
ماسكة في هدومها كأنها آخر أمل ليها… المكان كان ضلمة… ريحته تقيلة… وحاسس إن في حاجة غلط في كل تفصيلة… الراجل اللي على الباب دخل ورايا وقفل الباب بعنف… وقال “واضح إنك مش فاهم إنت عملت إيه” بصّيت لسارة وقلت “أنا لقيت الرسالة… مقدرتش أتجاهلها” عينيها دمعت فجأة… بس حاولت تفضل قوية… قالت بصوت واطي “كان لازم تمشي… كان المفروض تمشي” قلت “ومين هيساعدك لو أنا مشيت؟” الراجل ضحك ضحكة قصيرة وباردة وقال “مفيش حد هيساعدها… ولا هيساعدك” وفجأة طلع موبايله… وبص فيه كأنه بيبعت رسالة… سارة شدّت البنت ووراها خطوة… ووشها بقى كله خوف… قالت لي بسرعة وهمس “امشي… دلوقتي…
لو فضلت هنا… مش هتطلع” بس أنا كنت خلاص دخلت في الموضوع… ومكنش ينفع أرجع… قلت “مش همشي… غير وإنتي معايا” الراجل قرب مني خطوة وقال “إنت شكلك غبي بزيادة” وفي اللحظة دي… سمعنا صوت عربية برا… صوت فرامل قوية… وبعدين خبط على الباب… الراجل اتوتر لأول مرة… بص ناحية الباب… وبعدين بصلي… كأنه بيحسبها… وفي ثواني… كل حاجة اتحركت بسرعة… سارة زقّت البنت ناحيتي وقالت “خدها واجري” قبل ما أفهم… الراجل مسك سارة بعنف… والبنت مسكت إيدي وهي بترتعش… فتحت الباب بسرعة… ولقيت اتنين واقفين برا… واحد منهم نفس الصوت اللي رد على موبايلها…
بصلي وقال “إنت اللي اتصلت؟” مفهمتش إيه اللي بيحصل… بس البنت صرخت وقالت “عايزين ياخدوا ماما” الراجلين دخلوا بسرعة… وأنا وقفت مش عارف أعمل إيه… فجأة الدنيا بقت زحمة…
صوت خناقة… وصريخ… وحد بيقول “الشرطة جاية” وسارة بتصرخ “خدوها بعيد عنهم” مسكت البنت وخرجت بيها لبرا… قلبي بيدق بسرعة مرعبة… ركبت العربية بسرعة وهي جنبي… ودموعها مش بتقف… قالت وهي بتنهج “هم هيأذوا ماما؟” معرفتش أجاوب… بس قلت “لا… مش هيسمحوا بكده” رغم إني مش متأكد… فضلت سايق وأنا مش عارف رايح فين… بس كنت عارف إن لازم أبعدها عن المكان… بعد شوية… وقفت قدام قسم شرطة… نزلت بيها… ودخلت… وكل اللي حصل بدأ يتحكي… من أول الرسالة… للصورة… للمكالمة… لحد اللي شوفته جوه… الضابط كان بيسمع بتركيز… ووشه اتغير أكتر من مرة…
وبعدين بص للبنت وقال “اسمك إيه؟” قالت بصوت ضعيف “ليلى” سألها “مين الناس اللي كانوا هناك؟” بصّت في الأرض وسكتت… حـ,ـضنتها وقلت “مفيش حاجة هتحصل لك… إنتي في أمان” بعد ساعة تقريبًا… عربية شرطة وصلت… وقالوا إنهم راحوا المكان… بس ملقوش حد… البيت فاضي… كأن محدش كان فيه… ساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير… وإن الناس دي مش سهلة… سألوني لو أعرف مكان تاني ممكن تكون فيه سارة… بس أنا كنت معرفش غير اللي شوفته… الليلة دي خلصت وأنا قاعد في القسم… والبنت نايمة على الكرسي جنبي… ودموعها لسه على خدها… وأنا باصص قدامي… وبفكر… إزاي يوم عادي ممكن يتحول لكده…
وإزاي قرار بسيط… إكرامية… ممكن يفتح باب لعالم تاني خالص… وفي اللحظة دي… تليفوني رن… رقم غريب… رديت… وسكت… الصوت جه من الناحية التانية… نفس صوت سارة… ضعيف… بس واضح… قالت “أنا عايشة… بس مش في أمان… لو عايز تنقذني بجد…
اسمع كويس” قلبي وقف… وقربت الموبايل أكتر… قالت “اللي شوفته… ده مجرد جزء صغير… في شبكة… بتستغل بنات زيي… وبتستخدم أطفالهم علشان تضمن سكوتهم… وأنا حاولت أهرب… علشان كده حصل اللي حصل” قلت بسرعة “إنتي فين؟” سكتت لحظة… وبعدين قالت “مش هقدر أقول دلوقتي… بس لازم تثق في حد واحد بس… متثقش في أي حد تاني… حتى الشرطة” الكلام ضـ,ـربني زي الصاعقة… بصّيت حواليا… الضابط واقف بعيد شوية… والبنت نايمة… قلت “طب أعمل إيه؟” قالت “هكلمك تاني… بس خليك حذر… هم بيدوروا عليك دلوقتي” وقبل ما أتكلم… الخط اتقفل… إيدي نزلت ببطء… وقلبي بيدق بطريقة مرعبة… وأنا لأول مرة…
حسيت إني بقيت جزء من حاجة أكبر بكتير مني… حاجة ملهاش رجوع… وبصّيت للبنت الصغيرة… ليلى… وافتكرت جملتها “ماما أنا خايفة” وعرفت إن مهما كان اللي جاي… أنا مش هسيبهم… حتى لو ده معناه إني أخاطر بكل حاجة… حياتي… شغلي… وحتى نفسي… حكـايات أسمـا السيـد
قعدت في نفس مكاني بعد المكالمة… والموبايل لسه في إيدي… وكلام سارة بيرن في ودني كأنه لسه بيتقال… “متثقش في حد… حتى الشرطة”… الجملة دي كانت تقيلة… صعبة تتبلع… خصوصًا وأنا قاعد جوه قسم… بس في نفس الوقت… كل اللي حصل خلاني أشك في كل حاجة حواليا.
بصّيت لليلى… كانت نايمة… ماسكة في هدومي بإيدها الصغيرة كأنها خايفة أختفي… اللحظة دي كسرتني من جوا… حسيت إن البنت دي بقت مسؤوليتي… مش اختيار… قدر.
عدّى يوم… واتنين… ومفيش أي خبر عن سارة.
الشرطة قالت إنها “بتحقق”… بس مفيش نتيجة… ومفيش أي أثر.
وفي الليلة التالتة… تليفوني رن تاني.
نفس الرقم.
رديت بسرعة… وقلبي بيدق.
صوتها جه… أوضح شوية المرة دي… بس لسه فيه خوف.
“أنا معايا فرصة واحدة بس… النهارده.”
قلت بسرعة: “إنتي فين؟”
قالت: “في مكان مهجور… مخزن قديم في أطراف المدينة… لو اتأخرت… مش هتلاقيني.”
قبل ما تقفل… سمعت صوت حد بيقرب… وصوتها وهي بتهمس:
“لو مجتش… خليك واخد بالك من ليلى…”
والخط اتقفل.
قمت وقفت فورًا.
كان قدامي اختيار… أستنى وأبلغ… أو أتحرك.
بس أنا كنت عارف… إن الوقت مش في صالحي.
خدت مفاتيحي… وسيبت القسم من غير ما أقول لحد… حتى الضابط.
ركبت العربية… وسُقت بأقصى سرعة.
المكان كان بعيد… صناعي… شبه مهجور… الشوارع فاضية… والنور ضعيف.
وصلت بعد نص ساعة… يمكن أطول… بس كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة.
وقفت العربية بعيد… ونزلت.
المخزن كان قدامي… بابه نص مفتوح… والظلمة مالية المكان.
دخلت… خطوة خطوة… وكل حاسة في جسمي مشدودة.
“سارة؟”
صوتي رجعلي صدى بس.
وفجأة—
سمعت حركة.
قربت أكتر… لحد ما شفتها.
مربوطة… على كرسي… وشها متكدم… بس عينيها أول ما شافتني… لمعت.
“كنت عارفة إنك هتيجي…”
جريت عليها… بحاول أفك الحبال…
بس قبل ما ألمسها—
صوت جه من ورايا:
“غلطتك إنك افتكرت نفسك بطل.”
لفّيت بسرعة…
نفس الراجل… ومعاه اتنين تانيين.
واحد منهم مسك سـ,ـلاح.
قلبي وقع… بس رجلي متحركتش.
وقفت قدام سارة… كأني بحاول أحميها.
الراجل ضحك وقال:
“القصة خلصت… للأسف مش النهاية اللي كنت عايزها.”
وفي اللحظة دي—
صوت siren قطع المكان.
عربيات شرطة.
الراجل اتفاجئ… وبص حواليه… وبعدين عليّ.
ابتسم ابتسامة غريبة وقال:
“واضح إنك ما سمعتش كلامها كويس…”
وقبل ما يفهم أكتر—
الشرطة دخلت.
ضـ,ـرب نار في الهوا… صريخ… جري…
فوضى.
الرجالة حاولوا يهربوا… بس المرة دي… ماكانش عندهم فرصة.
اتقبض عليهم.
وقفت وأنا مش مصدق… كل حاجة خلصت بسرعة.
فكّيت الحبال عن سارة… ووقعت في حـ,ـضني وهي بتعيط.
“خلصت…”
عدّى وقت…
والحقيقة كلها بدأت تظهر.
الشبكة اتكشفت… ناس كتير اتقبض عليهم… أطفال اتنقذوا… وسارة بقت شاهدة أساسية.
أما ليلى…
رجعت لحضـ,ـن أمها.
وأنا…
رجعت لحياتي.
بس مش نفس الشخص.
بقيت فاهم إن أبسط قرار ممكن يغيّر كل حاجة… وإن الخير… حتى لو بسيط زي إكرامية… ممكن يكون سبب في إنقاذ روح.
في آخر مرة شفت سارة… كانت واقفة ومعاها ليلى… مبتسمين.
قالت لي:
“إنت مش أنقذتني بس… إنت رجعتلي حياتي.”
ابتسمت… وقلت:
“إنتي اللي أنقذتي نفسك… أنا بس سمعت.”
ومشيت.
رجعت بيتي… نفس الهدوء… نفس المكان…
بس جوايا حاجة اتغيرت.
بقيت لما أبص لعلبة أكل… أفتكر اللي حصل…
وأفتكر إن أحيانًا…
أبسط حاجة ممكن تخبي أكبر حكاية.
حكـايات أسمـا السيـد
