
أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحت، ريحة التقلية والبصل المحـ,ـروق لزقت في مناخيري. رميت المفاتيح وقولت في إيه يا سارة كل ما آجي من بره ألاقيكي في المطبخ وريحتك بصل وطبيخ! هو مفيش وراكي غير الحلل؟” سارة ماردتش. كانت واقفة مدياني ضهرها، وماسكة السك*ينة وبتقطع البصل بحركة سريعة ومنتظمة.. “تشك.. تشك.. تشك”. صوت السكـ،،ينة كان فيه حاجة غريبة، كأنها بتنتقم من حاجة. قربت منها وأنا متعصب: “بكلمك يا هانم! ريحة الشقة بقت تقرف، والهدوم اللي لسه جايبها من الدراي كلين اتعمل لها (بخرة) طبيخ!”
فجأة، سارة وقفت عن التقطيع. لفت وشها لي ببطء، وعيونها كانت حمرا جداً، بس مش من البصل.. كان فيها نظرة عمري ما شوفتها في الـ 7 سنين جواز اللي فاتوا. قالت بصوت واطي وهادي يرعب: “أصل الطبيخ المرة دي مش لينا يا عصام.. الطبيخ ده للناس اللي هييجوا يباركوا لك الليلة.” قلبي انقب*ض: “يباركوا لي على إيه؟ ومين دول؟” ابتسمت ببرود وهي بتمسح السكـ،، ينة في المريلة اللي غرقانة بقع حمراء (شكتني للحظة إنها صلصة)، وقالت:
“على السر اللي كنت فاكره هيفضل مدفون تحت رمل الساحل.. الموبيل اللي نسيته مفتوح الصبح حكى لي كل حاجة.. ريحة البصل دي عشان تداري ريحة (الخوف) اللي هتملى الشقة كمان شوية.” وفجأة، جرس الباب رن.. رنة طويلة، متواصلة، وكأن اللي بره مش جاي يزور، ده جاي يخلص حساب قديم. سارة شاورت لي بالسـ،، كينة على الباب وقالت تجمدت في مكاني، وصوت الجرس كان يثقب أذني مثل مسمار صدئ. نظرت لسارة، كانت ملامحها هادئة بشكل مخيف، هدوء يسبق العاصفة.
قالت وهي تعود لتقطيع البصل ببرود: “افتح الباب يا عصام.. الضيوف مابيحبوش الانتظار، وأنا مابحبش أكلي يبرد.” تحركت خطواتي ثقيلة تجاه الباب، كنت أتمنى أن يكون هذا مجرد كابوس. فتحت الباب ببطء، ولم أجد “أشخاصاً” بالمعنى المفهوم.. وجدت ثلاثة رجال يرتدون بذلات سوداء قاتمة، وجوههم خالية من أي تعبير، وفي يد أحدهم حقيبة جلدية قديمة كنت أعرفها جيداً.. حقيبة “ياسين”، شريكي الذي اختفى في ظروف غامضة الصيف الماضي في الساحل! تراجعت للخلف وأنا أرتجف: “أنتم مين؟ وعايزين إيه؟”
تقدم أحدهم للداخل دون استئذان، وقال بصوت أجش: “المدام عزمتنا على الغدا، وقالت إنك لقيت (الأمانة) اللي كانت ضايعة في الرمل.” التفتُّ لـ سارة بذهول، كانت قد وضعت طبقاً كبيراً على السفرة، لكنه لم يكن يحتوي على “تقلية” أو “بصل”.. كان الطبق مليئاً بـ هواتف محطمة، وساعات يد، ومحفظة ياسين الشخصية! سارة سحبت كرسي وقعدت ببرود، وقالت وهي بتبص لي: “فاكر يا عصام لما قولت لي إن ياسين سافر برا مصر فجأة؟ الموبيل اللي نسيته مفتوح الصبح كان عليه (لوكيشن) متسيف لمكان مهجور في الساحل، وفويس نوت بعتها لواحد بتقوله (الريحة بدأت تظهر.. لازم ندف*ن أعمق).”
واحد من الرجالة فتح الحقيبة الجلدية، وطلع منها “حبل” وغطاء بلاستيكي كبير، وبدأ يفرشه في الصالة بهدوء مرعب. سارة قامت، وقربت مني وهمست في ودني وهي لسه ماسكة السـ،، كينة: “الناس دي قرايب ياسين يا عصام.. والطبخة اللي ريحتها بصل محروق، كانت مجرد (تمويه) عشان الجيران مايشموش ريحة الحاجة اللي هتتحر*ق في الفرن كمان شوية.. ريحة ورق العقود اللي س*رقته منه، وريحة غدرك.” جرس الباب رن تاني.. بس المرة دي كانت خبطات قوية وعـ,ـنيفة.. وصوت من ورا الباب بيزعق: “باسم الشرطة! افتح يا عصام!”
سارة ضحكت بـ هستيرية وقالت: “أنا بلغت الكل.. اللي جايين ياخدوا حقهم، واللي جايين يطبقوا القانون.. اختار بقى هتمـ،، وت على إيد مين الأول؟” ارتعدت فرائصي، ونظرت حولي في ذعر.. الشرطة على الباب، ورجال “ياسين” في الصالة، وسارة تقف بينهما كأنها ضابط إيقاع في حفلة دموية. كانت اللحظة الحاسمة حين اقترب أحد الرجال الثلاثة من الباب ليفتحه للشرطة، لكن سارة صرخت فجأة بنبرة غريبة: “استنوا!”
توقف الجميع. سارة بصت لي بابتسامة صفراء وقالت: “الشرطة اللي بره مش حقيقية يا عصام.. دول زمايلك في المكتب اللي ساعدوك تخلص من ياسين، أنا اللي كلمتهم وقولت لهم إنك هتعترف عليهم حالاً لو ماجوش يخلصوا الموضوع.” في اللحظة دي، انقطع النور عن الشقة تماماً. ساد صمت رهيب، لم أكن أسمع فيه إلا صوت أنفاسي المتلاحقة وصوت “تكتكة” السك*ينة وهي تخبط على الرخام. فجأة، سمعت صوت خناقة عنيفة عند الباب، تكسير خشب، وصراخ مكتوم.. كنت أزحف على الأرض في الظلام أحاول الوصول لغرفة النوم، لكن يداً باردة جداً أمسكت بياقتي وسحبتني بقوة للخلف.
اشتغل النور فجأة بوميض قوي.. وجدت نفسي جالساً على كرسي في منتصف الصالة، ومقيداً بالحبال التي كان الرجال يفرشونها منذ قليل. لكن الغريب.. أن الصالة كانت فارغة! لا يوجد رجال بذلات سوداء، ولا يوجد أحد خلف الباب.. فقط سارة، تجلس أمامي على السفرة، وتأكل من طبق “التقلية” بهدوء شديد، والسك*ينة بجانبها. قلت بصوت متحشرج: “سارة.. فين الناس؟ فين اللي كانوا هنا؟” سارة رفعت عينيها لي، وكانت تبكي وتضحك في نفس الوقت: “مفيش حد يا عصام.. أنا لوحدي بقالي 7 سنين.. أنت نسيت؟”
تجمد الدـ,ـم في عروقي وأنا أنظر للحائط خلفها.. كان هناك برواز كبير عليه شريطة سوداء، وصورتي أنا وياسين، ومكتوب تحتها: “ذكرى وف*اة الشريكين عصام وياسين في حا*دث طريق الساحل الأليم.. صيف 2024”. نظرت ليدي المقيدة، لم تكن هناك حبال.. كانت مجرد أوهام. سارة قامت وقربت مني، ولمست كتفي ببرود: “أنت مـ،،ت يا عصام من سنة.. بس روحك لسه محبوسة هنا، محبوسة في ريحة البصل والطبيخ والذنب.. كل يوم بترجع من بره، وكل يوم بتسألني نفس السؤال، وكل يوم بحكيلك الحقيقة.. إنك قتـ،،لت ياسين، وبعدها وأنت هربان، عربيتك قلبت بيك.”
همست في أذني وهي تختفي تدريجياً: “ريحة البصل دي مش عشان تداري الخوف.. دي ريحة (التحلل) اللي أنت مش عايز تصدق إنها ريحتك يا عصام.” فجأة، اختفت سارة، واختفت الشقة، ووجدت نفسي في ظلام دامس، ورائحة التقلية والبصل المحـ,ـروق تملأ خياشيمي، وصوت جرس الباب يضر*ب في رأسي من جديد.. “رن.. رن.. رن”.. وكأن اللـ,ـعنة ستعيد نفسها للمرة الألف. فتحت عيني مرة أخرى، وجدت نفسي واقفاً أمام باب الشقة.. وفي يدي المفتاح. نفس الرائحة، نفس “التقلية”، ونفس البصل المحـ,ـروق. دخلت وأنا أرتعش، رميت المفاتيح وقولت بنفس النبرة المهزوزة: “في إيه يا سارة؟ هو مفيش غير الطبيخ؟”
لكن هذه المرة، سارة لم تكن تعطيني ظهرها. كانت تجلس على الأرض في صالة فارغة تماماً من الأثاث، والمطبخ كان عبارة عن جدران محروقة وسواد يغطي المكان. لم يكن هناك بصل، ولا سك*ينة، ولا حتى حياة. نظرت لي سارة بعيون فارغة وقالت: “دي المرة الـ 365 يا عصام.. كل يوم بتيجي وتعيش نفس المشهد، عشان تتهرب من الحقيقة اللي في جيبك.” بشكل لا إرادي، حطيت إيدي في جيب جاكتي.. طلعت ورقة مطوية، مبلولة بمية البحر وريحتها “زفرة”. فتحتها بوجع، كانت “خريطة” مرسومة بخط إيدي، وفيها علامة “X” عند الكيلو 120 في الساحل، وجنبها جملة واحدة: “ياسين لسه عايش تحت الرمل”.
صرخت فيها: “يعني إيه؟ أنا مقتـ،،ـلتهوش؟” سارة وقفت وقربت مني، وشكلها بدأ يتغير، ملامحها بدأت تذوب كأنها شمع بيتحر*ق: “أنت سيبته حي يا عصام.. سيبته يواجه مو*ته ببطء عشان تاخد العقود.. والريحة اللي أنت شاممها دي مش ريحة بصل، دي ريحة (ضميرك) اللي بيتحر*ق في نا*ر جهنم اللي أنت صنعتها لنفسك.” فجأة، الجدران بدأت تضيق، وصوت الجرس تحول لصرخة مكتومة جاية من تحت الأرض.. صرخة “ياسين”.
الأرض انشقت تحت رجلي، وبدأت أغرق في رمل ناعم وبارد، رمل الساحل اللي غدرت فيه بصاحبي. كنت بحاول أتمسك بأي حاجة، لمست إيد سارة، لكن إيدها تحولت لـ “عضم” ناشف، وقالت لي جملتها الأخيرة قبل ما الرمل يغطي وشي تماماً: “العزومة خلصت يا عصام.. والضيوف اللي كانوا بره، هما (الملائكة) اللي جايين يسألوك.. يا ترى هتقولهم ريحة البصل كانت مدارية إيه؟” فتحت عيني بصرخة هزت المكان.. وجدت نفسي نايم في “تابوت” خشبي، وفي إيدي العقود، والظلام دامس.. وصوت تراب بيترمى فوق الخشب “تشك.. تشك.. تشك”.. نفس إيقاع السك*ينة.
أدركت في اللحظة الأخيرة إن سارة ماكنتش بتطبخ.. سارة كانت “بتدف*ني”، والريحة اللي كنت شاممها كانت ريحة بخور الجنـ,ـازة بتاعتي اللي بدأت وانتهت وأنا لسه بحاول أكدب على نفسي. تمت.

