
فيها وصلها خبر القضية وقفتُه عن العمل أولًا، وبعدها فصلته لما قضية التزوير ظهرت. الناس في المنطقة اللي كانت بتعمل نفسها ما تعرفش بقت تتكلم همس عنه وعن أمه وعن أخته. يمكن الشماتة ما تفرحش القلب السوي، لكن العدالة لما تيجي على هيئة انكشاف علني لناس كانت بتتغذى على قهر غيرها، بتحس إن في توازن رجع للعالم. بعد شهور من الجلسات والتأجيلات والردود والتقارير، صدر الحكم. يومها كنت شايلة ياسين على دراعي، وأمي قاعدة جنبي تقرأ قرآن بصوت واطي، وأحمد واقف كالجبل.
القاضي أثبت الاعتداء، وأخذ بتقرير الطب الشرعي، واعتمد الفيديوهات والرسالة والفيديو الأخير، وقضى بحبس محمود، ومعاقبة نهى، وإدانة سعاد في التحريض والمشاركة، ورفض كل ادعاءاتهم المضادة. أما في القضايا المدنية، فتم إلزامه بمؤخري ونفقة الصغير ونفقة العدة والمتعة، وثبت حقي في كل منقولاتي، وفتح باب ملاحقته في ملف التزوير. لما خرجنا من المحكمة، ما صرختش، ما عيطتش، ما عملتش مشهد.
وقفت تحت السما، بصيت لياسين وهو نايم على صدري، وهمست: “خدنا حقنا.” أحمد سمعني وحط إيده على كتفي من غير كلام. كان عارف إن الجملة دي تمنها كان سنين من الرعب. بعد الحكم، بدأت مرحلة أصعب وأجمل: إني أتعلم أعيش من غير خوف دائم. استأجرت شقة صغيرة قريبة من بيت أمي، لونت أوضتها بلون هادي، وجبت سرير صغير لياسين وستارة عليها نجوم، واشتريت لنفسي لأول مرة مفرش جديد من اختياري، حاجة بسيطة بس حسّتني إن المكان ده لي أنا، وإن البيت ممكن يكون آمن.
اشتغلت أكتر، وطورت نفسي في الشغل الأونلاين، وبعد سنة بقي عندي دخل ثابت وقدرت أفتح صفحة جديدة فعلًا. العلاج النفسي ساعدني أفهم حاجات كتير: إن الذنب مش ذنبي، وإن السكوت مش فضيلة لما يبقى على حساب حياتك، وإن النجاة مش جبن، وإن العدالة مش قسوة. ياسين كبر شوية وبقى يضحك أول ما يشوفني، والضحكة دي كانت تمسح من جوايا بقايا ليل كتير. وفي يوم من الأيام، جالي اتصال من برنامج توعية مجتمعية عن العنف الأسري، كانوا عايزين ست نجت من تجربة مشابهة تحكي قصتها باسم مستعار. زمان كنت هرفض وأستخبى، لكنّي وافقت. وقعدت قدام الكاميرا، ضهري مستقيم، وصوتي ثابت، وقلت:
“أنا كنت فاكرة إن اللي بيحصلي عيب لازم يتخبى، لكن العيب الحقيقي كان في اللي عملوه، مش في إني أتكلم.” الحلقة اتعرضت، ورسائل ستات كتير وصلتلي بعديها، واحدة بتقولي: “أنا كنت هسكت، بس كلامك شجعني أبلغ.” واحدة تانية قالت: “افتكرت إني لو خرجت أبقى خرّبت بيتي، دلوقتي عرفت إني بنقذ نفسي.” وقتها فهمت إن حقي ما رجعش لي وحدي، ده كمان بقى باب نور لغيري. بعد سنتين تقريبًا، وأنا راجعة من شغلي الصبح ومعايا ياسين في العربية مع أخويا، وقفنا عند إشارة، ولمحت من بعيد سعاد خارجة من صيدلية، ملامحها باهتة ووشها نازل، والناس ماشية جنبها من غير ما حد يبصلها.
لمحتني. وقفت ثواني. أنا كمان بصيتلها ثواني. لا شتيمة، لا شماتة، لا انتصار مبتذل. بس نظرة واحدة قالت كل حاجة: أنا خرجت من تحت رجلكم، وإنتوا وقعتوا تحت أفعالكم. حوّلت وشي عنها وكملت طريقي، وياسين وقتها كان بيضحك في الكرسي الخلفي على لعبة صغيرة في إيده.
الضحكة دي كانت الرد الحقيقي. أنا ما أخدتش حقي إني أضـ,ـرب اللي ضـ,ـربني ولا أكسـ,ـر اللي كسـ,ـرني. أخدت حقي لما صدّقت نفسي، لما تكلمت، لما وثّقت، لما ثبتّ، لما خلّيت القانون يقول كلمته، ولما بنيت حياة نظيفة فوق الركام. ويمكن أقسى عقاب لمحمود ما كانش السجن ولا الفضيحة ولا الفلوس اللي خسرها، أقسى عقاب كان إنه شاف الست اللي كان فاكرها مكسورة بتقوم من بين إيده وتبقى أقوى منه ومن اسمه ومن بيته كله. أنا ليلى، واللي حصل لي كان جـ,ـرح عمره طويل، لكنه ما بقاش نهايتي. نهايتي أنا اللي كتبتها بنفسي يوم قلت: مش هكدب… ويوم قلت: مش هتنازل…
ويوم حـ,ـضنت ابني وعرفت إن الرسالة الواحدة اللي بعتها وأنا بنزف ما كانتش مجرد استغاثة، كانت أول سطر في حكم نجاتي.
