
وكل مرة كانت بتقرب… كنت انت اللي ترجعني.” هاشم بص ليا… وفي عينه اعتراف. “أنا… بقالي تلات شهور بحارب… بحارب إنه ما يقربش منك.” أنا: “ليه؟ أنا عملت إيه؟” رد: “إنتي… دعتي دعوة غلط. ودعوة الغلط… بتفتح باب. واللي وراه… مش ملايكة.” — الظل بص ناحيتي… وقال: “تعالي يا زينة. انتي اللي ناديتيني. أنا… بتاعك.” أنا كررت الكلمة من جوه قلبي، من الخوف: “بتاعي؟!” هاشم صرخ: “ده مش حب يا زينة! ده تمسّك… ده حاجة بتتغذّى على الدعوة اللي قولتيها!”
الظل اتحرك. خطوة واحدة… والنور اللي في الممر اتهزّ. هاشم دفعني لورا: “ادخلي الأوضة! اقفلي الباب! دلوقتي!” صوت الظل جه أقرب: “هو فاهم، هو اللي فاهمك غلط. تعالي… وجربي… دايمًا كنتِ وحيدة. أنا جيت… عشـانـك.” الكلمة وقفت في حلقي. “وحيدة”… كأن الكلمة دي مفتاح… كأنها بتخبط في حتة في قلبي ما حدش شافها قبل كده. هاشم هزّني: “ما تسمعيش له! هو بيعرف يدخل من الوجع… ويدّيك اللي ناقصك… قبل ما ياخد كل حاجة.” البيت اتهز فجأة.
باب الأوضة المقفولة اتفتح لوحده. ريحة البخور اللي شميتها قبل كده طلعت بسرعة… بس المرادي… معاها ريحة تانية. ريحة حطب محروق… ورطوبة… وريحة زي الأرض بعد المطر. الظل لف راسه ناحية الأوضة… وكأنها بيته الأصلي. وقال: “هو… كان مكاننا. قبل ما يجي. قبل ما يخدك مني.” هاشم صرخ: “هي مش ليك!” الظل قال: “هي… فتحت. وفتح اللي بيفتح… لازم يدفع.” — أنا كنت عايزة أهرب. وأتكلم. وأعيط. وأجري. وأحضن هاشم. وأصرخ. كل ده في نفس الثانية.
لكن رجلي… اتقلّت. اتقلّت كأن حد ماسك كعب رجلي. الظل مد “إيده” — أو شكل الإيد — كانت عاملة زي دخان ماسك نفسه… ومدت عليّ. هاشم نط قدّامي، فتح السلسلة اللي في جيبه ورفع الخرزة السودة: “ماتقربش! انت عارف إني أقدر أحبسك!” الظل اتراجع نص خطوة… وبعدين… ضحك. ضحك… ضحك! ضحكة خلت ودني تسخن: “الخرزة دي ليها قوة؟ بس على مين… عليّ؟ ولا عليها؟” هاشم اتفاجئ. الظل كمل: “هي اللي فتحت الباب. هي اللي طلبت.
هي… اللي مربوطة.” أنا ابتلعت ريقي بالعافية: “مربوطة؟!” هاشم بص لي… وبصوت مكسور: “آه… هو مربوط بيكي. وإنتي… مربوطة به.” الظل قرب أكتر. اتشكل أحسن. وبدأ صوته يبقى ناعم… مغري… زي الهوى اللي بيغريك تفتحي الشباك ساعة الفجر. “تعالي… هريحك… هديكي اللي ماتاخدش… مع حد.” هاشم خبط إيده في الجدار: “اسكُت!!” لكن الصوت… ما سكتش. جاي… جاي عليّ. رجلي اتحركت خطوة. بدون إذن. بدون وعي. هاشم مسكني من دراعي: “لا! زينة… اسمعيني… إنتي ملكيش ذنب!
هو استغل ضعفك!” بس في اللحظة دي… الظل قال: “أنا… جاي بسبب كلمة. كلمة واحدة. إنتي قولتيها. وقولتيها بصدق.” وداني رجعت تفكّ الجملة: “يا رب… ابعتلي حد يحبني ومايسيبتنيش…” الظل مد إيده أكتر. هاشم كالعادة… وقف بيني وبينه. بس مش كفاية. الظل خبط… مش خبط بإيد… خبط بـ”ريح”. هاشم طار متر لورا… خبط في الحيطة… وقع. صرخت: “هـااشم!!!!” الظل قال: “تعالي… تعالي قبل ما أزعل. أنا… أخدت عريس قبلك.” دماغي اتشقلبت. العروسة الأولى. العروسة اللي اختفت.
اللي هاشم شايلها ونزل بيها. اللي ما لاقتوش لها أثر. هاشم حاول يقوم… بس مش قادر. الظل قال: “إنتي… في دوري. وهاشم… خرج من دوره.” حسّيت إن الهوا حواليّا سخن. ورجلي اتشالت خطوة لقدّام… كأني بمشي في حلم. هاشم صرخ: “زينة!!!!! قاوِمي! ده مش حب! ده… استحواذ!!” الظل قرب… لحد ما بقى وشي في وشّه… وشّ ضلمة كلها… مفيش فيه غير عين سودا… وبقّ نص ابتسامة. وقال: “آن الأوان… تعالي… قبل ما الباب… يقفل.” ولأول مرة…
سمعت صوت خطواته على الأرض. خطوات… حقيقية. أنا… مشيت خطوة… خطوة تانية… كنت هعدّي العتبة… بس فجأة… حاجة خلت جسمي يوقف. جملة… واحدة… طلعِت من هاشم… بصوت مكسور، بس ثابت: “زينة… غلطتك مش هتمحيها… لو سلمتي نفسك. الغلط… هيتصلّح لما نواجهه… مش نركعله.” في اللحظة دي… صوت الظل اتغيّر. بقى غاضب. غاضب أوي. “ارجعي… ده أمرك. ارجعي!” أنا… رجعت خطوة لورا. هاشم قام… وقف بينا… رغم الدم اللي على بقه. والظل… صرخ صرخة… عملت شرخ في هوا الشقة.
وباب الشقة… قفل بعنف… لوحده. والظلمة… اختفت. الظل اختفى. الهوى رجع طبيعي. هاشم وقع على الأرض… وأنا وقعت جنبه. قال وهو بيتنفس بصعوبة: “زينة… هو… لسه ماخدش اللي هو عايزه. الفصل الجاي… لازم نعرف… نقفل الباب إزاي.” وأغمى عليه. وأنا؟ فضلت قاعدة… وباب الشقة… بيرتعش. مش من الهواء. من اللي واقف وراه. الباب كان لسه مفتوح، والهوى اللي داخل منه كان بارد… بارد لدرجة حسّيت كأنه معدّي على قبور. هاشم اتحارب، اتشدّ، اتخبط… لكن كان واقف قدّامي زي جدار، رغم إن كل شوية جسمه بيتهدّ ويتمايل.
الصوت اللي دخل من الباب ماكانش صوت… كان وجود. وجود بيزحف على الأرض… زي ضلّ طويل، زي مية سودا ماشية في العتمة… زي وعد قديم رجع ياخد حقه. قال بصوت مسموع جوا وداني… مش في الهوا: “يا زينة… أنا جيت.” هاشم زعق: “هي مش ليك!!! هي معايا!!!” الظل ضحك. ضحكة عاملة زي ورق شجر ناشف بيتدعك: “انت…؟ انت مجرد حارس. إنما هي… اللي فتحت الباب.” جسمي اتخبط بالكلام. أنا؟ أنا اللي فتحت الباب؟ أنا اللي ناديت عليه من غير ما أعرف؟
كل النور في الشقة واطي… مافيش غير ضوء الحمّام الضعيف… والظل ماشي، بيمد رجليه، وكأنه بيتجسد واحدة واحدة. هاشم لفّ عليّ، ورجلي كنت حاساها مش ملكي. كأن الأرض بتشدّني ناحية الباب. “زينة… اسمعيني.” هاشم قالها بصوت مخنوق. “الباب مايتقفلش… غير باللي اتفتح بيه.” قلت وأنا ببص للظل: “أنا… مش فاكرة!” “فكّري!!!” هاشم هزّ إيدي. “ليلة 17 فبراير… انتي كنتي لوحدِك… وقلتي كلمة… كلمة واحدة.” الكلمة طلعت من قلب الذكرى… زي حجر كان مستخبي في صدري:
“يا رب… هاتلي حد يحبني ومايسيبتنيش… حتى لو من عالم تاني.” أول ما افتكرتها… الظل وقف. ابتسم… نص ابتسامة: “آهو… انتي اللي قولتي. وانا… جيت.” هاشم زعق: “اقولي العكس! اقولي اللي يقفل الباب!” الظل مد إيده… إيده دخان… لكن طرفها لمس كتفي… وجسمي اتقلّ… زي حجر. قال: “تعالي… قبل ما الباب يتقفل وأنا برّا.” هاشم سحب سلسلة فيها خرزة سودا… رفعها في وش الظل. الظل اتراجع… خطوة واحدة… وبعدين ضحك: “دا… ليّ؟ ولا ليها؟” هاشم اتلخبط.
والظل قال: “ده… كان حماية ليها، مش ليك. وانتي… كسرتي الحماية… لما فتّحتي الأوضة.” قلبي اتقلب. هاشم زعق: “زينة! ردّي! ما تسكتيش!” أنا… كنت عايزة أرجع، بس رجلي بتتحرك لقدّام. حرفيًا… حد بيتحكم فيها. والظل قال: “يا زينة… انتي فتحت باب… لازم يتقفل. بس على إيدي.” هاشم صرخ: “اقوليهـا!!!” الظل قرب… بقى وشي في وشه… بقى أنا وهو في نفس النفس. ولقيت صوتي بيطلع… قصير… مرتعش… بس طالع: “أنا… مش… عايزة… حاجة… من عالم تاني.”
الهوى اتقطع. الأرض اتدوّرت. نور الأوضة ولّع فجأة. والظل… صرخ. صرخة خرج منها هوا جاف… زي ريحة غُرفة اتحرقت زمان. اتراجع. اتراجع لحد ما ابتدى يسيح… جزء… جزء… زي شمع سايح. مد إيده عليّا، كأنه بيقع: “زينة… فتحتي… باب… مابيترقّعش…” وبعدين— اختفى. تمامًا. الهوى رجع. الحوائط بطّلت ترتعش. وباب الشقة… قفل لوحده. كان ممكن أتنفّس. كان ممكن أصرخ. كان ممكن أقع. لكن قبل أي شيء… بصيت لورا. هاشم… واقف. مش دخان. مش ظل. مش نص وجود.
واقف… كامل. وقع على ركبته… مش عشان بيختفي… لكن عشان وقع جوّه حضني. “زينة…” قالها زي واحد اتولد تاني. “انتي… قفلتيه.” حضنته بكل قوتي: “وإنت… رجعت. مش هاسمح لحد… ولا لظل… ياخدك مني.” — بعدها بساعات… هاشم صحي. فتح عينه… كأن مشهد النور والظلام كان حلم. بس ماكانش حلم. جسمه كان عليه تراب… ودم بسيط… بس روحه… موجودة. قال: “أنا… صح؟” قلت: “أيوه. وأنا مش هسيبّك. ولا يوم.” ابتسم ابتسامة أول مرة أشوفها… ابتسامة راجل اتنجّى من حاجة كانت هتاكله.
— جبنا شيخ كبير اليوم اللي بعده. فتح كل الأبواب… قرأ قرآن… وطهّر الأوضة اللي في الممر. قال: “ده مكان عهد قديم… والعهد اتفصم. انتو اتنين… طلعتوا من باب كان ممكن يبلع قلوبكم.” سألته: “اتقفل؟ خلاص؟” قال وهو بيبتسم: “لو رجع… مش هيدخل. لإن اللي كان رابط… انقطع.” هاشم مسك إيدي وقال: “الخرزة اتكسرت. والكلمة اتقفلت. الباب… بقى مقفول.” — من يومها… الساعة اتنين… مابقتش مرعبة. ولو صحيت عليها… أبص جنبي. ألاقي هاشم نايم، إيده ماسكة إيديا…
كأنها العهد الجديد بدل العهد القديم. وأعرف… إن مفيش قوة من أي عالم… هتقطع اللي اتربط بينا. مش بعد اللي فات. مش بعد ما قفلنا الباب “صح”. — مشهد إضافي (إيبيولوج) “طرقة… مش من عالم تاني” بعد سنة كاملة… نفس الشقة. نفس الممر. بس نور جديد… وشعور جديد. كان عندي بطن صغيرة… مابتتحركش غير لما هاشم يحط إيده عليها. في ليلة هادية جدًا… الساعة كانت 1:59. كنت نايمة على الكنبة في الصالة. هاشم في المطبخ بيعمل شاي بالنعناع.
فجأة… حد خبط على الباب. مش ثلاث خبطات… خَبطة واحدة. فتّحت عيني. بصّيت للساعة. اتنين… إلا دقيقة. هاشم خرج بسرعة من المطبخ، وشه اتوتر تلقائي، رغم إن السنة اللي فاتت كانت هادية. وقفنا سوا… قدّام الباب. خَبطة تانية. خفيفة. هاشم قال: “خليكي ورايا.” قرب… وحط إيده على الإيد. فتح “العين السحرية”. اتجمّد… وبعدين ابتسم. “مين؟” قلت بخوف نصه ذِكرى قديمة. قال: “جارتنا… الحاجة نوال. جايبة محشي.” ضحكت… ضحكة طلعت من قلبي: “في التوقيت ده؟” هاشم:
“يوم الخميس… بتحب تهلّ علينا.” فتح الباب… والهوى اللي دخل… كان هوا بيت… مش هوا عالم تاني. الحاجة نوال ضحكت: “إنتو نايمين؟ ولا بتتحايلوا على العفاريت؟” بصّينا لبعض… أنا وهاشم. وبعدين ضحكنا. قلت لها: “لا يا حاجة… احنا قفلنا كل الأبواب.” هاشم حط إيده على بطني… وبصلي بعمق وقال: “وإن شاء الله… نفتح بس الباب اللي جاي.” ساعتها الببي اتحرك جوّه بطني… كأنها علامة. والساعة… بقت اتنين. عادي. من غير خوف. من غير ظل. **
تمت –.

