعية وعيناها تناديني من بعيد كأنها تقول فهمتيني صح وأنا لم أستطع أن أطمئنها بكلمة لأن كلمة واحدة في مثل هذه اللحظة قد تنفجر كل الخطة فرفعت فقط حاجبي قليلا كإشارة خفيفة أنها ليست وحدها
نهى مدت يدها مرة أخرى بالفنجان وقالت اشربي يا ماما ده بيظبط المزاج وكنت على وشك أن أمد يدي لكنني تعمدت أن أتراجع لحظة وأقول لها لا خليها بعد شوية خلينا نخلص ورقنا الأول وأنا رأيت تغيرا خفيفا في عينيها تغيرا لا يراه إلا من عاش مع البشر طويلا وعرف

أن الفزع الحقيقي لا يظهر بالصراخ بل بوميض خاطف في الحدقة
كريم فتح الملف وقال طيب نبدأ بالبند الأول وبصوت ثابت بدأ يقرأ لكني لم أكن أسمع الكلم,,ات كلها كنت أسمع في خلفية رأسي همس أمينة ما تشربيش ثقي فيا وأسمع صوت حسن لا توقعي وقلبك مش مرتاح وأسمع أيضا أصوات سنوات طويلة من المواقف الصغيرة التي كانت تؤكد لي أن نهى لا تحبني أبدا لكنها تتقن دور الزوجة المثالية والموظفة البراقة التي تعرف كيف تدخل القلوب بابتسامة
تظاهرت أنني أقرأ معه ثم قلت فجأة يا كريم فين المحامي بتاعنا مش المفروض يكون موجود في تنازل زي ده حتى

لو شكلي قلتها ببساطة وكأنها ملاحظة إدارية لا اتهام فابتسم كريم وقال المحامي موجود على الموبايل يا ماما يعني لو احتجنا حاجة هنكلمه وحبيت نخلّيها عائلية وبصراحة أنا مش بحب أدخل غرباء في البيت وكأنني أسمع دفاعا مكتوبا مسبقا وقلت في نفسي طبعا لأن الغريب قد يرى ما لا تريدون أن يراه أحد
نهى تدخلت بسرعة وقالت يا ماما ما تقلقيش كل حاجة قانونية وأنا كنت متابعة البنود بند بند وبعدين احنا مش هنظل,,م نفسنا يعني كريم ابنك وده لمصلحتك قبل مصلحته وأنا ابتسمت لها وقلت كلام جميل يا نهى ربنا يبارك لك ثم التفت إلى كريم وقلت طب استنى

بس هقوم أجيب حاجة من غرفة المكتب فوق عندي نسخة من السجل التجاري القديم عايزة أقارن رقم السجل وده كان قرارا ثانيا صغيرا لكنه مهم لأنني احتجت دقيقة وحدي
قمت ببطء وأخذت وقتي في الصعود وكأنني أتعب من السلم وفي داخلي كنت أحسب كل شيء ماذا لو كانت القهوة فعلا مسـ,ـمومة ماذا لو كان الهدف أن أفقد وعيي ثم يوقعوا نيابة عني أو يثبتوا أني غير مؤهلة ماذا لو كانت الخطة أكبر من مجرد توقيع ماذا لو كان هناك شهود ينتظرون لحظة انهياري
دخلت غرفة المكتب وأغلقت الباب خلفي واتكأت على الطاولة وأنا أتنفس بعمق ثم فتحت درج الملفات

القديم الذي لا يعرف مكان مفتاحه إلا أنا وأخرجت ملفا أحتفظ فيه منذ سنوات بنسخ من كل شيء عقود شركاتنا أرصدة البنوك خطابات التأسيس حتى إيصالات شراء أول ماكينة في الورشة وكنت دائما أضحك على نفسي وأقول احتياط يا ليلى لكني اليوم فهمت أن الاحتياط ليس وسواسا بل عقل
أخرجت أيضا هاتفي وكتبت رسالة قصيرة جدا للمدير المالي في الشركة اسمه شريف وقلت له اتصل بي حالا ضروري ثم أرسلت رسالة أخرى للمدير القانوني رانيا وقلت لها لو حد حاول يعمل أي إجراء باسمي النهارده وقفيه فورا واتصلي بالمحامي أحمد وخلّي كل حاجة تتجمد ولم أشرح أكثر لأن أي شرح

في رسالة قد يصبح سلاحا ضدك فيما بعد
ثم تذكرت شيئا أخطر حساب التوقيع الإلكتروني في البنك لأن أغلب التحويلات الكبيرة لا تتم إلا بتوثيق إضافي وفهمت أن لو حدث لي مكروه اليوم فقد يستغلونه خلال ساعات فسارعت وفتحت تطبيق البنك وغيّرت كلم,,ات المرور وأوقفت صلاحية التوقيع الإلكتروني مؤقتا من خلال خاصية الأمان ووضعت تنبيها على أي حركة مالية
كنت أرتجف ليس خوف,,ا بل غض,,با لأنني أدركت أن ابني كريم الذي حملته وأرضعته ودفعت عنه المرض ووقفت معه في أول فشل وأول نجاح يجلس الآن في الصالون ينتظر أن أنتزع بيدي قلب حياتي وأضعه في يده على طبق فضي

وربما لا يعرف حتى أنه جزء من مؤامرة أكبر أو ربما يعرف تماما ويؤدي دوره ببرود
نزلت بعد دقائق وأنا أحمل الملف كذريعة وملامحي عادت هادئة كما تعودت أن أفعل في الاجتماعات الصعبة وجدتهم في نفس الوضع كريم يقلب الصفحات ونهى تمسك فنجانها وتشرب منه رشفة صغيرة جدا ثم تضعه وكأن طعمه تغير أو كأن القلق أصبح يقطع حلقها
قلت لكريم بابتسامة بسيطة لقيت النسخة القديمة اهو بس قبل ما نكمّل أنا عايزة أشرب مية الأول فجأة حاسة بجفاف في حلقي ونهى قامت بسرعة قالت هجيبلك أنا يا ماما لكني رفعت يدي لا خلي أمينة تجيبلي أمينة أمينة هتجيب

وقلت ذلك وأنا أنظر إلى أمينة التي كانت تقف على مسافة كأنها تنتظر أوامر وأنا رأيت ارتياحا خفيفا في عينيها
دخلت أمينة المطبخ بسرعة ثم عادت بكوب ماء زجاجة مقفولة فتحتها أمامي بعناية وهذا وحده كان رسالة تؤكد شكوكي لأن الماء في بيتي موجود دائما لكن الآن صار كل شيء يحتاج إثباتا أن أحدا لم يلمسه
شربت رشفة ماء ثم قلت لكريم نرجع للبند الأول وبدأ كريم يشرح من جديد لكني هذه المرة كنت أطرح أسئلة محددة عن كل سطر عن كل رقم عن كل نسبة عن كل صلاحية وكنت أرى التوتر يزيد على وجهه لأن الأسئلة ليست في

السين,,اريو الذي أعدوه
نهى حاولت تقطع عليّ بأسلوب لطيف فقالت يا ماما بلاش تعقيد إحنا عيلة وكريم مش هيضحك عليكي وأنا رفعت عيني إليها وقلت وأنا ولا عمري قلت غير كده يا نهى بس أنا اتعلمت إن اللي يحبك لازم يستحمل أسئلتك لأن السؤال يحمي المحبة من الندم
سكتت نهى لحظة وكأنها تلقت صفعة منطقية لا تستطيع الرد عليها ثم ابتسمت ابتسامة مشدودة وقالت طبعا يا ماما اسألي اللي أنتي عايزاه
في تلك اللحظة رن هاتفي كان شريف المدير المالي وأنا تعمدت أن أرفع الصوت قليلا وأقول أيوه يا شريف خير بسرعة فقال بصوت متوتر يا مدام ليلى

حضرتك كنتي باعتة رسالة أنا تحت أمرك قلت له اسمعني كويس دلوقتي أي تحويلات أو أوامر صرف أو توقيع باسم الشركة النهارده تتوقف تماما من غير ما تسألني وعايز تقرير فوري عن آخر أسبوعين حركة حسابات أنا هبعتهالك على الإيميل حالا قال حاضر حاضر ثم سأل في حاجة حصلت قلت له لا بس إجراءات احترازية وغلقت
رأيت كريم يحدق بي ونهى تحاول أن تبدو غير مهتمة لكن أص,,ابعها كانت تعصر الفنجان بقوة حتى كدت أسمع احتكاك السيراميك بجلدها
قلت لكريم خلينا نأجل التوقيع ساعتين بس لحد ما يجي محامي الشركة بنفسه علشان أنا مش مرتاحة أني أوقع من غيره

وكريم قال لكن يا ماما ده ترتيب بسيط والوقت ضيق وأنا قلت ببساطة الوقت عمره ما كان أضيق من عمري يا كريم
ساد صمت ثقيل لحظة ثم قالت نهى بسرعة يا ماما طيب على الأقل اشربي القهوة علشان الضغط يهدى وأنا رفعت عيني إليها ورأيت الإصرار في جملتها كان أقوى من الاهتمام كان كأنه دفع لبوابة مغلقة فقلت لا شكرا أنا اكتفيت بالمية
هنا حدث شيء حاسم نهى لم تتمالك نفسها للحظة فقالت بنبرة قصيرة حادة ليه حضرتك مصممة تعملي مشاكل كل مرة بنحاول نقرب منك بتفتحي سيرة شك ومحاسبة وكأننا أعداء وأنا تأملت وجهها وقلت بهدوء مفاجئ يا

نهى أنا مش بعمل مشاكل أنا بحمي نفسي وبحمي الشركة وبحمي كريم نفسه لأن اللي ياخد حاجة وهو مش جاهز لها هتدفـ,ـنه قبل ما ترفعه
كريم حاول يهدّي وقال خلاص يا ج,,ماعة مفيش داعي للتوتر يا ماما بس أنا قلقان عليكي من التعب أنتي مش مركزة قوي النهارده يمكن علشان القهوة مرة شوية وأنا ابتسمت وقلت يمكن فعلا
ثم فعلت شيئا لم أتخيل يوما أنني سأفعله مع ابني قلت له يا كريم ممكن تروح تجيبلي الدوا من شنطة إيدي في العربية أنا نسيت آخده الصبح وهو في الدرج الجانبي وانت عارفه وساعتها كنت أخلق سبب يجعله يخرج من الغرفة

لدقيقة لأنني أردت أن أختبر نهى وحدها
كريم قام بسرعة وقال حاضر يا ماما ونزل وبعد أن أغلق الباب شعرت أن الهواء تغير نهى وضعت الفنجان على الطاولة ونظرت إليّ نظرة لم تعد مغطاة باللطف وقالت حضرتك بتلفي وتدوري ليه مش عايزة تسيبي الأمور تمشي طبيعي قلت لها طبيعي زي إيه قالت زي إنك توقعي وتسلمي لابنك زي أي أم سوية
ضحكت ضحكة خفيفة وقلت لها أي أم سوية لا تسلم رقبتها وهي مغمضة نهى
نهى اقتربت خطوة وقالت إنتي شايفاني وحشة ليه أنا بحاول أخلي كريم يبقى صاحب قرار لأن الشركة محتاجة شباب وأنا قلت محتاجة كفاءة

قبل الشباب ثم سكتت لحظة وقلت لها قوليلي بصراحة مين اللي كتب بند منع المحامي من الحضور كريم ولا أنتي
وجهها تغير لثانية ثم قالت كريم هو اللي قال كده قلت لها طب ليه أنتي اللي بتدفعي القهوة ليه أنتي اللي مصرة أني أشرب فنجانك أو فنجاني
هنا ظهرت أول شرارة خوف حقيقي في عينيها ثم تداركت وقالت حضرتك بتهلوسي أنا بس مهتمة بصحتك
في نفس اللحظة
دخلت أمينة الصالون دون أن أطلبها
تقدمّت بخطوات سريعة
ووقفت خلفي مباشرة
وقالت بصوت منخفض لكن واضح
يا هانم حضرتك سامحيني
أنا لازم أقول دلوقتي

القهوة دي مش من عندنا
الست نهى هي اللي جابتها
وفتحت الغطا لوحدها في المطبخ وأنا شوفت
نهى صرخت فجأة إنتي بتقولي إيه يا قليلة الأدب
ومدّت يدها كأنها ستصفع أمينة
لكنني رفعت يدي بسرعة وقلت بصوت حاد لأول مرة اقفي مكانك يا نهى
تجمدت
وتراجعت
وبدأت تتنفس بسرعة
قلت لأمينة كملي
قالت وهي تبكي أنا كنت هسكت والله
بس أول ما حضرتك شربتي حسيت إن في حاجة غلط
أنا شميت ريحة غريبة في الكوباية لما كنت بأرفعها
زي ريحة دوا
زي حاجة مش طبيعية
وبعدين

شفت الست نهى وهي بتطلع من شنطتها حاجة صغيرة وتحطها بسرعة وأنا كنت واقفة ورا الباب
أنا خوفت على حضرتك
ده انتي زي أمي
نهى حاولت تضحك ببرود وقالت دي ست خدامة بتتخيل ومش ناقصانا تمثيل
فقلت لها بهدوء مش محتاجين خيال
محتاجين دليل
رفعت الهاتف واتصلت فورا بالمحامي أحمد الذي يعمل معنا منذ سنوات وقلت له أحمد تعالى بيتي حالا ومعاك أي حد من معمل التحاليل اللي بتتعامل معاهم الشركة وجيب معاك نموذج تحليل سريع لأي مادة سامة في مشروب وقلت ذلك بصوت لا يقبل نقاشا
نهى اتسعت عيناها وقالت إنتي مجنونة ده

بيت عيلة قلت لها بيت عيلة نعم لكن العيلة اللي تخون تتحول لقضية
دخل كريم في تلك اللحظة وهو يحمل شنطتي ويقول لقيت الدوا يا ماما وابتسامته على وشه ثم توقف عندما رأى وجوهنا فقال في إيه
نظرت إليه طويلا ثم قلت له كريم قعد هنا
عايزاك تسمع كويس
الخادمة بتقول إن نهى حطت حاجة في القهوة
ونهى بتقول إن أمينة بتكذب
وأنا هتحقق حالا
وده مش كلام يتنسى
كريم ارتبك وقال إيه الكلام ده يا ماما مستحيل نهى تعمل كده دي مراتي
نهى أسرعت وقالت شفت يا كريم أمك بتصدق الخدامة

وبتتهمني
قلت له يا كريم أنا مش بصدق حد أنا بختبر الحقيقة
ثم التفت إلى أمينة وقلت هاتي الفنجانين
أمينة ذهبت بسرعة وجابت الفنجان الذي شربت منه أنا قليلا والفنجان الذي كانت تشرب منه نهى وجابت أيضا العبوة الورقية التي جاءت بها القهوة من الخارج
قلت لكريم بصوت ثابت هتروح دلوقتي تقفل الباب بالمفتاح وتخليه معاك ومحدش يطلع ولا ينزل لحد ما يجي المحامي
كريم قال يا ماما ده مبالغة
قلت له نفذ يا كريم
لأول مرة في حياته
رأيت ابني يتردد بين زوجته وأمه
بين ما تربى عليه وما اختاره

ثم تحرك ببطء وأغلق الباب
نهى بدأت تنهار تدريجيا قالت انتي بتعملي عليا مؤامرة انتي مش بتحبيني وعايزة تفرقي بيني وبين كريم
قلت لها أنا كنت ممكن أفرق بينك وبينه زمان بفتحة نفس لو كنت شايفة إنك خطر لكني سكتت لأنني قلت يمكن ابني سعيد
لكن السعادة اللي تبنى على مـ,ـوتي مش سعادة
نهى قالت مـ,ـوتك
إنتي بتقولي إيه
قلت لها أنا لا أتهمك بالقـ,ـتل إلا لو أثبت التحليل ذلك
لكن إصرارك أن أشرب رغم رفضي
ورغبتك أن يتم التوقيع اليوم دون محامي
وتحويلك الاجتماع من ترتيب مستقبل إلى تنازل كامل

كل ده مش صدفة
بعد نصف ساعة جاء المحامي أحمد ومعه فني من معمل تحاليل قريب يعمل معنا في فحوصات السلامة الصناعية وكان يحمل حقيبة صغيرة وأدوات أخذ عينة
المحامي نظر إلى كريم وقال حضرتك استدعيتني على إيه يا مدام ليلى
قلت له هتسمع وتشتغل بسرعة
ثم حكت أمينة القصة من أولها
ونهى تقاطع وتصرخ
وكريم يحاول أن يفهم
وأنا أجلس كأنني على كرسي إدارة أزمة في مصنع وليس في بيتي
الفني أخذ عينات من القهوة ووضعها في أنابيب صغيرة ثم استخدم اختبارا أوليا سريعا وقال نحن هنحتاج معمل لتأكيد النتيجة لكن في

مؤشرات لمادة مهدئة قوية مش من مكونات القهوة العادية
كريم قال مادة مهدئة
نهى صاحت كداب
المحامي رفع يده وقال لو سمحتم دلوقتي الموضوع اتحول لمسار قانوني رسمي وأي كلمة هتتقال هتتحسب
نهى جلست فجأة وكأن الهواء خرج من ص,,درها
وعيناها تبحثان عن مخرج
ثم قالت بصوت منخفض كريم أنا عملت كده علشان أمك صعبة وكنت خايفة تضيّع الشركة بتعنّتِها أنا كنت عايزاها تهدى بس وتوقع من غير دراما
قلت لها تهدى يعني تغيب عن الوعي
قالت أنا ما كنتش أقصد أذيها
أنا بس كنت عايزة القرار يمر

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!