
دخل… وبص حواليه… كأنه بيشوفه لأول مرة. قعدنا سوا… أكلنا… واتكلمنا بالساعات… عن كل حاجة… عن الكلية، عن صحابه، عن تعبه، وعن أحلامه. وفي نص الكلام… سكت فجأة وبصلي وقال: “إنت تعبت أوي عشاني صح؟” بصيتله وقلت بهدوء: “إحنا تعبنا سوا.” هز راسه وقال: “بس إنت شيلت أكتر.” ابتسمت وقلت: “كنت مضطر… علشانك.” سكت شوية… وبعدين قال جملة وقفت الزمن: “أنا عايز أردلك كل حاجة.” ضحكت وقلت: “مش مستني منك حاجة… غير إنك تفضل كويس.”
قال بثقة: “هفضل… علشانك.” الليلة دي… نام في أوضته القديمة… وأنا قاعد في الصالة… ببص على باب الأوضة ومبتسم. افتكرت كل حاجة… من أول يوم وعدته فيه… لحد النهارده. الوعد… كان تقيل… بس كان يستاهل. وبصيت للسقف… وقلت بهدوء: “أنا لسه مكمل يا بابا… ومش هسيبه.” والحقيقة؟ مش بس أنا اللي كبرت… إحنا الاتنين كبرنا… وبقينا قصة… محدش يقدر يكسرها.
حكـايات أسمـا السيـد
عدّى وقت تاني… وسيف رجع الكلية بعد الإجازة القصيرة، والبيت رجع يسكت من تاني… بس المرة دي، السكوت ماكانش مؤلم زي الأول، كان فيه طمأنينة غريبة… كأن كل حاجة بقت في مكانها الصح.
أنا بدأت أركز أكتر في شغلي… الشركة كبرت شوية، والمدير بدأ يعتمد عليّ أكتر… لدرجة إنه في يوم ناداني المكتب وقال:
“رامي… إحنا عايزين نديك منصب أعلى… بس ده معناه مسؤولية أكبر.”
ابتسمت بهدوء وقلت:
“أنا متعود على المسؤولية.”
ضحك وقال:
“واضح فعلًا.”
خرجت من عنده وأنا حاسس بشيء جديد… إحساس إن تعبي بدأ يبان…
إن السنين اللي فاتت ما راحتش هدر.
بس رغم كل ده… كان في حاجة ناقصة.
كنت أرجع البيت… أطبخ لنفسي… أقعد لوحدي… وأوقات كتير ألاقي نفسي بكلم سيف في الموبايل وأنا مش محتاج أقول حاجة… بس عايز أسمع صوته وخلاص.
وفي يوم… حصلت حاجة ماكنتش متوقعها.
كنت راجع من الشغل… لقيت ست واقفة قدام العمارة… شكلها بسيط، لابسة هدوم قديمة شوية، بس نظيفة… باين عليها تعب السنين.
أول ما شافتني… وقفت قدامي وقالت بصوت متردد:
“إنت رامي؟”
بصيتلها باستغراب وقلت:
“أيوه… حضرتك مين؟”
سكتت لحظة… وبعدين قالت:
“أنا…
خالتك.”
الدنيا لفت بيا.
“خالتي؟!”
قالت وهي بتبص في الأرض:
“أيوه… أخت مامتك.”
ماما… الكلمة دي لوحدها كفيلة تهزني.
سألتها بحذر:
“حضرتك فين من زمان؟”
تنهدت وقالت:
“كنت بعيدة… وظروفي ماكنتش سهلة… بس أول ما عرفت اللي حصل… حاولت أوصلك.”
كنت واقف مش عارف أصدق ولا أكدب… عمري ما سمعت عن خالة قبل كده… ولا ماما كانت بتتكلم عنها.
بس في نفس الوقت… في حاجة جوايا كانت بتقول إنها صادقة.
قلت لها:
“اتفضلي.”
طلعنا الشقة… قعدت على الكنبة وهي بتبص حواليها كأنها بتسترجع ذكريات.
قالت بهدوء:
“أختي… كانت بتحب البيت ده.”
قلبي وجعني… بس سكت.
بدأت تحكي… عن زمان… عن خلافات حصلت بينها وبين ماما… عن بعدها سنين طويلة… عن ندمها.
كنت سامع… بس عقلي مشغول بحاجة واحدة:
هل أثق فيها؟
في نص الكلام… سألتني:
“سيف فين؟”
قلت:
“في الكلية.”
ابتسمت وقالت:
“كبر بقى… نفسي أشوفه.”
سكت شوية… وبعدين قلت:
“ممكن… بس واحدة واحدة.”
هزت راسها بتفهم.
قعدت شوية ومشيت… وقبل ما تمشي، قالت:
“أنا مش جاية آخد حاجة… أنا بس جاية أرجع.”
الجملة دي فضلت ترن في دماغي.
في الليل… كلمت سيف وحكيتله.
سكت شوية… وبعدين قال:
“إنت حاسس بإيه؟”
قلت:
“مش عارف… خايف.”
قال بهدوء:
“خليك حذر… بس ما تقفلش الباب.”
ابتسمت… واضح إنه كبر فعلًا.
الأيام اللي بعدها… خالتي بدأت تيجي تزورنا… بهدوء… من غير تدخل… من غير ضغط. كانت بتساعدني في حاجات بسيطة… تطبخ أحيانًا… ترتب… وكأنها بتحاول تعوض سنين غياب.
وفي يوم… سيف كان في إجازة وجيه البيت… أول مرة يشوفها.
كان واقف قدامها متردد… وهي بصاله بعين مليانة دموع.
قالت له:
“إنت شبه مامتك.”
سيف سكت… وبعدين قال بهدوء:
“حضرتك كنت فين؟”
سؤال مباشر… وجعها.
قالت بصراحة:
“كنت غلطانة… وبعدت… بس عمري ما نسيتكم.”
سيف بصلي… وأنا هزيت راسي كأني بقوله القرار ليك.
قرب منها خطوة… وبعدين قال:
“أنا مش هقدر أنسى بسهولة… بس ممكن أدي فرصة.”
ابتسمت وهي بتعيط… وقالت:
“ده كفاية عليّ.”
في اللحظة دي… حسيت إن في باب جديد اتفتح في حياتنا.
مش باب سهل… ولا مضمون…
بس باب ممكن يدخل منه حاجة كويسة.
وفي الليل… أنا وسيف قاعدين سوا… قاللي:
“إحنا بقينا عيلة تاني؟”
بصيتله وقلت:
“إحنا عمرنا ما بقينا لوحدنا…
إحنا كنا بس محتاجين نفتكر ده.”
ابتسم… وسند راسه على الكنبة…
وأنا بصيت حواليّ… البيت اللي شهد كل وجعنا… بقى النهارده بيشهد بداية جديدة.
يمكن مش كاملة…بس حقيقية.

