
ذهبـت إلى المسٕتشفى لزيـارة ابنة زوجة أبـي بعد انجـابها, وحين وصلت الي الممر، سمعت صـوت زوجـي يقول:ليس لديها أدنى فكرة عما يحدث على الأقل هي جيدة من أجل المال… ردت زوجة ابي: أنتما الاثنان تستحقان أن تكونا سعداء. إنها لا شيء سوى فاشلة. ضحكت ابنتها وقالت: شكراً. سأتأكد من أننا سعداء.
بقيت صامته و التفتت لكن ما حدث بعد ذلك أذهلهم جميعاً.
……
لم أعتقد أبدًا أن ولادة من اعتبرتها اختي ستكون اليوم الذي تنهار فيه حياتي. في ذلك الصباح، ذهبت إلى المركز الطبي متوقعه شيئاً أكثر من تهنئة لارين على مولودها الجديد.
بل مشيت مباشرة نحو حقيقة كانت باردة لا ترحم وصدى عبر ممر عقيم تفوح منه رائحة المطهر والخـ,ـيانة.
بينما كنت أسير نحو جناح الولادة، ممسكاً بحقيبة هدايا صغيرة في يدي، سمعت صوتاً مألوفاً ينجرف من نصف باب مفتوح.
راضي. زوجي…ليس لديها أدنى فكرة… قالها بضحكة مكتومة متعجرفة. سيبوها على الأقل هي ماكينه أموال جيدة.
توقفت قدماي عن الحركة. كل عصب في جسدي مشدود.
ثم سمعت صوت زوجة :أنتما الاثنان تستحقان السعادة. إنها مجرد فاشلة عديمة الفائدة.
معدتي التوت. يدي مخدرة.
للحظة كان يدور العالم من حولي.
ضبابية أصواتهم في همهمة باهتة، كأنني أغرق تحت الماء، أغرق بمعنى كل كلمة سمعتها للتو. زوجي. أمي. أختي. التحدث بحرية. بشكل مريح. بقسوة. كما لو أنني لم أكن موجوده كما لو كان هدفي الوحيد هو تمويل حياتهم السرية…خطوت أقرب، بالكاد أتنفس. ثم الكلمات التالية دمرت ما تبقى من واقعي.
الطفل يشبهني تمامًا، قالها راضي بفخر
كانوا يعتقدون أنني كنت بعيده. لقد صدقوا أنني لا أعرف شيئاً. لكنني سمعت كل شيء. تحطم قلبي في ذلك الممر. سنوات علاجات الخصوبة. الضغط المالي. الليالي التي لا نهاية لها بمفردها بينما ادعى راضي أنه كان يعمل لوقت متأخر.
كل كذبة اتجهت إلى وضوح مثالي.
لم أقل شيئًا. تراجعت ببطء، يداي ترتجفان بعنف شديد لدرجة أن حقيبة الهدايا كادت أن تنزلق من أصابعي.
ثم استدرت. هدوء. غير مرئي. منسي. مشيت مرة أخرى في الردهة.
لكن ماذا حدث بعد ذلك. ما اخترت أن أفعله بعد ذلك. صدمهم جميعًا؛ لأن الخـ,ـيانة بهذا العمق لا تدمرك. إنها توقظك. وفي تلك اللحظة، وقوفي في ممر المستشفى البارد، توقفت عن كوني ضحيتهم….أصبحت شيئاً آخر تماماً.
صلي على محمد وال محمد وتابع 👇🔻👇
لمّا استدرتُ ومشيتُ بعيدًا عن باب الغرفة شبه المفتوح، كنتُ أمشي كما تمشي امرأة تخرج من حـ,ـريق دون أن يلاحظ أحد أن جلدها ما زال يحتـ,ـرق. لم أبكِ، ولم أصرخ، ولم أدخل لأفضحهم. الخـ,ـيانة أحيانًا لا تحتاج مواجهة، تحتاج عقلًا باردًا يعرف أين يضع الضـ,ـربة.
في نهاية الممر كان هناك مقعد معدني تحت نافذة صغيرة، جلست عليه وكأنني أنتظر موعدًا عاديًا. أخرجت هاتفي بهدوء، وضغطت تسجيل الصوت، ثم عدت خطوات قليلة ببطء، وقفت في المكان الذي يجعل أصواتهم أوضح، وتركته يسجل. لم أكن أبحث عن فضـ,ـيحة، كنت أبحث عن دليل.
لأن الناس حين يسمعون كلمة “خـ,ـيانة” يتعاطفون لحظة، ثم ينسون، لكنهم حين يرون دليلًا مكتملًا، يتغير كل شيء.
في الداخل كانت ضحكاتهم مستمرة. زوجة أبي تتحدث كأنها صاحبة بيت وأنا مجرد ضيفة ثقيلة. راضي يضحك بثقة رجل يظن أن كل شيء تحت السيطرة. ولارين… لارين كانت تتكلم بنبرة المنتصر، نبرة فتاة اعتادت أن تأخذ ما تريد لأن هناك من يمهد لها الطريق دائمًا.
قالت لارين وهي تضحك ضحكة قصيرة: أهم حاجة إنها تفضل ساكتة.
رد راضي: ساكتة ومشغولة… طول عمرها بتجري وراء العلاج والعيادات.
قالت زوجة أبي: هي تحب تعيش في الوهم. سيبوها.
ثم قال راضي وهو يخفض صوته أكثر: أنا خلصت كل حاجة. الفلوس بتيجي. والأوراق… كلها باسمي.
ابتلعت ريقي. “الأوراق كلها باسمي”. لم تكن جملة عابرة. كانت سـ,ـكينًا. لأنني لوهلة تذكرت كل مرة وقّعت فيها على ورق دون أن أقرأ، لأن راضي كان دائمًا “أفهم في الحاجات دي”. تذكرت تحويلات كثيرة كنت أعملها من حسابي إلى حسابه لأن “الاستثمار هيكبر”. تذكرت أنني كنت أثق، الثقة التي يحولها الخـ,ـائن إلى أداة.
أوقفت التسجيل بعد دقائق، وعدت إلى المقعد. وضعت الهاتف في حقيبتي. لم أعد أرتجف. بدا جسدي هادئًا بشكل مخيف. كأن عقلي أخذ القرار بالنيابة عني: لن أكون مشهدًا في قصتهم.
سأكتب نهايتها.
رفعت رأسي إلى لوحة الإرشادات في الممر. جناح الولادة على اليمين، الإدارة المالية على اليسار، مكتب شؤون المرضى في نهاية الممر. ابتسمت ابتسامة صغيرة. الحياة أحيانًا تضع لك أبوابًا كثيرة في مكان واحد، وأنت فقط تختار الباب الذي سيهدم بيتًا كاملًا دون صراخ.
مشيت نحو مكتب شؤون المرضى. طرقت الباب بخفة، دخلت. كانت هناك موظفة في منتصف الثلاثينات تراجع أوراقًا على الكمبيوتر. رفعت عينها بابتسامة آلية: حضرتك محتاجة حاجة؟
قلت بصوت هادئ: نعم. أنا زوجة راضي… وهو موجود هنا، وأريد أعرف تفاصيل حجز غرفة لزيارة “قريبة” لنا.
سألتني الموظفة: الاسم؟
قلت: لارين…
(ثم أضفت اسم العائلة).
كتبت بسرعة، ثم قالت: هي موجودة في الغرفة رقم…
توقفت لحظة. نظرت إلى الشاشة، ثم قالت: بس حضرتك…
قلت: في حاجة؟
قالت وهي تقلب بين الملفات: الملف مكتوب إن… “الزوج” هو المسؤول عن الدفع، ومذكور رقم بطاقة…
ابتسمت: البطاقة بطاقتي.
رفعت رأسها بسرعة.
قلت بهدوء شديد: أنا لا أعمل مشكلة. أنا فقط أحتاج نسخة من الفاتورة المؤقتة وتفاصيل الدفع، لأني أتأكد أن الحسابات تمام.
ترددت. ثم قالت: ده إجراء… لازم توقيع.
قلت: حاضر. وقعت. لم تكن تعرف أنها بهذه الحركة سلمتني مفتاحًا. أعطتني ورقة مطبوعة فيها التفاصيل:
المدفوعات، رقم البطاقة، توقيت العمليات، والاسم الذي تم به الدفع.
خرجت. وقفت في الممر مرة أخرى. نظرت للورقة. التاريخ أمس. قيمة كبيرة. ليس مجرد مصاريف ولادة. كان هناك بند إضافي “خدمات خاصة” و”غرفة VIP” و”تجهيزات”. راضي لا يدفع من جيبه. راضي يدفع من جيبي، ويضحك.
عدت إلى المصعد، نزلت إلى الطابق الأرضي. في الأسفل كان هناك مكتب صغير للبنك داخل المستشفى، مثل أغلب المراكز الكبيرة. كنت قد مررت به مرات كثيرة حين كنت أدفع مصاريف العلاج. دخلت، نفس الموظف الذي عرف وجهي من كثرة ما جئت. ابتسم ابتسامة تعارف: أهلاً يا مدام…
أجبته بابتسامة أهدأ: محتاجة خدمة بسيطة.
أوقف أي معاملات على بطاقتي فورًا. وأعمل تحديث للبيانات.
نظر لي باستغراب: في مشكلة؟
قلت: لأ. احتياط.
ثم أضفت: وأحتاج كشف حساب مفصل لآخر ست شهور، كل التحويلات البنكية باسم زوجي.
قال: لازم سبب رسمي.
قلت وأنا أخرج هاتفي وأريه إشعارًا قديمًا من البنك: في معاملات غير مصرح بيها. وعايزة أتقدم بشكوى.
تغيرت ملامحه فورًا، لأن كلمة “شكوى” تجعل الجميع يتعامل بسرعة. طبع لي كشفًا مختومًا.
خرجت من البنك. الهواء في بهو المستشفى كان أبرد مما توقعت. جلست لدقائق وحدي، أراجع الأرقام. كانت هناك تحويلات منتظمة… مبالغ صغيرة ومبالغ كبيرة.
بعضها بعنوان “إيجار مكتب” و”مصاريف شغل” و”قسط”. وأنا؟ أنا كنت أظن أننا نبني مستقبلنا. كنت أبني مستقبلهم هم.
رفعت رأسي وأنا أسمع صوت رسائل تأتي على هاتفي. راضي يرن. لم أرد. ثم رسالة: انتي فين؟ وصلتي ولا لسه؟
ابتسمت. حتى الآن هو يظن أنني جئت بالهدايا، وسأدخل بعد قليل مبتسمة، وأهنئ لارين، وأعود إلى البيت لأكمل دور “الزوجة التي لا تعرف”.
لكنني لم أعد تلك الزوجة.
أخذت نفسًا طويلًا، وفتحت الكاميرا الأمامية لهاتفي. نظرت لوجهي: لا دموع. لا انهيار. فقط عينان ثابتتان. قلت لنفسي بصوت منخفض: خطوة خطوة. لا تتسرعي. الخـ,ـيانة تحب ردود الفعل.
وأنا لن أعطيهم ما يحبون.
خرجت من المستشفى دون أن أصعد لغرفة الولادة. لم أواجه أحدًا. لأن المواجهة في هذه اللحظة كانت ستجعلهم يلتفون حول بعضهم، يختلقون أعذارًا، يهاجمونني، ويجعلونني أنا “المجنونة” التي تهدم بيتًا بسبب سوء فهم.
أنا لا أريد سوء فهم. أريد فهمًا كاملًا، مكتوبًا، مختومًا.
في السيارة، اتصلت بمحامي أعرفه من بعيد. كان قد ساعد صديقة لي في قضية ميراث. لم أكن أريد فضـ,ـيحة. كنت أريد حماية. قلت له جملة واحدة:
أنا محتاجة استشارة عاجلة في موضوع تحويلات مالية واستغلال توقيع.
قال: امتى تقدري تيجي؟
قلت: دلوقتي.
في مكتبه، جلست أمامه ووضعت على الطاولة الأوراق: كشف الحساب، تفاصيل الدفع من المستشفى، التسجيل الصوتي الذي لم يسمعه بعد. نظرت إليه وقلت:
أنا مش عايزة انتقام. أنا عايزة أرجع حقي وأخرج بأمان.
نظر للأوراق ثم قال بهدوء: اللي معاكي ده مش بس خـ,ـيانة… ده ممكن يبقى نصب واستغلال وتلاعب مالي.
لم أشعر بالصدمة. كنت قد تجاوزت الصدمة في الممر. الآن أنا في مرحلة مختلفة، مرحلة التخطيط.
قال: أول خطوة، توقف أي صلاحيات له على حساباتك.

