
كنت راجع متأخر من الشغل، الشارع هادي بشكل غريب، ولما وصلت تحت البيت لقيت نور الصالة مولع، مع إن سيف المفروض نايم علشان عنده امتحان تاني يوم. طلعت بسرعة وقلبي بيدق، فتحت الباب لقيته قاعد على الكنبة، إيده ماسكة موبايله، وعينيه فيها حاجة أول مرة أشوفها… خوف ممزوج بغضب. أول ما شافني وقف وقال بصوت متوتر: “رامي… هم رجعوا.” الكلمة نزلت عليا زي حجر. “مين؟” سألت وأنا عارف الإجابة بس مش عايز أصدق. قال: “عمتي… كانت هنا النهارده.”
جسمي كله شد. قفلت الباب وقلتله: “دخلت إزاي؟” قال: “البواب قال إنها قريبة وجاية تطمن علينا… وأنا كنت لوحدي… خفت أعمل مشكلة.” قربت منه وقلت بحزم: “قالتلك إيه؟” سكت لحظة وبعدين قال: “قالت إنك تعبت… وإنك مش هتقدر تكمل… وإن الأفضل أروح أعيش معاها علشان أرتاح… وقالتلي إنك مخبي عني حاجات.” حسيت الدم بيغلي في عروقي. نفس الأسلوب… نفس السم اللي بيتحط في الكلام. قعدت قدامه وقلت بهدوء مصطنع: “وإنت صدقت؟” بصلي بسرعة وقال: “لا… بس خفت.”
سكتنا لحظة… وبعدين قال جملة كسرتني: “أنا مش عايز حد ياخدني منك.” مديت إيدي ومسكت إيده بقوة وقلت: “محدش هيقدر يعمل كده… فاهم؟” هز راسه بس واضح إنه لسه قلقان. الليلة دي ما نمتش… قعدت أفكر: هم ليه رجعوا دلوقتي؟ بعد كل السنين دي؟ أكيد في حاجة. وبالفعل… بعد يومين، وصلنا إنذار رسمي. دعوى جديدة… طلب إعادة النظر في الحضانة. ضحكت بسخرية وأنا بقرأ الورقة… “لسه؟” سيف كان واقف جنبي وقال: “هنعمل إيه؟” بصيتله وقلت: “هنعمل زي كل مرة… هنقف لبعض.”
بس الحقيقة؟ المرة دي كنت خايف أكتر. لأن سيف كبر… وبقى ليه رأي… والقانون ممكن يسمعله. الجلسة كانت بعد أسبوع… أسبوع كله توتر. سيف بدأ يبقى ساكت أكتر… وأنا بقيت أراقبه طول الوقت… خايف حد يوصله أو يأثر عليه. وفي يوم قبل الجلسة بيومين… رجعت البيت ملقيتش سيف. قلبي وقف. كلمته… الموبايل مقفول. نزلت أجري أسأل البواب… قاللي إنه شافه راكب عربية مع ست. الدنيا اسودت في عيني. جريت على عنوان عمتي… خبطت الباب بعنــ,,ـــــف. فتح عم حسام وهو مبتسم ابتسامة مستفزة: “أهلاً يا رامي.”
دفعت الباب ودخلت وأنا بصرخ: “سيف فين؟!” طلع سيف من جوة… شكله متردد. قربت منه وقلت: “إنت كويس؟” بصلي… وبعدين بص لهم… وقال: “أنا جيت بمزاجي.” الجملة وقعت عليا زي سكــ,,ـــــينة. “بمزاجك؟” قلتها وأنا مش مصدق. عمتي دخلت وهي مبتسمة: “سيبه يقرر يا رامي… كفاية تحكم.” بصيت لسيف… كان متلخبط… واضح إنهم لعبوا في دماغه. قربت منه بهدوء وقلت: “إنت عايز تقعد هنا؟” سكت… وبعدين قال: “مش عارف.” الجملة دي كانت أصعب من أي حاجة.
خدت نفس عميق وقلت: “تمام… بس خلي بالك… أنا مش هسيبك.” سيبته ومشيت… وأنا حاسس إن الأرض بتتهز تحت رجلي. رجعت البيت لوحدي لأول مرة من سنين… البيت كان فاضي بشكل مرعب. كل حاجة فيه بتفكرني بيه… الكرسي… الكتب… حتى الكوب اللي كان بيشرب فيه لبن. قعدت على الأرض… وسندت ضهري للحيطة… ودموعي نزلت من غير ما أحس. مش علشان هو مشي… لكن علشان لأول مرة حسيت إني ممكن أخسره. اليوم اللي بعده… رحت المحكمة… لوحدي.
القاضي سأل: “أخوك فين؟” قلت بصوت مبحوح: “مع عمته.” القضية اتأجلت علشان يسمعوا رأيه. خرجت من القاعة… وأنا تايه. بس في نفس الليلة… الساعة كانت 2 الفجر… سمعت خبط على الباب. قمت بسرعة وفتحت… لقيت سيف واقف… عينيه حمرا وبيعيط. أول ما شافني حــ,,ـــــضني بقوة وقال: “أنا آسف… أنا آسف… أنا غلطت.” حــ,,ـــــضنته جامد وقلت: “في إيه؟” قال وهو بيعيط: “سمعتهم… كانوا بيتكلموا… زي زمان… نفس الكلام… فلوس… وراحة… وقالتلي إني هقعد في مدرسة داخلية… وأنا مش عايز غيرك.”
غمضت عيني… وافتكرت التسجيل القديم… نفس السينــ,,ـــــاريو بيتكرر. قلتله بهدوء: “تعالى جوة.” دخل… وقعدنا سوا… وهو بيحكي كل حاجة. وفي اللحظة دي… فهمت. المعركة لسه ما انتهتش… بس المرة دي… سيف مش الطفل الصغير… بقى شاهد… بقى فاهم. تاني يوم… دخلنا المحكمة سوا. القاضي بصله وقال: “إنت عايز تعيش مع مين؟” سيف بصلي… وبعدين قال بثقة: “مع أخويا.” وسكت لحظة… وبعدين كمل: “هو الوحيد اللي عمره ما باعني.” الكلمة دي… كانت كفيلة تحسم كل حاجة.
القاضي حكم برفض الدعوى… نهائي. خرجنا من المحكمة… وسيف ماسك إيدي أقوى من أي وقت فات. بصلي وقال: “المرة دي بجد… أنا مش همشي تاني.” ابتسمت وقلت: “وأنا عمري ما هسيبك.” ومشينا سوا… نفس الطريق… بس المرة دي… وإحنا أقوى بكتير من الأول.

