
محمود اتقبض عليه مبدئيًا، واتحول الموضوع للنيابة. وأهله بدأوا الجولة المتوقعة: وسايط، رجالة كبار، ستات من العيلة، شيوخ نصابين بيقولوا الصلح خير، خالات وعمات يقولوا علشان ابنك ما يتولدش من غير أب، ناس تقولي الراجل يتصلح والبيت أولى، وناس تبصلي كأني أنا السبب لأني طلعت أسرار البيت برا. لكن للمرة دي ما كنتش لوحدي. أحمد وقف جبلي، وأمي رغم وجعها وقفت جبلي، وحتى دكتورة النساء اللي بتابع معاها كتبت تقرير إضافي عن الخطر الواقع على الحمل بسبب الاعتداء، ومحامية صديقة لأحمد تولت القضية من غير ما تسيب تفصيلة. اسمها أستاذة منى، ست حادة وذكية، أول ما شافتني قالتلي: “إوعي تتكـ,ـسري قدامهم.
الناس دي عاشت على فكرة إنك هتخافي. أول مرة تخاف هيكونوا لما يلاقوكي ثابتة.” وفعلاً بدأت أتماسك. رجعت بيت أمي مؤقتًا، ومع كل يوم كان بيمر كنت بحس جلد روحي بيلتئم حتة حتة. النوم كان صعب، كنت أصحى مفزوعة على صوت باب بيتفتح، أو أحس حد بيشد شعري، أو أشم ريحة الأكل المحروق فتتنفسي يضيق. لكن العلاج، والكلام، والدعم، وحتى كتابة كل اللي حصل في نوتة صغيرة،
ساعدوني أرجّع صوتي. وبعد أسبوعين، حصل أول شيء ما كانوش متوقعينه أبدًا. أخت محمود، نهى، اتقبض عليها هي كمان بتهمة الاشتراك في الاعتداء والتصوير بغرض الإيذاء، لأن على موبايلها ما كانش بس فيديوهات يوم الحـ,ـادثة، لأ، كان فيه مقاطع قديمة ليا وأنا بعيط، وأنا بطبخ بإيد محروقة، وأنا قاعدة في الأوضة بعد خـ,ـناقة، وهي باعثاهم لصاحباتها وكتبة عليهم تعليقات مسخرة. الغرور فضحها. أما سعاد، حماتي، فقدام النيابة قالت الجملة اللي غرقتها: “إحنا كنا بنؤدبها بس.” بنؤدبها. قالتها وهي متخيلة إنها دفاع. ما فهمتش إنها اعتراف.
القضية كبرت، والنيابة طلبت تحريات، والجيران اتكلموا، واتضح إن صريخي اتسمع أكتر من مرة قبل كده، وإن في جارة من الدور اللي تحت كانت شاكة لكن خايفة تتدخل. لما اتطلبت للشهادة، قالت وهي مكسوفة: “كنت فاكرة ده شأن داخلي… دلوقتي فهمت إني كنت غلط.” وأنا سامحتها بقلب موجوع، لأن المجتمع كله متربي على إن الست لو اتضـ,ـربت جوه بيتها يبقى الباب قافل على الحقيقة، لكن الحقيقة عمرها ما بتسكت، بتفضل تخبط لحد ما حد يفتح. محمود من الحبس حاول يبعتلي جواب مع واحد قريبنا. الجواب كان فيه كلام متقلب بين التهديد والتمثيل: “إنتِ هتخربي بيت ابنك بإيدك…
لو حطيتيني في السجن مش هسامحك… وأنا كنت متعصب ومكنش قصدي… وإنتِ عارفة إني بحبك.” ضحكت أول ما قريته، ضحكة غريبة حتى أنا استغربتها. أول مرة أشوف التناقض ده واضح أوي. اللي يقول “بحبك” بعد “مش هسامحك” وبعد “هتتعلمي الأدب” ما يعرفش الحب أصلاً. مزقت الجواب قدام قريبنا وقلتله: “قلّه اللي يعرف يحب ما يكسرش.” بعدها بدأت معركة الطلاق. أهل محمود كانوا رافضين يسيبوني إلا وأنا طالعة مكسورة أو متنازلة عن حقوقي. قالوا مش هناخد مطلقة ومعاها قايمة ومؤخر ونفقة ومتعة وكل ده، وافتكروا إني هرضخ علشان أخلص.
لكن أستاذة منى كانت مجهزة كل حاجة، من القايمة لحق العلاج لمصاريف الحمل لتوثيق الأذى النفسي والبدني. في الجلسات كانوا يبصولي بنظرات حقد، خصوصًا سعاد، كانت كل ما تشوف بطني تكز على سنانها كأن الطفل ده ملك ابنها لوحده. مرة وهي خارجة من القاعة همستلي: “هتاخدي يومين وهترجعي تبـ,ـوسي رجله.
” قربت منها وأنا ثابتة لأول مرة وقلت: “أنا كنت زمان بخاف منكم، دلوقتي بقيتوا بالنسبالي عبرة.” لون وشها اتبدل، وأدركت ساعتها إن القوة مش في الصوت العالي، القوة في إنك تبقي شايفة اللي قدامك على حقيقته وما عادش يهمك رضاه. الشهور عدّت، وبطني كبرت، ومعاها عزيمتي. بدأت أشتغل من البيت شغل بسيط في إدخال البيانات بمساعدة صديقة قديمة، علشان ماحسش إني عالة وأثبت لنفسي إني أقدر أبدأ. أمي كانت بتقوللي: “ريحي نفسك.” وأنا كنت أقولها:
“راحتي إني أقف على رجلي.” في الشهر الثامن، صدر حكم مبدئي بحبس محمود على ذمة الاعـ,ـتداء، مع استمرار نظر القضية المدنية، وقرار تمكين ليا من شقتنا الزوجية لكني رفضت أرجعها. الشقة بالنسبة لي كانت مقبـ,ـرة أصوات وريحة خوف. طلبنا بدل كده إثبات حقي ومحتوياتي ومصوغاتي فقط، وده حصل بمحضر رسمي. لما دخلت الشقة مع التنفيذ وأفراد القوة، جسمي كله ارتعش. كل ركن كان فيه ذكرى سودة. لكنّي دخلت وأنا رافعة راسي.
جمعت هدومي وحاجات البيبي اللي كنت مجهزاها، ولقيت تحت السرير كيس أسود فيه كروت سحب بنكية باسمي كان محمود مخبيها، وعقود استدانة موقّعها بإمضاء مزور في محاولة يستخدم اسمي في قروض.
هنا بس فهمت إن اللي كنت فاكراه جحيم الضـ,ـرب كان مجرد جزء من القذارة، وإن الراجل ده ما كانش بيعنفني بس، ده كان بيستنزفني ويخطط يورطني ماليًا كمان. المحامية فرحت بالاكتشاف ده أكتر مني، وقالت: “كده فتحنا باب جديد.” واتفتح فعلًا. قضية تزوير ومحاولة احتيال، وتحريات البنك أثبتت إنه حاول يستخدم بياناتي في معاملات من غير علمي. الكارثة نزلت عليهم من كل ناحية. الناس اللي كانوا بيقولوا لي استري بيتك ابتدوا يسكتوا. لأن الصورة بقت أوضح من إنهم يزوقوها. أنا ما كنتش زوجة ناشز ولا ست لسانها طويل. أنا كنت ضحية منظومة كاملة جوه بيت واحد.
في ليلة ولادتي، المطر كان نازل خفيف، وأنا كنت في المستشفى ماسكة إيد أمي وبعيط من الوجع والخوف والفرحة مع بعض. ولدت ولد جميل، صغير ودافئ وملامحه هادية، أول ما حطوه على صدري حسيت قلبي بيرجع لمكانه. سميته ياسين. الاسم ده كان من اختياري أنا، مش من اختيار حد، وأصرّيت إنه ياخد اسمي في كل إجراء قانوني لحين الفصل النهائي. لما محمود عرف من خلال المحامي إني ولدت، طلب يشوف ابنه. رفضت. مش انتقامًا رخيصًا، لكن حماية. اللي رفع عصاية على بطن أم ابنه ما يستحقش يشوفه إلا تحت قانون وشروط وقرار مختص، مش لأنه الأب البيولوجي وبس.
بعد الولادة بأسبوعين، وأنا لسه بتعلم السهر والرضاعة والبكاء اللي بلا سبب والرحمة اللي بتتولد مع الأمومة، جاتني رسالة من رقم غريب. فتحتها لقيت فيديو قصير من كاميرا مراقبة داخلية كان عندهم في الصالة، باين فيه محمود وهو بيقول لأمه قبل يوم الحـ,ـادثة: “أنا لازم أكسر عينها قبل ما تولد، أصلها بدأت تستقوى بحملها.” واللي بعت الفيديو كانت بنت خالته، قالتلي: “أنا كنت ساكتة غلط، سامحيني. لقيت الفيديو في فلاشة كان مخبيها عندنا وسط شغله.” إيدي اتلجت وأنا بشوفه. بالرغم من إننا كان عندنا أدلة كثيرة، الفيديو ده كان القاضية. نية مسبقة، وتحريض، ووعي كامل بالجـ,ـريمة.
لما عرضناه في النيابة، حتى محمود نفسه بان عليه الانهيار. مابقاش عنده مساحة ينكر. سعاد حاولت تقول الفيديو متفبرك، لكن الفحص الفني أثبت صحته. ومن هنا بدأ السقوط الحقيقي. الشركة اللي كان شغال
