
الأجندة كانت بتحتوي على أسماء أطفال تانيين، وتواريخ، ومبالغ مدفوعة بالدولار. حسام مكنش مجرد مريض نفسي.. حسام كان جزء من “شبكة” بتبتاع وتشتري في صور وفيديوهات الأطفال على “الدارك ويب”! ياسين كان مجرد ضحية من ضمن ضحايا كتير.. ومنال، بعلمها أو بجهلها، كانت بتسهل له “الصيد” الجديد. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
اللحظة اللي اتفتحت فيها الخزنة، كانت اللحظة اللي اكتشفت فيها إن “حسام” مش مجرد وحش بشري، ده كان ترس في ماكينة قذارة عالمية. الأجندة والهارد ديسك كانوا “قنبلة موقوتة”. الأسماء اللي في الأجندة مكنتش مجرد أرقام، دي كانت عناوين لبيوت في مناطق راقية، وأسامي أطفال لسه ميعرفوش إن صورهم بتتباع لمرضى في آخر الدنيا. “محمود.. إحنا لازم نخرج من هنا فوراً،” المحامي قالها وهو بيمسح عرقه بمنديل، “اللي في الهارد ده يودي رقاب كتير حبل المشنقة، والناس دي مش هسيبنا نخرج بالدليل ده بسهولة.”
قبل ما نتحرك من الشقة، تليفون “حسام” اللي كان مع الضابط رن.. كان رقم “خاص”. الضابط فتح الخط وفتح الـ (Speaker). صوت خشن وهادي قال: “الخزنة اللي فتحتوها دي فيها أمانة.. الأمانة ترجع، وكل واحد يروح لحاله، وإلا ابنك يا محمود مش هيشوف الشمس تاني.” قلبي وقف. هما عرفوا؟ بالسرعة دي؟ الضابط شاور لنا نسكت، وحاول يتتبع المكالمة، بس الخط قطع فوراً. المطاردة خرجنا من السيدة زينب تحت حراسة مشددة. الطريق لـ “الشيخ زايد” كان كأنه فيلم رعب. كنت حاسس إن كل عربية ماشية ورانا هي قناص مستني اللحظة المناسبة. وصلت البيت، دخلت لياسين وحضـ,ـنته كأني بحاول أدخله جوه ضلوعي.
“ياسين.. اسمعني يا حبيبي، إحنا هنروح مكان بعيد شوية.. زي فسحة كده،” قلت له وأنا بحاول أداري رعشة صوتي. ياسين بص لي بذكاء أكبر من سنه: “عشان (خالو) حسام هرب من السجن؟” “لأ يا حبيبي.. عشان الحق محتاج وقت عشان يخلص خالص.” نقلت ياسين لمكان “آمن” تبع جهة سيادية، بمساعدة الضابط اللي مسك القضية. الهارد ديسك بدأ يتفحص، والمفاجآت كانت بتنزل زي المطر. صور، فيديوهات، ومحادثات بتكشف إن حسام كان بيستهدف أطفال المطلقات تحديداً، بيستغل ضعف الأم وحاجتها لـ “راجل” في حياتها عشان يدخل البيت ويتمكن من فريسته.
المواجهة مع “منال” للمرة الأخيرة طلبت أقابل منال في السجن قبل ما تتحول للمحاكمة الكبرى. شفتها من ورا السلك.. كانت مكسورة، شعرها منكوش، وعينيها دبلانة.
“كنتِ تعرفي عن الأجندة يا منال؟” سألتها بجمود.
منال بدأت تلطم على وشها: “والله ما كنت أعرف غير إنه بيصور فيديو عشان (يأمن نفسه) لو فكرت أبلغ.. مكنتش أعرف إنه بيتاجر.. مكنتش أعرف إن ابني كان بضاعة!” “أنتِ اللي خليتيه بضاعة لما سكتِ من أول لمسة،” رديت عليها بقرف، “ياسين دلوقتي في حماية الدولة، وأنتِ وحسام في مزبلة التاريخ.” قامت وهي بتصرخ: “سامحني يا محمود.. قوله يسامحني!” سبتها ومشيت.. فيه جروح مبيطلعش منها اعتذار، وفيه غلطات مبيغسلهاش ندم. ليلة الهجوم
في الفجر، المكان الآمن اللي كنا فيه اتعرض لمحاولة اقتـ,ـحام. ضـ,ـرب نـ,ـار، صراخ، وسرينات بوليس في كل حتة. القوة اللي كانت بتحرسنا كانت مستعدة. حسام والشبكة بتاعته حاولوا “يخلصوا” على الدليل الوحيد اللي فاضل.. ياسين وأنا. كنت قاعد في ركن الأوضة، واخد ياسين في حـ,ـضني، وبصلي. يا رب، مخرجنيش من المعركة دي خسران ابني. فجأة، الباب اتفتح.. ودخل الضابط وهو بينهج: “خلاص يا محمود.. مسكنا الخيط كله. الشبكة وقعت، وحسام اعترف على (الكبار) عشان يهرب من حبل المشنقة.”
ياسين بص لي وسأل: “يعني خلاص يا بابا؟ الوحوش ماتت؟” بصيت له ودموعي نزلت: “خلاص يا قلب بابا.. الوحوش دخلت القفص.” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم بعد مرور سنة كاملة.. القاهرة في ليلة من ليالي الربيع الهادية. مفيش نهج، ولا هوا تقيل، ولا خوف مستخبي ورا البيوت. أنا قاعد في بلكونة شقتي في “الشيخ زايد”، ماسك كوباية شاي، وبسمع صوت ضحك طالع من الأوضة اللي جوه. صوت ضحك صافي، ملوش علاقة بصرخات الكوابيس اللي كانت بتهز البيت ده من سنة.
ياسين كان بيلعب “شطرنج” مع مدربه. بقى بطل النادي، مش بس في اللعب، لكن في التحدي. كلمة القضاء.. والعدالة الناجزة الشهر اللي فات، كانت الجلسة الختامية. المحكمة كانت محاصرة بالقوات، والقضية اتحولت لـ “قضية رأي عام”. وقف القاضي، وبصوت هز أركان القاعة، نطق بالحكم اللي برد ناري: “حكمت المحكمة حضورياً على المتهم (حسام . أ) بالإعدام شنقاً، وعلى المتهمة (منال . م) بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً بتهمة التواطؤ والإهمال الجسيم والاشتراك في إخفاء جرائم تهدد أمن المجتمع.”
لما سمعت كلمة “الإعدام”، حسيت إن جبل كان فوق صدري وانزاح. بصيت لمنال وهي بتنهار وبيرحلوا بيها للسجن، ومحستش تجاهها غير بالشفقة على روح باعت أغلى ما تملك عشان وهم. رحلة الشفاء مشوار العلاج النفسي مكنش سهل. “الدكتورة نهال” كانت بطلة تانية في القصة دي. ياسين مر بمراحل صعبة، من الصمت التام، للغضب، لحد ما وصل للمرحلة اللي هو فيها دلوقتي: “مرحلة التصالح”.
ياسين النهاردة عارف إنه “ضحية”، وعارف إن الوجع مكنش ذنبه. بقى هو اللي بيطمنّي لما يشوفني سرحان وخايف عليه.
“بابا، أنا خلاص بقيت قوي.. والوحش مابقاش موجود حتى في أحلامي.” الرسالة الأخيرة دخلت أوضة ياسين عشان أقوله ينام. لقيته راسم صورة جديدة على مكتبه. المرة دي مكنش فيه رجل أسود ولا مفاتيح سرية. كانت صورة لينا إحنا الاتنين، ماسكين إيد بعض، وفوقينا شمس كبيرة مرسومة باللون الأصفر الفاقع. قعدت جنبه، وبصيت للصورة وقلت له: “عارف يا ياسين.. حكايتنا دي وجعت ناس كتير، بس علمتهم أكتر.” ياسين بص لي بابتسامته اللي رجعت تنور وشه: “علمتهم إيه يا بابا؟”
قلت له وأنا ببوس راسه: “علمتهم إن مفيش (مركب بتسير) على حساب وجع طفل. وإن الأمومة مش شهادة ميلاد، دي أمانة. وعلمتهم إن الأب مش بس اللي بيصرف، الأب هو السد العالي اللي بيحمي ابنه من شياطين الإنس قبل الجن.” النهاية قفلنا النور، ونمت وأنا مطمن. ياسين نام بعمق، مش خايف من الباب المقفول، ولا من الضلمة. الحق مش بس رجع في ورق المحكمة، الحق رجع في عينين طفل استرد براءته وقرر إنه يعيش. تمت.
حكايات رومانى مكرم

