
وفي تلك اللحظة، انكسر شيء داخل آدم….أربع عشرة سنة وهو غير مرئي… والآن يُسحَب خارجًا بينما رضيع يمــ . ــوت لأن لا أحد يريد أن يسمع ابن عاملة النظافة. أفلت فجأة من يد الحارس، اندفع نحو السرير، حمل الطفل، وركض إلى الحمّام المجاور، مغلقًا الباب خلفه. على الرخام، رأى علبة صغيرة: فحم طبي منشّط. تردّد صوت جدته في رأسه: الفحم يمسك السمّ ويطلّعه برّه الجسم. خلط القليل بالماء وأعطاه للطفل… وفي اللحظة نفسها، انكسر الباب…انقضّوا عليه وطرحوه أرضًا.
خطف هشام ابنه، محدقًا في السواد على شفتيه. =إديته إيه؟! صرخ طبيب وهو يمسك بآدم من ياقة ملابسه. — فحم طبي قال آدم وهو يلهث ووجهه على الرخام. — بيمتص السموم… بس شيلوا النبات! حلّلوا النبات! ساد صمت ثقيل…رفعت الدكتورة مي، المختصة الواقفـة عند الأجهزة، رأسها فجأة…=لونه… بيتغير. نظر هشام إلى ابنه…شهقت زوجته….. عجبتك عندك شغف متنساش تصلي عالنبي وانت بتقول واستغفر ربك عسي ان يبدا الله همك من ضيق لفرحه…اسما السيد
شهقة زوجة هشام شقّت الغرفة زي زجاج اتكسر فجأة، مش صرخة كاملة، لكن النفس اللي سبق الصرخة كان كافي يجمّد الدم في العروق، لأن اللون اللي كان مغلّف وش ياسين من ثواني بدأ يتحرّك، مش رجوع كامل للحياة، لكن انسحاب بطيء للمــ . ــوت، كأن حد سحب ستارة سودا كانت نازلة تقيلة على ملامحه الصغيرة، الشفايف اللي كانت مزرقة بقت تميل للوردي الخافت، وأصابع إيده اللي كانت متخشبة بدأت ترتخي سنة سنة.
الأجهزة اللي من شوية كانت بتصرخ إنذار، صوتها اختلف، مش هادي قوي، لكن أقل فزعًا، أقل هستيريا، كأنها نفسها اتفاجئت إن الجسد الصغير قرر ما يستسلمش.
الدكتورة مي قربت من السرير، عينيها مش مصدقة، إيدها على السماعة، بتسمع، وبتعيد السماع، وكأنها خايفة تفرح بدري، وبصوت واطي لكنه واضح قالت:
— النبض… بقى أبطأ بس منتظم… الضغط بدأ يتحسّن.
الدكتور اللي كان من شوية ماسك آدم من ياقة الجاكيت سيبه من غير ما ياخد باله، إيده نزلت، عينه اتسمّرت على شاشة المونيتور، والضحكة الساخرة اللي كانت على وشه من دقيقة اختفت، سيبت مكانها ملامح طبيب اتعرّى قدام حقيقة مرّة: العلم اللي حفظه كله ما كانش كفاية لوحده.
هشام السويفي، الراجل اللي عمره ما خسر صفقة، واللي دايمًا بيحسب كل خطوة بالأرقام، كان واقف في النص، حاضن ابنه، ودماغه شغالة بسرعة غير معتادة عليه، بيربط التفاصيل، النبات، الأصيص، الأيام الثلاثة، تدهور الحالة التدريجي، العجز الغريب للتحاليل، وكل كلمة قالها الولد الصغير بدأت تتحوّل من “هذيان” إلى سينــ . ــاريو مرعب لكنه منطقي.
لفّ هشام بعينه على الغرفة، وصوته طلع أجش، مش صوت رجل أعمال، صوت أب شايف ابنه كان هيروح منه:
— شيلوا النبات… دلوقتي.
اتحرك الجنايني عم رجب، إيده بترتعش، قرب من الأصيص، بس الدكتور صرخ فيه:
— لأ! ما تلمسوش بإيدك… قفازات…
عزل فوري.
الدنيا اتحولت فجأة من فوضى يأس لفوضى أمل، الأطباء بقوا يتحركوا بسرعة مختلفة، مش سرعة إنقاذ يائس، سرعة سباق مع وقت ممكن يكسبوه، حد سحب النبات بحذر، حد تاني بدأ إجراءات إزالة سموم مكثفة، وحد تالت فتح ملفات جديدة على الأجهزة، عنوانها بقى واضح لأول مرة: تسمم ديجيتاليس.
وآدم؟
آدم كان لسه على الأرض، ضهره على الرخام البارد، نفسه مقطوع، جاكيته متوسـ . خ، وركبته بتوجعه من الوقعة، لكن عينه كانت ثابتة على السرير، على صدر الطفل اللي بيطلع وينزل، وكل اللي جواه كان دعاء واحد ساكت: “عيش… علشان أطلع من هنا مش قاتل”.
عدّى وقت، محدش عارف قد إيه، لأن في اللحظات دي الزمن بيبقى مطاط، بس في الآخر، الدكتور الكبير اللي كان أول واحد قال “الطفل يحتضر” قرب من هشام، وبص له نظرة اعتراف قبل ما تكون طبية، وقال:
— لو التشخيص ده ما كانش اتاخد في اللحظة دي… كنا خسرناه.
الجملة نزلت على هشام تقيلة، لكنه استقبلها وهو باصص لابنه، شاف صدره وهو بيعلى وينزل، شاف الحياة وهي بتتشبث، وحس بحاجة غريبة، حاجة عمره ما حسّها في أي مجلس إدارة: الامتنان.
لفّ هشام وبص لآدم، الولد اللي كان من شوية بيتسحب زي مجرم، وقال بصوت عالي سمعه الكل:
— محدش يمسكه… سيبوا الولد.
ساعدوه يقف، آدم وقف متردد، حاسس إن رجليه مش شايلينه، لا من التعب، ولا من الخوف، لكن من صدمة اللحظة، هشام قرب منه، وقف قدامه، وبص له من فوق لتحت، شاف الجاكيت الخفيف، والحذاء المقطوع، والعينين اللي فيها حاجة أكبر من سنها، وقال بهدوء ما كانش متعود عليه:
— إنت اسمك إيه؟
— آدم… قالها بصوت واطي.
— آدم… كررها هشام، وكأنه بيحفر الاسم في دماغه… إنت أنقذت ابني.
آدم ما ردّش، لأنه فجأة حس إن الكلام هيخونه، كل اللي عمله كان إنه هزّ راسه، والدموع نزلت غصب عنه، دموع خوف اتأخر، مش دموع بطولة.
في الأيام اللي بعدها، القصر اتغيّر، مش في شكله، لكن في روحه، التحقيقات بدأت، النبات اتثبت إنه سام، وإن الزيت بتاعه انتقل بسهولة للأسطح، وإن غلطة بسيطة في مكان غلط كانت كفيلة تقــ . ـــتل طفل، القضية اتقفلت من غير اتهام جنائي مباشر، لكن الحقيقة ما اتدفــ . ــنتش.
هشام استدعى آدم وأبوه، السائس اللي طول عمره مطأطئ راسه، وقعدهم قدامه في مكتبه، المكتب اللي ما دخلوش قبل كده غير واقفين، وقال جملة بسيطة قلبت حياتهم:
— من النهارده، مفيش “ابن السائس”… في آدم… طالب… وأنا هتكفل بتعليمه.
الأب حاول يعترض، الخوف القديم طلع في صوته، بس هشام وقفه بإشارة، وقال:
— اللي عمله ابنك ما يتردش بفلوس… بس أقل حاجة أعملها إني أدي له فرصة.
السنين عدّت، ياسين كبر، عاش، وضحك، وآدم دخل مدرسة كويسة، وبعدين كلية، وكل ما حد سأله إنت عايز تطلع إيه، كان يقول:
— دكتور… بس مش أي دكتور…
دكتور يسمع.
أما هشام السويفي، فكل ما شاف ابنه بيجري في الجنينة، كان دايمًا يفتكر الليلة اللي كاد يفقده فيها، والولد اللي صرخ والكل ضحك، ويبتسم ابتسامة مختلفة، ابتسامة واحد اتعلّم إن الحكمة ساعات بتطلع من أماكن ما حدش بيبصلها.
وفي القصر، الأصيص اللي كان على الشباك اختفى، لكن حكاية آدم فضلت، حكاية بتتقال لكل حد فاكر إن الصوت العالي بس هو اللي بيغيّر العالم، مع إن أحيانًا…
صرخة واحدة صادقة من ولد فقير
تنقذ حياة…وتفضح غرور.
تمت حكايات اسما السيد


