
انفصلت أنا وأختي في دار أيتام — وبعد 32 سنة، شفت سوار أنا اللي عملته على إيد طفلة لبساه
أنا اسمي ندى… وأختي الصغيرة كان اسمها سارة.
اتربينا إحنا الاتنين في دار أيتام في المنصورة.
ماكناش نعرف أي حاجة عن أهلنا الحقيقيين… دخلنا الدار وإحنا صغيرين جدًا، لدرجة إني حتى مش فاكرة ملامحهم.
كان عندي أنا وسارة بس… كنا لبعض كل حاجة.
ننام جنب بعض، ناكل سوا، ونخاف ونطمن بعض.
لحد اليوم اللي كل حاجة فيه اتغيّرت.
وأنا عندي 8 سنين، جت عيلة تتبناني.
ماكانوش عايزين ياخدوا بنتين مع بعض…ووقتها، محدش كان مستعد يتبنى أختين سوا…
فخدوني أنا… وسابوا سارة…فاكرة اللحظة دي كأنها امبارح…
حضنتها بكل قوتي… وهي بتعيط ومش راضية تسيبني، بتترجاني ما أمشيش…وعدتها… وعد صعب…
قلت لها: “هلاقيكي… مهما حصل.”
أنا ماكنتش عايزة أمشي… بس القرار ماكانش بإيدي.
كبرت… وكل ما كبرت، زاد إحساسي بالذنب.
فضلت طول عمري بدور عليها.
رجعت للدار بعد سنين، قالولي إنها اتبنت… وغيروا اسمها واسم عيلتها…ومن ساعتها… اختفت.
دورت في كل مكان…
في سجلات، على الإنترنت، حتى سألت ناس اشتغلت في الدار زمان…ولا حاجة…عدّى 32 سنة…
بنيت حياة…
اشتغلت، اتجوزت، وبقى عندي أولاد…
بس سارة؟
ولا يوم غابت عن بالي.
الأسبوع اللي فات، كنت مسافرة شغل في الإسكندرية.
بعد يوم طويل، دخلت سوبر ماركت أجيب شوية حاجات.
وأنا بتمشى بين الرفوف… شفت طفلة عندها حوالي 10 سنين، بتحاول توصل لعلبة بسكويت.
بس اللي شدني مش هي…كان السوار اللي في إيدها.
وقفت مكاني… قلبي وقف.
السوار… أنا اللي عملته…في دار الأيتام، قبل ما نفترق، كنت جبت خيوط ملوّنة… وقعدت أضفّر سوار صغير واديته لسارة.
نفس الألوان…
نفس العقدة اللي كنت بعملها بإيدي. ماقدرتش أتمالك نفسي.
قربت منها بهدوء وسألتها:
“يا حبيبتي… السوار ده جميل أوي… إنتي اللي عملتيه؟”
ابتسمت وقالت….
رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلي والدي وان اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي اني تبت إليك واني من المسلمين
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
ابتسمت وقالت وهي بترفع إيدها قدام عيني كأنها بتستعرض كنز صغير:
“ماما قالتلي ما أقلعوش خالص… ده حاجة قديمة وغالية أوي.”
في اللحظة دي… حسيت إن الدنيا كلها سكتت.
صوت التلاجات في السوبر ماركت اختفى… الناس اللي حواليا بقوا زي صور ساكنة… حتى نفسي أنا مش سامعاه.
“ماما قالتلي…”
الكلمة دي خبطت جوايا جامد.
بلعت ريقي بالعافية وسألتها وأنا بحاول أخبي الرعشة في صوتي:
“طب ماما جابته منين؟”
الطفلة هزت كتفها ببساطة وقالت:
“مش عارفة… بس قالتلي إنه كان بتاعها وهي صغيرة… وإنه أهم حاجة عندها.”
قلبي بدأ يدق بسرعة غريبة… نفس السوار… نفس القصة… نفس الإحساس اللي عمري ما نسيته.
قعدت على ركبتي قدامها، وبصيت في عينيها كويس… عيونها كانت بنية فاتحة… نفس لون عيون سارة.
قلت بهدوء:
“اسمك إيه يا حبيبتي؟”
قالت بابتسامة:
“ليان.”
ليان… الاسم مش سارة… بس ده طبيعي…
قالولي زمان إنهم غيروا اسمها.
إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها ألمس السوار… نفس العقدة الصغيرة اللي كنت بعملها بإيدي وأنا قاعدة على سريرنا الحديد في دار الأيتام… وسارة جنبي بتضحك وتقولي: “اعمليه ضيق علشان ما يقعش.”
غمضت عيني لحظة… وفتحتها تاني بسرعة كأني خايفة الحلم يختفي.
سألتها:
“مامتك فين؟”
قالت وهي بتشاور:
“هناك عند الكاشير.”
بصيت… وشفت ست واقفة تدفع الحساب… ظهرها ليا… شعرها بني غامق مربوط… في حاجة في وقفتها… في كتفها… في تفاصيل صغيرة قوي… حسيت إنها مألوفة.
قلبي كان هيطلع من صدري.
قمت ببطء… وكل خطوة كنت بحسها تقيلة…
كأني رايحة ناحية حاجة ممكن تغيّر حياتي كلها… أو تكسّرها.
وقفت وراها… مش قادرة أتكلم… إزاي أقولها؟ إزاي أسألها؟
“إنتي سارة؟”
بعد 32 سنة؟
قبل ما أقرر… هي لفت وشها فجأة.
وعيوننا اتقابلت.
اللحظة دي…
أنا مش عارفة أعديها بكلام.
وشها…
ملامحها…
نفس الابتسامة الخفيفة اللي كانت بتظهر وهي زعلانة… نفس الخط الصغير عند عينها اليمين… حتى الطريقة اللي بترفع بيها حاجبها وهي مستغربة…
سارة.
بس أكبر… أنضج… متغيرة… لكن هي.
هي كمان بصتلي بتركيز… كأنها بتحاول تفتكر… حاجة بعيدة… حاجة ضايعة جواها.
قالتلي:
“آسفة…
نعرف بعض؟”
الصوت…
هو هو.
أنا مقدرتش أتحمل… دموعي نزلت فجأة… بدون استئذان.
قلت بصوت مكسور:
“سارة…؟”
سكتت…
ثانية…
اتنين…
وبعدين ضحكت ضحكة مرتبكة وقالت:
“لا… أنا اسمي نجلاء.”
نجلاء…
طبيعي… غيروا اسمها.
قربت منها أكتر… وقلت وأنا بحاول أتماسك:
“أنا… أنا ندى… أختك.”
الكلمة دي خرجت مني تقيلة… كأنها شايلة 32 سنة وجع… وذنب… وحنين.
وشها اتغير…
الابتسامة اختفت…
عينها وسعت…
بس في نفس الوقت… كان في مقاومة… في شك… في خوف.
قالت بسرعة:
“لا… إنتي غلطانة…
أنا مليش أخوات.”
هزيت راسي وأنا بعيط:
“كان اسمك سارة… كنا في دار أيتام في المنصورة… كنتي بتنامي على السرير اللي جنبي… كنتي بتخافي من الضلمة… وكنت بفضل صاحي لحد ما تنامي… السوار ده أنا اللي عملتهولك… قبل ما أمشي… فاكرة؟”
إيدي كانت بتشاور على سوار بنتها.
نجلاء… أو سارة… بصت للسوار… وبعدين بصتلي تاني.
الطفلة… ليان… كانت واقفة جنبنا، مش فاهمة حاجة، بس حاسة إن في حاجة كبيرة بتحصل.
قالت:
“ماما؟ في إيه؟”
سارة نزلت على ركبتها قدامها… حضنتها بسرعة… كأنها بتتمسك بحاجة ثابتة.
بعدين قامت وبصتلي تاني… دموعها بدأت تلمع.
قالت بصوت واطي:
“أنا… أنا مش فاكرة… بس… في أحلام… بتيجيلي… دايمًا… بنت صغيرة… اسمها…”
سكتت… حطت إيدها على دماغها كأنها بتدور جواها.
“…ندى.”
قلبي وقف.
قربت منها خطوة تانية… ومديت إيدي… بس توقفت قبل ما ألمسها.
قلت:
“أنا عمري ما بطلت أدور عليكي… ولا يوم.”
دموعها نزلت.
فجأة… بدون أي مقدمات… حضنتني.
حضن قوي… متشبث… كأننا بنعوض 32 سنة في ثانية واحدة.
أنا كمان حضنتها… وعيطت بصوت عالي… مش قادرة أسيطر… مش عايزة أسيطر.
الناس حوالينا وقفوا يتفرجوا… بس في اللحظة دي… مكنش فارقلي أي حد.
هي كانت بتعيط وتقول:
“أنا كنت فاكرة إنك نسيتيني…”
قلت وأنا بدفن وشي في كتفها:
“أنا وعدتك… فاكرة؟”
ضحكت وسط دموعها:
“فاكرة…”
ليان كانت بتشد في هدومها:
“ماما… مين دي؟”
سارة بصتلي… وبعدين بصتلها… وابتسمت ابتسامة مليانة دموع.
قالت:
“دي… خالتك.”
الكلمة دي… خالتك…
دخلت قلبي زي نور.
قعدنا في كافيه قريب… أنا وهي… وليان.
حكيتلي كل حاجة.
قالت إن العيلة اللي تبنتها نقلت من المنصورة بسرعة… وغيروا اسمها علشان تبدأ حياة جديدة… حاولت تسأل عن ماضيها كتير وهي صغيرة… بس كانوا دايمًا بيهربوا من الإجابة.
السوار… فضل معاها… الحاجة الوحيدة اللي تربطها بحاجة قبل حياتها الجديدة… كانت حاسة دايمًا إنه مهم… بس مش عارفة ليه.
وأنا… حكيتلها عن سنين البحث… عن كل مرة كنت بقرب وأفشل… عن الذنب اللي كان بيكبر جوايا كل يوم.
قالتلي وهي بتمسك إيدي:
“إنتي ما سيبتنيش… الظروف هي اللي فرقتنا.”
بس الحقيقة…
أنا عمري ما سامحت نفسي.
قعدنا ساعات… بنضحك… ونعيط… ونحكي… ونسأل عن كل تفصيلة فاتتنا.
لما جيت أمشي… كانت إيدي في إيدها… مش عايزين نسيب بعض تاني.
قالتلي:
“إحنا مش هنضيع تاني… صح؟”
بصيتلها… وابتسمت.
“مستحيل.”
وأنا ماشية… حسيت إن جزء مني كان ضايع طول عمري… ورجع.
بس وأنا بركب العربية… ليان جريت ورايا.
قالت:
“خالتو!”
لفيت… وركعت قدامها.
قالت بابتسامة بريئة:
“هتعمليلي سوار زي ده؟”
ضحكت… ودموعي نزلت تاني.
قلت:
“هعملك أحلى منه كمان.”
رجعت البيت وأنا حاسة إني اتولدت من جديد.
وعد صغير… اتقال بين طفلتين في دار أيتام…
استنى 32 سنة…
علشان يتحقق.
حكـايات أسمـا السيـد

