
حكـايات أسمـا السيـد بعد آخر جلسة… الحياة رجعت تهدى شوية، بس الهدوء ده كان مختلف… كأنه هدوء حد خرج من حرب ولسه حاسس بصداها في ودنه. أنا وسيف بقينا أقرب من أي وقت فات… مش بس أخوات، لكن شركاء في كل حاجة… في الخوف، في التعب، وفي كل انتصار صغير بنحققه.
الأيام كانت بتمشي، وأنا بدأت أركز أكتر على مستقبلي… خلصت دراستي، واشتغلت شغل ثابت في شركة صغيرة، مرتبها مش كبير، بس كفاية إنها تخليني أحس إني واقف على رجلي بجد. سيف كمان كان بيكبر قدامي… بقى في ثانوي، وبقى عنده صحاب، وأحلام، وكلامه بقى تقيل شوية… بس لسه لما يضحك، برجع أشوف الطفل اللي وعدته قدام القبر. في يوم من الأيام… كنت قاعد على الكنبة بعد يوم طويل، وسيف داخل عليّ وهو مبتسم ابتسامة غريبة. قاللي:
“رامي… أنا عايز أقولك على حاجة.” بصيتله وقلت: “قول يا عم… عملت إيه تاني؟” ضحك وقال: “لا المرة دي بجد… أنا عايز أدخل كلية الشرطة.” سكت لحظة… بصيتله كويس… لقيت في عينيه نفس الإصرار اللي كان عندي زمان. قلتله بهدوء: “ليه الشرطة؟” قال بثقة: “علشان عايز أبقى قوي… زيك… وأحمي الناس اللي زيّنا… اللي محدش وقف جنبهم.” الكلام لمس قلبي… بس في نفس الوقت خوّفني. الطريق ده مش سهل… ومليان تعب ومخاطر. قلتله: “إنت عارف الطريق ده صعب؟”
هز راسه وقال: “عارف… بس أنا متعود على الصعب.” ابتسمت غصب عني… وقلت: “ماشي يا بطل… وأنا معاك.” ومن اليوم ده… حياتنا دخلت مرحلة جديدة. سيف بقى بيصحى بدري يتمرن… يجري… يذاكر… وأنا كنت بساعده بكل اللي أقدر عليه… أوقات كنت ببقى تعبان من الشغل، بس لما أشوفه بيحارب علشان حلمه… كنت بحس إني لازم أكون جنبه. عدت شهور… لحد يوم النتيجة. كنا واقفين قدام اللاب توب… إيده بتترعش وهو بيدخل رقم الجلوس. بصلي وقال:
“لو ما نجحتش… متزعلش مني.” حطيت إيدي على كتفه وقلت: “أنا فخور بيك في كل الأحوال.” ضغط زرار البحث… وسكتنا… ثواني… بس كانت أطول من أي وقت. وفجأة… سيف صرخ: “نجحت!” قام يلف حوالين نفسه وهو بيضحك… وأنا ضحكت معاه، بس دموعي سبقتني. حضنته بقوة… وقلت: “أنا قولتلك… إنت تقدر.” في اللحظة دي… حسيت إن كل التعب، كل السنين اللي فاتت… كانت علشان اللحظة دي. بعدها بأيام… كنا واقفين قدام باب الكلية… سيف لابس لبس التدريب، وشكله بقى راجل بجد.
بصلي وقال: “خايف شوية.” ضحكت وقلت: “طبيعي… بس إنت قدها.” سكت لحظة… وبعدين حضني وقال: “لو مكنتش إنت… أنا مكنتش وصلت لهنا.” الكلام ده… كان أغلى من أي حاجة في الدنيا. سيبته يدخل… وأنا واقف بره… ببص عليه وهو بيبعد خطوة خطوة. ولأول مرة… حسيت إني بسيبه يمشي… بس مش علشان أسيبه… علشان يكبر. رجعت البيت… نفس البيت… بس المرة دي هادي زيادة عن اللزوم. قعدت على الكنبة… وبصيت حواليّ… كل حاجة بتفكرني بيه… بس كمان بتفكرني بكل اللي عدينا بيه سوا.
طلعت صورة قديمة… أنا وهو صغيرين… ماسك إيده وهو بيضحك. ابتسمت وقلت لنفسي: “الوعد لسه مستمر.” الليل عدّى… وفجأة… الموبايل رن. كان سيف. رديت بسرعة: “أيوه يا بطل؟” صوته كان متحمس: “رامي! أول يوم خلص… وكان صعب جدًا… بس أنا استحملت!” ضحكت وقلت: “عارف إنك هتستحمل.” سكت لحظة… وبعدين قال: “وحشتني.” غمضت عيني… وقلت: “وإنت كمان.” قفلنا المكالمة… وبصيت للسقف… نفس السقف اللي كنت ببصله وأنا تايه وخايف زمان… بس المرة دي… كنت مطمن. مش علشان الدنيا بقت سهلة…
لكن علشان أنا وهو بقينا أقوى… وأي حاجة جاية… هنعرف نعديها. حكـايات أسمـا السيـد مرّت شهور على دخول سيف الكلية… والبيت بقى أهدى من أي وقت فات، هدوء غريب كده… مش مريح أوي، بس مش موجع زي زمان. كنت كل يوم برجع من الشغل، أفتح الباب وأتعود أنده: “سيف!” وبعدين أفتكر إنه مش هنا… فأضحك لوحدي وأقول: “كبر يا عم.” المكالمات بينا بقت هي الحبل اللي رابطنا… كل يوم تقريبًا، حتى لو دقيقتين. ساعات يكون تعبان ومش قادر يتكلم، وساعات يكون متحمس يحكيلي عن يومه وكأنه لسه الطفل اللي بيجري عليّ يحكي كل حاجة.
في ليلة من الليالي… كنت قاعد لوحدي، وبفكر في كل اللي فات… فجأة لقيت نفسي بفتح الدولاب القديم… دولاب بابا. من ساعة ما مات… ما فتحتهوش غير مرات قليلة جدًا. بس الليلة دي… كان في إحساس جوايا بيقولي افتحه. فتحت الباب ببطء… ريحة قديمة طلعت… ريحة ذكريات. هدومه لسه متعلقة زي ما هي… جاكت قديم، قميص كان بيحبه… ومديت إيدي ولمستهم، وكأني بلمسه هو. وأنا بقلب… لقيت علبة صغيرة خشب في الرف. أول مرة أشوفها.
فتحتها… كان جواها شوية ورق، وسلسلة فضة، وصورة قديمة ليا أنا وسيف مع بابا وماما… كنا بنضحك فيها كلنا. بس اللي لفت نظري… ظرف مقفول. مكتوب عليه بخط بابا: “لرامي… لما يكبر.” قلبي دق بسرعة… قعدت على الأرض وفتحته بإيد بترتعش. جواه ورقة واحدة… “يا رامي… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. عارف إنك هتبقى راجل بدري عن سنك… وعارف إنك هتشيل مسؤولية مش سهلة. بس أنا واثق فيك. خليك دايمًا سند لأخوك… ومتخليش الدنيا تكسر قلبك. القوة مش إنك ما تقعش… القوة إنك تقوم كل مرة. وأنا فخور بيك… حتى لو مش شايفك.”
الورقة وقعت من إيدي… ودموعي نزلت لأول مرة من شهور. مش دموع ضعف… دموع شوق. حضنت الورقة كأنها حضنه… وقلت بصوت مكسور: “أنا حاولت يا بابا… والله حاولت.” في اللحظة دي… الموبايل رن. كان سيف. مسحت دموعي بسرعة ورديت: “أيوه يا بطل؟” صوته كان مختلف… هادي زيادة عن اللزوم. “رامي… إنت كويس؟” سكت لحظة… وبعدين قلت: “أيوه… بس كنت عند بابا شوية.” سكت هو كمان… وبعدين قال: “أنا كمان وحشني.” ابتسمت رغم الدموع وقلت: “فاكر لما كان بيصحينا بالعافية الصبح؟”
ضحك وقال: “وأنت كنت بتستخبى تحت البطانية!” ضحكنا سوا… نفس الضحكة القديمة. وبعدين قال فجأة: “رامي… أنا عايز أرجع البيت يومين… ينفع؟” قلت بسرعة: “البيت بيتك… في أي وقت.” بعد يومين… كان واقف قدام الباب. فتحته… لقيته قدامي، أطول… أقوى… بس أول ما شافني، ابتسم نفس الابتسامة الصغيرة اللي كنت بحبها. حضنّي جامد… وقال: “أنا رجعت.” قلتله وأنا بضحك: “أيوه يا عم… نورت بيتك.”
