
الست… كانت واقفة على باب المخزن، عينيها فيها د.موع لأول مرة، وبتبصلي برجاء، كأنها بتديني فرصة… فرصة تهرب، أو فرصة تنهي كل ده، في اللحظة دي، مسكت أقرب حاجة ليا، عصاية خشب، ووقفت قدامه، قلبي بيرتعش، بس إيدي ثابتة، قلت له: “أنا مش هكون واحدة من دول.” سكت، وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة وقال: “متقدريش تمشي.” رديت عليه بهدوء: “شوفني.” وضــ . ـربته بكل قوتي، وقع على الأرض، مش فاكرة عملت إيه بعدها بالظبط، بس فاكرة إني جريت، جريت برا البيت، وفضلت أجري لحد ما وصلت للطريق، والهواء دخل صدري كأنه أول مرة، بعدها… البوليس، التحقيقات، البيت اتفتش، وكل حاجة ظهرت…
الست اللي في الجنينة… كانت أول ضحيــ .ــة نجت… والباقي… كان متخبي في صمت سنين، وأنا؟ أنا ما كنتش ضعيفة… أنا كنت متأخرة بس… بس فوقت في الوقت الصح، قبل ما أبقى ذكرى في جردل أحمر.
مشيت من البيت وأنا حاسة إني بسيب ورايا حياة كاملة… مش بس جواز… ده كان عالم كامل مبني على كذبة، على خوف، وعلى سذاجتي أنا… أول ما وصلت الشارع، وقفت تاكسي وأنا مش شايفة قدامي، صوتي كان بيتهز وأنا بقول العنوان، والسواق كان بيبصلي في المراية كأنه مستغرب شكلي، شعري مبهدل، هدومي متلخبطة، وعيني مليانة د.موع بس مش بتنزل… كأن جسمي دخل في حالة صد.مة، وصلت عند أقرب قسم شرطة وأنا رجلي مش شايلاني، دخلت وبدأت أتكلم، في الأول ماحدش صدقني، طبيعي… الكلام اللي بقوله أقرب للجنان، راجل مخبي مراته في الجنينة، ومحتفظ بحاجات لستات تانية في مخزن…
بس لما بدأوا يسألوني تفاصيل، ولما شافوا حالتي، حد منهم أخد الموضوع بجد، وقرروا يروحوا معايا. الرجوع للبيت كان أصعب من الهروب منه… كل خطوة كنت بحس إن قلبي هيقف، بس كان لازم، مش علشاني بس… علشانها هي كمان، الست اللي كانت عايشة نص حياة، أو يمكن أقل… وصلنا، والبيت كان ساكت بشكل غريب، كأن مفيش روح فيه، كأن اللي حصل من شوية كان حلم، بس أول ما دخلنا الجنينة، كل حاجة رجعت تاني… الجردل الأحمر لسه واقع، المشط على الأرض، والباب بتاع المخزن مفتوح.
رجال الشرطة انتشروا في المكان، وأنا واقفة وراهم، إيدي متلجة، وعيني بتدور عليها… لحد ما شفتها، كانت قاعدة في نفس المكان، بس المرة دي… كانت باصة ناحيتي بس، كأنها مستنياني أرجع… قربت منها ببطء، وركعت قدامها، وقلت بهدوء: “متخافيش… خلاص.” عينيها لمعت، ود.موع نزلت منها لأول مرة بوضوح، كأنها صدقتني. في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة جوا البيت… رامز كان بيحاول يهرب.
كل حاجة حصلت بسرعة بعد كده، صريخ، جري، أوامر، وصوت تكسير… وأنا واقفة مكاني مش قادرة أتحرك، لحد ما طلعوا بيه مكبل، عينه جت في عيني، نفس النظرة… بس المرة دي كان فيها حاجة تانية… هزيمة، مش كاملة، بس كفاية.
عدت أيام التحقيقات ببطء تقيل… كل يوم كنت باكتشف حاجة جديدة، مش بس عن رامز… عن نفسي أنا كمان، عن قد إيه كنت شايفة ومش عايزة أشوف، سامعة ومش عايزة أفهم… عرفنا إن الست دي اسمها “نجلاء”… كانت مراته فعلاً من سنين طويلة، واختفت فجأة، والكل افتكر إنها سابته ومشيت… الحقيقة إنها ما مشيتش… هو اللي حبسها في عالمه، سلبها صوتها، وخلّاها تعيش كأنها ظل. أما باقي الحاجات اللي في المخزن… كانت لستات تانية، علاقات، ارتباطات، ستات دخلوا حياته واختفوا… مش كلهم بنفس الطريقة، بس كلهم سابوا وراهم جزء… جزء هو احتفظ بيه كأنه بيجمع ذكريات… أو يمكن بيجمع سيطرة.
نجلاء اتنقلت مستشفى، وكانت حالتها صعبة، مش جسديًا بس… نفسيًا أكتر، بس كل ما كنت أزورها، كانت تمسك إيدي وتبصلي نظرة فيها امتنان غريب، كأنها بتقولي إني أنقذتها، وأنا في الحقيقة… كنت بنقذ نفسي معاها. رجعت شقتي القديمة بعد ما سبت البيت، المكان كان فاضي، بس لأول مرة حسيت إنه آمن… قعدت على السرير، نفس الوضع اللي كنت فيه يوم ما عرفت الحقيقة، بس الفرق إن المرة دي… ماكنتش ضعيفة، ماكنتش تايهة، كنت موجوعة… آه، بس واعية.
عدت شهور، والقضـ ـية كبرت، والناس بدأت تتكلم، وكل يوم كنت بسمع تفاصيل جديدة بتأكدلي إني كنت على حافة كارثة… وإن اللي حصل… رغم قسوته… كان نجاة. وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة، بشرب قهوتي، الشمس داخلة بهدوء، سمعت تليفوني بيرن… رقم غريب، رديت، وجالي صوت هادي: “أنا نجلاء…” سكتت لحظة، قلبي دق بسرعة، قالت: “أنا بقيت كويسة… وكنت عايزة أشكرك… وأقولك… متبصيش وراكي.” ابتسمت لأول مرة من شهور، وقلت: “ولا عمري هبص.” قفلت المكالمة، وبصيت قدامي… الحياة كانت لسه قدامي، مش مثالية، مش سهلة… بس حقيقية، ونضيفة، ومفيهاش جردل أحمر، ولا أسرار بتتاكل في الضلمة.
وساعتها بس… فهمت. مش كل نهاية بتبقى خسارة… في نهايات بتكون بداية… بس لازم تدفعي تمن الحقيقة الأول.

