
ابن رجل الأعمال كان فاضله خمس أيام في الدنيا… لكن بنت غلبانة رشّت عليه ميّه مقروء عليها، واللي حصل بعدها محدش كان متوقعه… الدكتور كان بيتكلم على مهله، كأن تطويل الكلام هيخفف الوجع. بس مفيش كلام بيخفف خبر زي ده. — «أستاذ شريف…» قال دكتور حسام، رئيس قسم الأطفال في مستشفى النيل الدولي. — «إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه». شريف حسّ حلقه نشف. — «يعني إيه كل اللي تقدروا عليه؟» الدكتور خد نفس تقيل.
— «يعني… حسب تطور الحالة، ابنك قدامه خمس أيام… ممكن أسبوع بالعافية». الدنيا وقفت. في أوضة VIP، أغلى أوضة في المستشفى، والازاز باصص على النيل، كان ابنه مرمي وسط الأجهزة والسلوك، صغير قوي… كأنه تايه وسط الملايات البيضا. ياسين. ابنه الوحيد. الطفل اللي كان بيجري حافي في البيت، ويقوله: «لفّني كمان يا بابا» دلوقتي نفسه ضعيف، ووشه شاحب زي الورق. — «لا… لا أكيد في حل تاني» شريف قالها وهو ماسك سور السرير. — «الفلوس مش مشكلة يا دكتور. أجيب أطباء من بره… من أمريكا، من أوروبا…»
— «كلمنا الكل بالفعل» رد الدكتور بهدوء موجوع. — «ده مرض نادر وعدواني. أقصى حاجة نعملها نخليه مرتاح ومش متألم». خمس أيام. الكلمة نزلت على قلبه زي حجر سخن. لما الدكتور مشي، شريف قعد جنب السرير، مسك إيد ياسين الصغيرة الساقعة. الطفل ما فتحش عينه، بس صوابعه اتحركت كأنه بيدوّر على حد. الدموع اللي كان حابسها نزلت. «هقول لسلمى إزاي؟» مراته كانت في إسكندرية، مؤتمر شغل، حاول يقولها إن الحالة «مقلقة»… بس الحقيقة؟ كانوا بيعدّوا الأيام.
الباب اتفتح بهدوووء. شريف مسح وشه بسرعة، متوقع ممرضة. لكن اللي دخلت… ما كانتش ممرضة. كانت طفلة. عندها ست أو سبع سنين. لابسة تيشيرت وردي قديم، شورت باهت، وكوتشيين مش شبه بعض. شعرها مسرّح على السريع، وفي إيدها إزازة بلاستيك صغيرة، شكلها متجاب من مولد. — «إنتِ بتعملي إيه هنا؟» قال شريف باستغراب. — «دي أوضة خاصة». الطفلة ما بصتش له. راحت على السرير، طلعت على الكرسي، وبصّت لياسين بجدية تخوّف. — «وحش قوي النهارده…»
قالتها كأنها عارفاه من زمان. شريف قام مفزوع. — «انزلي! مين قالك تدخلي هنا؟ فين أهلك؟» — «هساعده» قالتها ببساطة. فتحت الإزازة. — «استني!» لكن قبل ما يلحق، كانت رشّت شوية ميّه على جبين ياسين، وبعدين على صدره، ورسمت بإيدها علامة كده، مرتبكة بس واثقة. — «إنتِ بتعملي إيه؟!» شريف مسك دراعها، وخطف الإزازة. الملاية اتبلّت. ياسين كحّ كحة خفيفة… لكنه فضل نايم. في اللحظة دي، ممرضة دخلت بسرعة. — «أستاذ شريف؟ في حاجة؟» — «البنت دي دخلت ترمي ميّه على ابني!»
الممرضة تنهدت. — «يا ندى… تاني؟» ومن وراها ظهرت ست لابسة لبس نظافة، وشها اتقلب ألوان. — «ندى!» — «قولتلك ما تطلعيش!» — «بس يا ماما الوقت بيخلص…» الطفلة قالت وهي باصة لياسين. — «هو محتاج الميّه». الست كسرت عينها من الكسوف. — «حقك عليّ يا أستاذ… أنا بشتغل هنا، ومكانش عندي حد يفضل معاها… مش هتحصل تاني». شريف كان باصص للإزازة في إيده. — «إزاي بنتك عارفة اسم ابني؟» الست بلعت ريقها. — «يمكن… يمكن سمعته في الممر…»
— «لا» الطفلة قاطعتها. — «ياسين صاحبي. كنا بنلعب مع بعض». شريف حس الأرض بتميل. — «ابني عمره ما راح حضانة» قالها بعصبية. — «كان دايمًا مع ناني في البيت». — «راح» ندى ردّت بثبات. — «في حضانة طنط سعاد، في شبرا. كان بيروح يومين في الأسبوع. وكان دايمًا جايب لانش بوكس سبايدرمان…» شريف حس قلبه وقع. لانش بوكس سبايدرمان. الأحمر… اللي كان ياسين رافض يغيّره. التفاصيل كانت دقيقة… أكتر من إنها تكون حكاية طفلة.
وبينما هو واقف مش فاهم حاجة، جهاز القلب طلع صوت مختلف. تييييت… تييييت… الممرضة قربت بسرعة. — «استنى… النبض بيعلى!» وشريف؟ كان باصص على ابنه… وبيقول في سره: «إنتِ مين يا بنت؟» وإيه الميّه دي؟ جهاز القلب كان صوته أعلى شوية، منتظم أكتر من الأول. مش معجزة… بس مش طبيعي. الممرضة قربت من الشاشة، عينيها وسعت. — «ده غريب… الضغط اتحسّن سنة صغيرة». شريف حس قلبه بيدق في ودانه. — «يعني إيه اتحسّن؟» — «يعني…»
الممرضة بلعت ريقها — «يعني الحالة ثابتة أكتر من امبارح». ثابتة. الكلمة اللي ما كانش متوقع يسمعها تاني. شريف لف ناحية ندى. الطفلة كانت واقفة هادية، ملامحها مافيهاش خوف ولا انتصار… كأن اللي حصل ده عادي. — «إنتِ رشّيتي ميّه منين؟» قالها وهو لسه ماسك الإزازة. ندى مدّت إيدها. — «دي ميّة من البيت». — «بيتكم فين؟» — «في حارة ورا المستشفى». الأم كانت واقفة جنب الباب، بتشد في طرف الجلابية بتاعتها. — «والله يا أستاذ… دي بتعمل كده من زمان. تحب تقرأ قرآن على ميّه وتديها للعيان. لعب عيال بقى…»
— «مش لعب» ندى قالتها بهدوء، وبصّت للأم. — «انتي اللي قولتيلي أقرأ الفاتحة سبع مرات». الست اتلخبطت. — «قصدي… يعني… قرآن وخلاص». شريف قرب من السرير تاني. حط الإزازة على الترابيزة، وبص لياسين. وشّه… لسه شاحب، بس تجعيدة الألم اللي كانت بين حاجبيه؟ خفّت. — «هو سامعني؟» سأل شريف بصوت مكسـ,ـور. ندى قربت من السرير، من غير ما حد يمنعها المرة دي. حطت صباعها الصغير في إيد ياسين. — «هو تعبان… بس مش ناوي يمشي دلوقتي».
شريف لف لها بسرعة. — «إنتِ متأكدة من إيه؟!» ندى رفعت عينيها وبصّت له مباشرة. — «في حد كان واقف جنبه… ويمشي». الهواء اتقل. — «حد مين؟» صوته كان واطي. ندى أشارت ناحية الشباك، ناحية النيل. — «اللي بيستنى». الأم شهقت. — «ندى! ما تقوليش كده!» — «ليه؟» ندى ردّت ببراءة. — «ما هو كان مستني، بس دلوقتي… لأ». شريف حس قشعريرة تمشي في ضهره. في اللحظة دي، ياسين حرّك راسه. حركة بسيطة… بس واضحة.
— «ياسين؟!» شريف مال عليه. — «بابا هنا… سامعني؟» الجهاز كمّل بنبض منتظم. الممرضة خرجت تجري. — «هبلّغ الدكتور حالًا». شريف قعد، رجليه مش شايلاه. بص لندى تاني. — «إنتِ عملتي إيه بالظبط؟» ندى فكّرت شوية، كأنها بتدور على كلمات مناسبة. — «قريت… ودعيت… وقلت له ما يخافش». — «قلتي له إيه؟» — «قلت له باباك محتاجك». شريف غمّض عينه لحظة. باباك محتاجك. الدكتور حسام دخل بعد دقايق، ومعاه دكتور تاني. فحص، شاف الشاشات، قاس النبض.
وشه كان متحفظ… بس عينه قالت اللي لسانه متردد يقوله. — «في تحسّن غير مبرر طبيًا» قالها ببطء. — «مش كبير… بس موجود». شريف قال بسرعة: — «بنت رشّت عليه ميّه مقروء عليها». الدكتور بص له. — «إحنا أطباء يا أستاذ شريف… بنمشي بالتحاليل». — «وأنا أب» شريف رد. — «ومستعد أمشي بأي حاجة». الدكتور سكت شوية. — «خلّينا نراقب ٢٤ ساعة». شريف لف ناحية ندى. — «اسمك إيه؟» — «ندى». — «ندى… ممكن تفضلي؟»
الأم اتوترت. — «يعني إيه؟» — «يعني أقعدكم هنا» قال شريف وهو بيطلع الكارت بتاعه. — «أوضة، أكل، كل حاجة». ندى بصّت له، وبعدين لياسين. — «هفضل… بس الميّه لازم تتجدد». — «تتجدد؟» — «آه» ابتسمت ابتسامة صغيرة غامضة. — «مش كل يوم بيعدّي زي اللي قبله». وشريف؟ كان حاسس إن الخمس أيام… لسه ما خلصوش، بس في حاجة اتغيرت. واللي جاي كان أكبر من شفاء… وأخطر من مرض. الليل نزل تقيل على المستشفى. النيل برّه كان ساكن زيادة عن اللزوم، كأنه سامع اللي جوّه.
شريف ما سابش السرير. نام على الكرسي، إيده ماسكة إيد ياسين، كأنه لو سيبها هيتاخد منه. ندى كانت قاعدة على الأرض، ضهرها في الحيطة، ماسكة الإزازة، وبتتمتم بهمس خافت. مش قرآن واضح… ولا دعاء معروف. حاجة في النص… كلمات بسيطة، بس نبرتها تقيلة. الأم كانت واقفة بعيد، مش قادرة تقعد. — «ندى… كفاية دلوقتي». ندى رفعت عينها. — «لسه». شريف بص لها. — «لسه إيه؟» — «لسه في حاجة بتحاول ترجع». القشعريرة رجعت. — «ترجع منين؟»
قالها وهو حاسس إنه مش متأكد عايز يسمع الإجابة. ندى أشارت ناحية صدر ياسين. — «من جوّه». في اللحظة دي، جهاز القلب عمل صوت حاد. تييييييييت— الممرضة دخلت جري. — «النبض بيهبط!» الدكتور حسام دخل وراها. — «استعدوا!» الهوضة اتملت حركة، أجهزة، أوامر سريعة. شريف اتزقّ بعيد عن السرير. — «ياسين!» ندى قامت فجأة. مش عياط، مش خوف، وشها كان مركز… أكبر من سنها. قربت من السرير. — «سيبوني». — «لا! مين دي؟!» الدكتور صرخ.
شريف صرخ أكتر: — «سيبوها!» الدكتور بص له بحدة. — «إنت بتعمل إيه؟ ده هبل!»
