
بـاعـت كـل شـيء علشـان ولادهـا يتخـرجوا… وبعـد 20سنة رجـعوا ببـدلة طيـار وأخـدوها لمـكان عمـرها مـا كـانت تتخـيله… كانت الحاجة زينب عندها ٥٦ سنة وأرملة. أولادها الوحيدين كانوا أحمد ومصطفى. كانوا عايشين في حي بسيط على أطراف مدينة المنصورة…بيت صغير بجدران من غير محارة كاملة، وسقف صاج اتبنى حتة حتة بعرق سنين طويلة جنب جوزها اللي كان شغال مقاول أنفار في مواقع البناء. وفي يوم… كل حاجة اتغيرت. جوزها توفى في حادث شغل لما سقالة وقعت في موقع البناء….لا تعويض محترم.
لا محاسبة….بس صمت… وديون. حكايات توته وستوته من ساعتها، زينب بقت الأم والأب….ماكانش عندهم شغل ثابت…مافيش مدخرات…بس البيت الصغير وقطعة أرض ورثها جوزها على أطراف القرية…كل شروق شمس كان بيفكرها إنها لوحدها. لكن كان بيفكرها كمان بمهمتها: تأمن مستقبل ولادها. ولو في حاجة واحدة ما سمحتش إنها تمو.ت… فهي حلم أحمد ومصطفى….الأم اللي باعت كل حاجة كل يوم الساعة أربعة الفجر، كانت الحاجة زينب تصحى تعجن العيش البلدي، وتجهز فول وطعمية، وتعمل كنافة وقطايف في المواسم، وتبيعهم قدام السوق.
بخار الحلة كان بيغطي وشها….حرارة الزيت كانت بتحرق إيديها…لكن عمرها ما اشتكت. “فول سخن يا ولاد… طعمية طازة!” كانت بتنادي بصوت دافئ بين البياعين….أوقات كانت بترجع البيت رجليها مورمة….أوقات من غير ما تكون أكلت…لكن دايمًا كانت بتسيب لولادها حاجة ياكلوها قبل المدرسة. في ليالي كتير، لما الكهربا كانت بتتقطع عشان الفاتورة، كان أحمد ومصطفى يذاكروا على ضوء الشموع. وفي ليلة من الليالي دي، أحمد قال فجأة: يا أمي… أنا نفسي أبقى طيار. توقفت زينب عن تقليب العجين لحظة.
طيار….كلمة كبيرة….مصاريفها تقيلة. وحلم بعيد…قالت بهدوء: طيار يا أحمد؟ قال بعينين بتلمع: آه. عايز أطير طيارات كبيرة… زي اللي بتمشي من مطار القاهرة. ابتسمت رغم الخوف اللي جواها: هتطير يا ابني… وأنا هساعدك. لكنها كانت عارفة إن دراسة الطيران محتاجة فلوس كتير جدًا….القرار الأصعب لما خلصوا الثانوية واتقبلوا في أكاديمية طيران خاصة في القاهرة، زينب خدت أصعب قرار في حياتها. باعت البيت….باعت الأرض….باعت دهبها… حتى خاتم جوازها….مصطفى سألها وهو مصدوم: طب هنعيش فين يا أمي؟
أخدت نفس عميق وقالت: “نعيش في أي حتة… المهم تتعلموا.” انتقلوا لأوضة إيجار صغيرة في شبرا. حمام مشترك. وسقف بيشرّب مية في الشتاء. زينب كانت بتغسل هدوم للناس. تنضف بيوت في مناطق راقية. تبيع أكل الصبح. وتخيط زي مدرسي بالليل. إيديها اتشققت. ظهرها وجعها كل ليلة. لكنها عمرها ما سمحت لولادها يسيبوا الدراسة. سنوات البُعد أحمد خلص دراسته الأول. مصطفى بعده بسنة. لكن علشان يبقوا طيارين تجاريين كانوا محتاجين ساعات طيران وخبرة. وجت الفرصة… بس بره مصر.
اتعينوا في شركة طيران إقليمية في الخليج علشان يجمعوا ساعات طيران. في مطار القاهرة، قبل السفر، حضنوا أمهم. أحمد قال: “راجعين يا أمي.” مصطفى قال: “وأول رحلة نطيرها… إنتِ أول راكبة.” حضنتهم زينب بقوة وقالت: “متقلقوش عليّ… أهم حاجة تبقوا بخير.” وبدأ الانتظار….عشرين سنة عشرين سنة مكالمات متقطعة. رسائل صوتية. فيديو كول اتعلمت تعمله بمساعدة جارها. عشرين عيد ميلاد لوحدها. كل ما تسمع صوت طيارة في السما، تخرج تبص لفوق وتهمس: “يمكن دي طيارة أحمد…”
شعرها بقى أبيض. حكايات اس خطواتها بقت أبطأ… لحد ما خدت الصدمه.. صلي على محمد وتابع 👇
كانت الحاجة زينب قاعدة قدام باب الأوضة الصغيرة في شبرا في مساء شتوي بارد بتلف شالها الصوف حوالين كتافها وبتبص للشارع اللي اتعودت تشوفه كل يوم نفس البياعين نفس الضحك ونفس الخناقات الصغيرة على أماكن الفرش بس قلبها كان مشغول بحاجة تانية من أسبوعين ماوصلهاش اتصال من أحمد ولا مصطفى وده ماكنش طبيعي كانوا مهما انشغلوا لازم يطمنوها حتى برسالة قصيرة تقول أنا كويس يا أمي لكن المرة دي الصمت طال أكتر من اللازم لحد ما في ليلة سمعت خبط خفيف على الباب قامت على مهَل وفتحت لقت ساعي بريد واقف بيديلها ظرف كبير عليه شعار شركة طيران عالمية إيديها رعشت
وهي بتستلمه قفلت الباب وقعدت على السرير وفتحت الظرف بالراحة جواه خطاب رسمي باللغة العربية والانجليزية وصورة تذكرتين طيران باسم الحاجة زينب أحمد عبدالحميد ومكتوب رحلة خاصة تكريم الأم المثالية في يوم كذا من مطار القاهرة الدولي لم تصدق عينيها قعدت تقرأ الخطاب مرة واتنين لحد ما فهمت إن أولادها بعتولها دعوة تحضر حفل تكريم كبير في مطار القاهرة وإن في سيارة هتيجي تاخدها من البيت يومها دموعها نزلت من غير صوت رفعت إيديها للسما وقالت يا رب يكونوا بخير يا رب يكون ده خير يا رب ما تفرحنيش فيهم وتاخدهم مني زي أبوهم عدى الأسبوع تقيل عليها وكل يوم كانت
تبص للخطاب وتتأكد إنه حقيقي وتلمس التذكرتين بإيدها المتشققة كأنها بتتأكد إن الحلم مش هيتبخر وفي اليوم الموعود صحيت قبل الفجر كالعادة رغم إنها مش رايحة السوق ولا عندها غسيل ولا تنظيف قامت توضت وصلت الفجر وقعدت تدعي لأولادها لبست أحسن جلابية عندها اللي كانت محتفظة بيها للمناسبات ولبست طرحة بيضا بسيطة وفضلت مستنية الساعة بتمشي ببطء لحد ما سمعت صوت عربية فخمة بتقف تحت العمارة الجيران فتحوا الشبابيك يبصوا والعيال جريت تتفرج نزل سواق لابس بدلة رسمية وطلع يسأل عن الحاجة زينب لما وقف قدام بابها وقال حضرتك جاهزة يا حاجة قالتله بصوت متهدج جاهزة يا ابني نزلت معاه والسلم
كان طويل عليها لكن قلبها كان خفيف ركبت العربية وبصت من الشباك على شوارع شبرا اللي احتضنت تعبها سنين طويلة وفي الطريق كانت كل صورة بتمر قدامها كأنها شريط حياتها السوق اللي كانت تبيع فيه الفول البيت اللي نظفته سنين المدرسة اللي كانت توصل ولادها ليها وهي شايلة شنطة كتبهم العربية وصلت لمطار القاهرة نزلت وسط حركة الناس والحقائب وصوت النداءات في السماعة قلبها كان بيدق بسرعة كأنها أول مرة تخرج من القاهرة استقبلها موظف من الشركة بابتسامة واسعة وقال اتفضلي يا حاجة الحفل مستني حضرتك مشيت وراه لحد ما دخلت صالة كبيرة متزينة بصور طيارات وشعار الشركة وناس
