
بعد موت جدي اللي ربانا اكتشفت انه مسبش ليا حاحه من ورث بابا غير علبة الاكل المعدنيه اللي كان بياخدها معاه الشغل…كنت مقهوره مش حزينه والف سؤال بيخطر في بالي ليه يا جدو…؟ اشمعنا..انا…لكن لما فتحت علبه الاكل بدون اي دوافع غير اني اشتقت لريحة اكل جدي فيها..يعني زي ما تقولوا كدا خدني الحنين..ايدي ارتعشت وصرخت من الصدمه من اللي لقيته فيها..
أنا أصغر واحدة في اخواتي الخمسة.
بعد ما بابا وماما ماتوا في حادثة عربية، جدي هو اللي ربانا لوحده.
كان بيصحى كل يوم الساعة 5 الفجر… وكنت بسمعه في المطبخ بيحضر القهوة…
ويحط أكله في نفس علبة الأكل المعدنية دي.
إخواتي سابوا البيت أول ما كبروا… كل واحد راح مدينة وحياة مختلفة.
أنا لما خلصت الجامعة… رجعت عشت معاه علشان أرعاه.
كان دايمًا يقول لي: مش لازم تفضلي هنا… شوفي حالك يا روح جدو انا مش هبقي زعلان
بس كنت برد عليه بحب: أنا عايزة أفضل… معاك
إخواتي عمرهم ما حبوني.
كانوا شايفين إني أنا السبب في موت بابا وماما.
كنت عندي سنتين… وانا معاهم في كرسي العربية… لما عربية نقل عدت الإشارة…وشالتنا..أنا اللي عشت… وهم لأ.
ومهما جدي كان يحاول يجمعنا على سفرة واحدة…
عمرهم ما نسوا ده.
مرة سمعت أخويا كريم بيقول: لو ما كانتش اتولدت… كانوا زمانهم عايشين.
لما جدي مات… حسيت إني خسرت الشخص الوحيد اللي حبني بجد ووقف جنبي.
يوم قراية الوصية… ما كنتش متوقعة حاجة كبيرة.
كنت فاكرة هيقسم كل حاجة بينا وخلاص.
بس…كريم خد البيت…أحمد خد العربية.
محمود ونور خدوا 200 ألف جنيه لكل واحد.
وأنا…أنا خدت علبة الأكل القديمة بتاعته.
مصدية… وقديمة… نفس اللي كان بياخدها الشغل كل يوم.
إخواتي ضحكوا… وأنا قاعدة ساكتة… مكسورة ومهانة.
ما قلتش حاجة… بس مسكت العلبة ومشيت وأنا بعيط.
فضلت أمشي حوالي عشرين دقيقة… بحاول أفهم هو عمل فيا كده ليه.
وفي الآخر… وصلت للجنينة اللي كان دايمًا بياخدني فيها وأنا صغيرة… قعدت على دكة… ولسه ماسكة العلبة…
غضبانة… مجروحة… وتعبانة.
بعد شوية… فتحت القفل المصدي بإيدي اللي كانت بتترعش…وأول ما شوفت اللي جوا…
اتجمدت في مكاني.
وإيدي بدأت تترعش أكتر… بشكل مش طبيعي…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
اتجمدت في مكاني… وإيدي بدأت تترعش أكتر… بشكل مش طبيعي… لأن اللي كان جوه العلبة… ماكانش أكل… ولا حتى ورق عادي… كان فيه كيس قماش صغير مربوط بعناية… كأنه متخزن من سنين طويلة… لونه باهت بس متماسك… ريحته فيها نفس ريحة جدو… قهوة وعرق وشوية صابون رخيص… فتحت الكيس بإيدي المرتعشة… ووقتها قلبي بدأ يدق بسرعة غريبة… كأني داخلة على حاجة هتغير كل حاجة… وأول ما الكيس اتفتح… وقعت منه حاجة خلتني أصرخ من غير ما أحس… مفتاح… مفتاح قديم تقيل… ومعاه ورقة مطبقة بعناية… وورقة تانية أصغر… وصورة… الصورة كانت ليا… وأنا صغيرة جدًا… على كتف جدو… وبنضحك…
الضحكة اللي كنت فاكرة إني نسيتها… والورقة الكبيرة كانت مكتوب عليها بخط جدو… نفس الخط اللي كان بيكتبلي بيه جواب كل عيد… “لما تفتحي العلبة دي… ابقي قوية يا روح جدو… ومتخافيش… لأنك الوحيدة اللي تستاهلي تعرفي الحقيقة” حسيت نفسي مش قادرة أتنفس… كأن الدنيا كلها وقفت… وأنا ماسكة الورقة بإيدي… وببص حواليا في الجنينة كأني مستنية حد يقولي إن ده حلم… كملت قراية… “المفتاح ده لشقة في القاهرة… محدش من إخواتك يعرف عنها حاجة… وأنا عامل حسابها ليكي لوحدك… مش علشان بحبك أكتر… لكن علشان إنتي الوحيدة اللي فضلت جنبي… والوحيدة اللي شافت اللي محدش شافه…
واللي استحملت اللي محدش كان هيستحمله” دموعي نزلت من غير صوت… وأنا بقرأ… “إخواتك فاكرين إنهم اتظلموا… لكن الحقيقة إنهم هما اللي ظلموا نفسهم… وأنا سيبتلهم اللي هما شايفينه مهم… لكن سيبتلك اللي هيغير حياتك… بس قبل ما تروحي الشقة… افتحي الورقة الصغيرة” إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة الصغيرة… وكانت مكتوب فيها عنوان… عنوان الشقة… ومعاه جملة واحدة… “مش كل اللي بيتساب في النور بيبقى ليه قيمة… أوقات اللي في الضلمة هو اللي بيعيش” فضلت قاعدة على الدكة… مش قادرة أتحرك… حاسة بمشاعر متلخبطة… صدمة… خوف… فضول… وحنين قاتل… قمت بعد شوية… ومسحت دموعي… وقررت أروح العنوان…
من غير ما أفكر… كأني ماشية ورا صوت جدو… زي زمان… ركبت ميكروباص… وبعدها مترو… وبعدها مشي طويل في شوارع ضيقة… لحد ما وصلت لعمارة قديمة… شكلها عادي جدًا… بس قلبي كان بيدق كأني واقفة قدام سر كبير… طلعت السلم… دور ورا دور… لحد ما وصلت لباب شقة… نفس رقم اللي في الورقة… وقفت قدامه شوية… وبصيت للمفتاح… وبعدين دخلته في القفل… القفل فتح بسهولة… كأن حد لسه مستخدمه… دخلت… والشقة كانت ضلمة… سحبت النور… والنور كشف حاجة خلتني أقف مكاني من الصدمة… الشقة مش فاضية… الشقة كانت متجهزة… أثاث بسيط… نظيف… وكأن حد عايش فيها… أو مستني حد يعيش…
دخلت جوه وأنا مش مصدقة… كل حاجة فيها كانت مرتبة… على الترابيزة لقيت ظرف… باسمي… فتحت الظرف… وقلبي بيدق… “أنا عارف إنك وصلتي… ولو وصلتي تبقي فهمتي إني كنت واثق فيكي… الشقة دي باسمك… ومعاها كل الورق اللي يثبت ده… بس ده مش كل حاجة… افتحي الدولاب اللي في الأوضة” جريت على الأوضة… وفتحت الدولاب… ووقتها حسيت برجلي مش شايلاني… الدولاب كان مليان… فلوس… رزم فلوس متخزنة بعناية… ومعاها ملف كبير… مسكته بإيدي المرتعشة… وفتحته… كان فيه عقود… وأوراق ملكية… وحسابات بنكية… أرقام كبيرة… أكبر بكتير من اللي إخواتي خدوه… وقفت في نص الأوضة… مش قادرة أستوعب… ليه جدو عمل كده…
ليه إداني كل ده… وأنا طول عمري شايفة نفسي أقل منهم… سمعت صوت جدو في دماغي… “إنتي مش أقل… إنتي الوحيدة اللي كنتي شايفة الحقيقة” قعدت على الأرض… وفضلت أعيط… بس المرة دي مش قهر… حاجة تانية… حاجة بين الوجع والراحة… فجأة افتكرت حاجة… إخواتي… ضحكتهم عليا… إحساس الإهانة… حسيت بنار جوايا… بس كمان حسيت بقوة… لأول مرة… قوة إني مش محتاجة رضاهم… ولا اعترافهم… جدو كان شايفني… وده كان كفاية… رجعت الشقة بتاعتي تاني يوم… وما قولتش لحد حاجة… بس بعد أسبوع… إخواتي كلهم عرفوا… معرفش إزاي… يمكن حد شافني… أو يمكن جدو كان عارف إن ده هيحصل… كريم كلمني…
صوته متغير… “إنتي عندك شقة في القاهرة؟” سكت شوية… وبعدين قلت بهدوء: أيوه… قال بسرعة: وإحنا؟… هو إنتي فاكرة نفسك إيه؟… ده حقنا كلنا… ضحكت… لأول مرة بجد… وضحكتي كانت غريبة عليه… “لا… ده مش حقكم… ده حقي أنا” سكت… وبعدين قفل في وشي… بعد ساعات… كانوا واقفين كلهم قدام باب الشقة… خبط جامد… فتحت… وشوفتهم… نفس الوجوه… بس النهارده… أنا مش البنت الصغيرة اللي كانوا بيكسروا فيها… كريم دخل وقال بعصبية: إحنا لازم نتكلم… بصيت له بهدوء: اتفضلوا… قعدوا… وبصوا حواليهم… الصدمة كانت في عينيهم… أحمد قال: كل ده… لجدو؟… هزيت راسي: أيوه… محمود قال بنبرة فيها غل:
وإحنا خدنا الفتات… قاطعته: لأ… إنتوا خدتوا اللي كنتوا عايزينه… البيت… العربية… الفلوس… بس عمركوا ما خدتوا جدو… عمركوا ما كنتوا هنا… الصمت نزل عليهم… تقيل… نور قالت بصوت واطي: وإنتي شايفة إن ده عدل؟… بصيت لها… وقلت: العدل إن كل واحد ياخد على قد اللي عمله… أنا كنت هنا… يوم ما كان تعبان… يوم ما كان محتاج حد… يوم ما كان بيصحى مفزوع من النوم… أنا كنت هنا… وإنتوا؟… كنتم فين؟… محدش رد… لأنهم عارفين… عارفين إن ده حقيقي… كريم حاول يتكلم… بس وقف… وبعدين قال: إحنا كنا صغيرين… قلت بسرعة: وأنا كنت إيه؟… كنت طفلة زيكم… بس أنا فضلت…
مشيت ناحية الباب… وفتحته… وقلت بهدوء: خلاص… كل واحد فينا خد نصيبه… وأنا راضية… ياريت تكونوا إنتوا كمان… خرجوا واحد ورا التاني… من غير كلمة… وقفت أقفل الباب… وإيدي ثابتة… مش بترتعش زي الأول… رجعت قعدت في الصالة… وبصيت حوالي… الشقة اللي جدو سابهالي… المكان اللي أخيرًا حسيت فيه إني ليا حاجة… حاجة تخصني… حاجة تثبت إني كنت مهمة… إن وجودي كان له معنى… فتحت الشباك… الهوا دخل… خفيف… ومعاه ريحة غريبة… نفس ريحة القهوة بتاعت جدو… ابتسمت… وقلت بصوت واطي: أنا فهمت يا جدو… فهمت ليه العلبة كانت أهم من كل حاجة… لأنها كانت البداية… مش النهاية… ومن يومها…
حياتي اتغيرت… مش علشان الفلوس… ولا الشقة… لكن علشان أخيرًا… صدقت نفسي… صدقت إني مش السبب… إني مش الغلطة اللي فضلت عايشة… أنا النجاة… وأنا الحكاية اللي لسه مكملة… حكـايات أسمـا السيـد يتبع… الجزء الثاني

