
عدّى شهر تقريبًا بعد الموقف ده… والحياة بدأت تهدى شوية… بس الهدوء ده كان شكله هادي بس من بره… من جوه… كل حاجة كانت لسه بتتحرك… ببطء… وبوجع… كريم بقى ييجي يشوف الأطفال كل أسبوع… في الأول كان التوتر باين عليه… وعلى “عمر” أكتر… كان واقف دايمًا في النص… لا هو قادر يقرب… ولا قادر يبعد… يبص له بحذر… كأنه مستني منه حاجة تانية تحصل… حاجة تخوفه تاني… أما “ليلى”… فكانت أسهل… الأطفال الصغيرة قلبهم أسرع في المسامحة… كانت تجري عليه أول ما تشوفه… بس لسه بتحــ . ــضن دبدوبها وهي معاه… كأنها بتأمّن نفسها…
وأنا كنت بتابع كل ده من بعيد… بحاول أكون هادية… بس جوايا صوت بيقول: متثقيش… اللي كسر مرة… ممكن يكسر تاني… بس في نفس الوقت… كنت شايفة حاجة بتتغير… حاجة صغيرة… بس حقيقية… كريم بقى يقعد يلعب معاهم بجد… مش بالموبايل… ولا وهو سرحان… كان بيبص لهم… يسمعهم… يضحك بصدق… وده كان جديد… أمه كانت دايمًا تيجي معاه في الأول… تقعد شوية… تراقب… مش علشان تشك فيه… لأ… علشان تطمن إن اللي حصل قبل كده مش هيتكرر… وفي مرة… وأنا واقفة في المطبخ… سمعتها بتقوله بصوت واطي: “الأبوة مش فلوس… الأبوة موقف”… الجملة دي فضلت ترن في د.ماغي كتير…
لأنه كان واضح إنه بيحاول يفهمها… مش بس يسمعها… وفي يوم… حصل موقف صغير… بس فرق معايا جدًا… “عمر” وقع وهو بيلعب… وخبط ركبته… زمان… كان كريم ممكن يقول له: “قوم يا راجل… مفيش حاجة”… بس المرة دي… جري عليه… شاله… وقعد يطبطب عليه… وقال له: “معلش… حصلت… تعال نطهرها”… وفضل معاه لحد ما بطل عياط… “عمر” ساعتها بص له نظرة مختلفة… نظرة فيها أمان خفيف… مش كامل… بس بداية… وأنا حسيت إن قلبي بيرتاح غصب عني… بس برضه… كنت حاطة حدودي… واضح… ثابت… مفيش رجوع… اللي اتكسر بيني وبينه… خلاص… انتهى… لكن كأب… كنت مستعدة أدي له فرصة… علشانهم…
مش علشانه… وفي ليلة… بعد ما مشي… “عمر” دخل عليا وقالي: “ماما… بابا بقى كويس شوية صح؟”… السؤال كان بسيط… بس إجابته كانت تقيلة… بصيت له… وقلت: “هو بيحاول”… قال: “طب لو فضل كويس… نقدر نثق فيه تاني؟”… سكت… لأنه السؤال الحقيقي… اللي أنا نفسي معرفش إجابته… بس قلت له: “الثقة بتيجي واحدة واحدة”… هز راسه… وكأنه فهم… رغم سنه الصغير… والأيام عدت… وبدأنا نرجع لحاجة شبه الروتين… لحد ما اليوم اللي كل حاجة فيه اتقلبت تاني… كان يوم خميس… زي اليوم اللي كل حاجة بدأت فيه… صدفة غريبة… أو يمكن مش صدفة… كنت قاعدة بجهز الأكل… والأطفال بيلعبوا… وفجأة…
الباب خبط… مش خبط عادي… خبط سريع… قلق… فتحت… لقيت “كريم”… بس شكله مختلف… وشه مرهق… عينه حمرا… ونَفَسه سريع… أول كلمة قالها: “الأطفال فين؟”… قلبي وقع… قلت له: “جوه… في إيه؟”… دخل بسرعة… وركع قدامهم… حــ . ــضنهم جامد… زيادة عن اللزوم… “ليلى” ضحكت… بس “عمر” اتوتر… وقال: “في إيه يا بابا؟”… كريم سكت لحظة… وبعدين قال: “أنا… محتاج أتكلم مع ماما”… بصيت له… وعرفت إن في حاجة كبيرة… خرجنا البلكونة… وقف وهو مش عارف يبدأ… وبعدين قال فجأة: “أنا سيبتها”… فهمت فورًا… “أم يوسف”… قلت: “ليه؟”… قال وهو باصص للأرض: “علشان اكتشفت إني كنت بهرب… مش بحب”… سكت…
وبعدين كمل: “كنت فاكر إني لما أبدأ حياة جديدة… هنسى اللي عملته… بس كل ما أشوف ولادي… بحس إني بخونهم تاني”… الكلام كان صريح… لأول مرة… من غير لف ولا دفاع… قلت له: “وده قررت تعمله دلوقتي؟”… قال: “آه… متأخر… بس أحسن من ولا حاجة”… بصيت له… مش متعاطفة… بس فاهمة… ودي حاجة أخطر… لأنه الفهم ممكن يضعفك… بس أنا كنت حاطة خط… واضح… قلت له بهدوء: “قرارك ده يخصك… بس ميغيرش اللي بينا”… هز راسه… وقال: “أنا عارف… ومش طالب حاجة… غير إني أصلح علاقتي بولادي”… سكت شوية… وبعدين قال: “بس في حاجة لازم تعرفيها”… قلبي شد… قال: “يوسف…
متعلق بيا جدًا… وأنا مش عارف أعمل إيه”… هنا… دخلنا في منطقة أصعب… لأنه طفل… ملوش ذنب… قلت له: “إنت اللي دخلت حياته… وإنت المسؤول”… قال: “عارف… بس مش عايز أظلــ . ــمه… ولا أظلــ . ــم ولادي”… سكتنا الاتنين… لأن الحقيقة… مفيش حل مثالي… الأيام اللي بعد كده… كانت مليانة ضغط… كريم بيحاول يوازن… بين طفلين حياته… وطفل مالوش ذنب… وأنا بحاول أحافظ على استقرار ولادي… من غير ما أدخل نفسي في دوامة تانية… بس الحاجة اللي حصلت… غيرت كل حاجة تاني… في يوم… كنت في النادي مع الأطفال… و“ليلى” بتلعب… و“عمر” بيرسم… فجأة… لقيت ولد صغير واقف بعيد…
بيبص عليهم… عينه فيها نفس النظرة اللي شفتها قبل كده… نظرة طفل مستني… قربت منه… وقلت: “إنت تايه؟”… قال: “لا”… وسكت… وبعدين قال: “إنتي ماما عمر وليلى؟”… قلبي دق… قلت: “آه”… قال: “أنا يوسف”… الدنيا سكتت لحظة… الولد اللي كل المشاكل كانت حوالينه… واقف قدامي… صغير… هادي… ومش فاهم أي حاجة من اللي الكبار بيعملوها… قلت له: “إنت لوحدك؟”… قال: “ماما هناك”… وشاور بعيد… بصيت… لقيت أمه… واقفة… بتبص… نفس الست اللي كلمتني… قربت… وقالت بهدوء: “معلش… هو شافهم وجري”… الجو كان مشحون… بس مفيش عداء… بس واقع… قلت لها: “ولا يهمك”… يوسف قرب من “عمر”… وقال له: “ينفع ألعب معاك؟”…
“عمر” بص لي… كأنه بيستأذن… هزيت له راسي… وقال له: “تعالى”… وبدأوا يلعبوا… بشكل طبيعي… مفيش كراهية… مفيش مقارنة… مجرد أطفال… وأنا واقفة… مش مصدقة… يمكن الكبار هما اللي بيعقدوا كل حاجة… الأطفال أبسط بكتير… كريم جه بعد شوية… ولما شاف المشهد… وقف… وسكت… عينه د.معت… بس ما اتكلمش… يمكن لأول مرة… يفهم إن الحل مش في الهروب… ولا في الأنانية… الحل في إنه يكون إنسان… وبس… اليوم ده خلاني أفهم حاجة جديدة… إن القصة عمرها ما كانت عن خـ. . يانة بس… ولا طلاق… القصة عن اختيارات… بتأذي ناس… وبتعلم ناس… وبتغير ناس… وأنا؟… أنا بقيت أقوى… مش علشان اتحملت…
لأ… علشان اخترت نفسي… واخترت ولادي… وحطيت حدود… ومن ساعتها… وأنا عارفة… إن أي حد ممكن يغلط… بس مش أي حد يستحق فرصة تانية… الفرصة… بتتاخد بالأفعال… مش بالكلام… وكريم؟… لسه في النص… لا هو اتصلح بالكامل… ولا هو زي الأول… بس على الأقل… بقى بيحاول… وده… في عالم مليان هروب… يعتبر بداية… مش نهاية…
حكـايات أسمـا السيـد ✍️


