
رجع البيت فجأة… واكتشف الحقيقة القاسية اللي كانت خطيبته مخبياها. الفرح اتلغى في نفس اللحظة. أحمد كان عنده كل حاجة. عنده ٣٢ سنة، بدأ من الصفر وبنى واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في القاهرة. فلوس، اسم، نفوذ… وكل الناس كانت شايفة إنه كمان كسب حب عمره: فيروز. فيروز كانت صورة للكمال: أنيقة، متعلمة، ضحكتها تملأ المكان، وكلامها موزون. في نظر المجتمع الراقي كانوا “الثنائي الذهبي”. بس جوه الفيلا الكبيرة اللي كلها رخام وزجاج، كان فيه شخص تالت عايش في هدوء، في الظل تقريبًا:
الحاجة أم أحمد. ست بسيطة، جسمها مهلوك من الشغل والتعب، إيديها خشنة من سنين غسيل وتنضيف في بيوت الناس. ضحّت بعمرها كله عشان ابنها يتعلم ويبقى الراجل اللي هو عليه دلوقتي. ولما كبرت، أحمد أصر إنها تعيش معاه. — «يا أمي اقعدي… ما تعمليش حاجة. إحنا عندنا ناس للشغل ده. إنتِ بس ريّحي» كان بيقولها كل ما يشوفها بتحاول تقوم من مكانها. فيروز، قدّام أحمد، كانت ملاك. — «سيبها يا حبيبي، أنا أعملها الشاي… دي زي أمي بالظبط»
وتقرب تبوس أم أحمد من راسها، وأحمد يبصلهم بعين مليانة حب. بس أم أحمد كانت فاهمة. عين الأم ما بتغلطش… خصوصًا أم شافت قسوة الدنيا. كانت تلاحظ ابتسامة فيروز وهي بتختفي أول ما أحمد يطلع من الباب. تنهيدات ضيق، نظرات احتقار وهي ماشية ببطء في البيت، وتجنب تلمس أي حاجة أم أحمد لمستها قبل كده. ومع كل ده… أم أحمد سكتت. سكتت عشان ابنها. «طالما هو مبسوط… أنا أستحمل» كانت بتقولها لنفسها كل ليلة وهي قافلة باب أوضتها.
— في صباح يوم تلات، البيت كان مقلوب. أحمد مسافر نيويورك في رحلة شغل مهمة؛ صفقة اندماج هتنقل شركته حتة تانية خالص. والسواق بيحط الشنط في العربية، أحمد كان واقف في الصالة بيودّعهم. — «راجع بعد تلات أيام» قالها وهو بيظبط الكرافتة — «فيروز، خلي بالك من ماما، تاخد دواها في معاده. الدكتور قال ضغطها مش ثابت قوي» فيروز ابتسمت الابتسامة المعروفة. — «من عيني يا حبيبي. اطمن… مامتك في أأمن إيدين. روح كسّر الدنيا»
أحمد حضن أمه جامد. — «بحبك يا أمي… خلي بالك من نفسك. راجعلك بمنديل الحرير اللي عجبك» حكايات رومانى مكرم — «ربنا معاك يا ضنايا… في حفظ الله» همست أم أحمد. العربية السودا خرجت من بوابة الفيلا واختفت في الشارع الطويل. فيروز فضلت واقفة تلوّح بإيدها… لحد ما العربية غابت. في اللحظة دي بالظبط… كل حاجة اتغيّرت. ابتسامة فيروز اختفت، ووشها اتقلب اشمئزاز. لفّت على كعبها وبصّت لأم أحمد ببرود يخوّف. — «خلاص… مشي أخيرًا»
قالتها بنبرة عمر أم أحمد ما سمعتها منها قبل كده. — «اسمعيني كويس يا ست… التلات أيام دول مش عايزاكي تطلعي من أوضتك ولا تلمسي حاجة في الصالة» — «فيروز… يا بنتي…» أم أحمد قالتها وهي مصدومة. — «ما تقوليش بنتي!» فيروز صرخت وقربت منها. — «أنا مش بنتك ولا هبقى! أنا مستحملة وجودك غصب عني عشان أحمد عنده عقدة الأم دي. دلوقتي هو مشي… يعني تقعدي في أوضتك، وما تطلبيش حاجة من الخدم. أنا مديّاهم أجازة. لو عطشانة، المطبخ قدامك»
أم أحمد وطّت راسها، الزور قافل، ومقدرتش ترد. دخلت أوضتها واحدة واحدة، وهي ساندة على الحيطة، وضحكة فيروز السخيفة وراها. — النهار كان تقيل. قرب الضهر، الجوع عصر معدة أم أحمد. كانت سامعة صوت فيروز فوق في البلكونة، بتضحك وبتكلم صاحباتها وبتشرب شامبانيا. طلعت أم أحمد على المطبخ بهدوء. كانت عايزة حتة عيش وكوباية لبن… وبس. إيدها كانت بترتعش، والزجاجة وقعت منها. صوت التكسير دوّى في المطبخ. ثواني… وفيروز دخلت زي الإعصار. — «إنتِ عملتي إيه؟!»
صرخت وهي باصة للأزاز المكسور. — «إنتِ غبية؟ الكباية دي تمنها أكتر من عمرك كله!» — «سامحيني… إيدي خانتني… هلمّ» قالتها أم أحمد وهي بتوطّي بصعوبة. — «ابعدي!» فيروز زقت إيدها برجليها. — «إنتِ وجودك لوحده قرف! ريحتك، شكلك، تمثيلي قدام أحمد… زهقت!» مسكت دراع أم أحمد بقسوة، ضوافرها غرست في جلدها الهش. حكايات رومانى مكرم أم أحمد أنّت من الوجع. — «هعلّمك الأدب في بيتي!» فيروز صرخت ورفعت إيدها عشان تضربها. وفي اللحظة دي…
على بعد شوية، أحمد كان في العربية، قرب المطار. فتح الشنطة يدور على أوراق الصفقة. قلبه وقع. مش موجودة. — «ارجع!» قال للسواق بعصبية. — «حالًا!» العربية لفّت ورجعت بأقصى سرعة. أحمد حاول يكلم فيروز… مفيش رد. «أكيد في الجنينة» قال لنفسه. وصل الفيلا، نزل جري، فتح الباب بالمفتاح… وكان متوقع هدوء. لكن اللي سمعه نشّف دمه. صريخ… جاي من المطبخ. خطواته بقت سريعة، بس صامتة، فوق السجاد. صوت تكسير… وصوت فيروز، مش بالصوت الحلو اللي يعرفه…
صوت مليان شر. وبعدها… سمع صوت أمه. صوت مكسور… مليان خوف. وهنا… حكايات رومانى مكرم صوت أمه كان ضعيف… مش صريخ، أنّة مكتومة طالعة من صدر اتكسر. أحمد وقف مكانه لحظة، دمه نشف، إيده على الباب بترتعش. فتح باب المطبخ. المشهد دخل في عينه زي سكينة. أمه واقعة على الأرض، ساندة بضهرها على الدولاب، وشها شاحب، ودراعها محمّر وعليه علامات صوابع واضحة. وفيروز… واقفـة قدّامها. وشّها متحوّل. إيدها مرفوعة. الزمن وقف. — «إنتِ بتعملي إيه؟»
صوت أحمد خرج واطي… بس تقيل، زي الرعد قبل المطر. فيروز اتفزعت. لفّت فجأة، وشها شحب، وابتسامتها الحلوة حاولت تطلع… بس فشلت. — «أحمد! إنت… إنت رجعت ليه بدري؟» بصّ عليها. ما ردّش. عينه كانت معلّقة على أمه. — «ماما…» جري عليها، ركع جنبها، مسك إيدها بحنية. — «إنتِ كويسة؟» أم أحمد حاولت تبتسم. بس دمعة نزلت غصب عنها. — «أنا… وقعت بس…» صوتها كان أضعف من الكدبة. أحمد بصّ للدراع. وبصّ للأزاز المكسور. وبصّ لفيروز.
الصورة ركّبت لوحدها. — «وقعت؟» قالها وهو واقف، بصوته بقى أبرد من التلج. فيروز قربت بسرعة، نبرة مسرحية جاهزة: — «والله يا أحمد، أمك دخلت المطبخ من غير ما تقول، كسرت حاجة غالية، ولما زعّقتلها شوية… اتلخبطت ووقعت. أنا كنت بحاول أساعدها!» أحمد ضحك. ضحكة قصيرة… خطيرة. — «ساعدتيها؟» قرب منها خطوة. فيروز رجعت خطوة. — «آه طبعًا… إنت عارفني، مستحيل أمد إيدي على أمك!» أحمد مد إيده بهدوء… مسك دراعها. لفّه. وشاور على ضوافرها.
آثار دم. سكتت. — «ودي؟» فيروز بلعت ريقها. — «أحمد… إنت مكبّر الموضوع—» قاطعها. — «اسكتي.» الكلمة نزلت على وشّها صفعة. لفّ على أمه، شالها بهدوء، وقّفها على رجليها. — «إطلعي أوضتك يا أمي. اقفلي على نفسك. حالًا.» — «بس يا ابني—» — «من غير كلام.» ساعدها تطلع. وقف مستني لحد ما دخلت وقفلت الباب. رجع. فيروز كانت واقفة في نص المطبخ. لوحدها. الهدوء كان مرعب. — «من إمتى؟» قالها من غير ما يبصّ عليها.
— «من إمتى وإنتِ بتعاملي أمي كده؟» فيروز حاولت تستجمع نفسها. — «إنت فاهم غلط… هي ست طيبة بس—» لفّ فجأة وبصلها. — «إنتِ ضربتيها؟» سكتت. السكوت كان إجابة. أحمد قرب… لحد ما بقى بينهم نفس واحد. — «إنتِ عارفة أنا بنيت كل ده ليه؟» ما ردّتش. — «عشان الست اللي فوق دي. عشان كرامتها. عشان ما حدش في الدنيا يكسّرها.» صوته كان ثابت… بس عينه مولعة. — «واللي يمد إيده عليها… حتى لو كنتِ إنتِ…»
سحب الخاتم من صباعه. حطه على الرخامة. — «مالوش مكان في حياتي.» فيروز شهقت. — «إنت بتهزر؟ عشان ست عجوز؟!» الكلمة كانت آخر غلطة. — «اطلعي من البيت.» — «أحمد—» — «دلوقتي. الفرح اتلغى. وما تحاوليش تتصلي بيا تاني.» واقف، واقف زي الحيط. فيروز بصّت حواليها… على الفيلا… على الحلم اللي وقع في ثانية. لمّت شنطتها، وخرجت. الباب اتقفل. أحمد فضل واقف شوية. وبعدين طلع لأوضة أمه. خبط. فتح. حضنها. حضن طويل… رجّعله روحه. — «سامحيني يا أمي… سامحيني إني ما شوفتش بدري.»
مسحت على شعره. — «ولا يهمك يا ضنايا… المهم إنك رجعت.» بس أحمد كان عارف… الليل نزل تقيل على الفيلا. مش هدوء… سكون يخوّف. أحمد كان قاعد جنب سرير أمه، النور خافت، وصوت نفسها متقطع. — «إنتِ متألمة؟» سألها وهو ماسك إيدها. — «شوية… بس هخف» قالتها بابتسامة مكسورة. بس أحمد كان شايف اللي أعمق من الكدمات. شايف الإهانة. شايف سنين تعب اتداس عليها. قام وقف، فتح الشباك، نفسه طالع نار. 📱 تليفونه رن. اسم فيروز.
بصّ للشاشة. ما ردّش. قفله.

