
وقف كريم أمام ريم وكأنه يراها للمرة الأولى لم تعد تلك الزوجة الهادئة التي كان يظن أنه يستطيع كسرها بكلمة باردة أو قرار أناني أصبحت امرأة تعرف قيمتها وتعرف لماذا عادت قال بصوت منخفض أنا غلطت رفعت ريم عينيها نحوه وقالت الغلط مش كلمة بتتقال يا كريم الغلط مسؤولية بتتشال سكت لحظة ثم سألها ماذا تريدين بالضبط هل تريدين نفقة اعتراف رسمي ماذا قالت أريد أن تكبر ابنتاي وهما تعرفان من أنت وأن تعرف أنت من هما لا أكثر ولا أقل
جلس كريم واضعا رأسه بين كفيه شعر بثقل السنوات السبع دفعة واحدة لم يكن يتخيل أنه سيواجه نتيجة قراره بهذا الشكل كان يظن أن الماضي يختفي إذا أغلق بابه بإحكام لكنه الآن يقف أمامه حي يتنفس بعينين صغيرتين تراقبانه من خلف الباب سألت تاليا من بعيد ماما هل سنرجع للبحر الليلة ابتسمت ريم وقالت سنرى يا حبيبتي
اقترب كريم ببطء من الطفلتين وجلس أمامهما من جديد سأل ليان ماذا تحبين أن تصبحي عندما تكبرين قالت أريد أن أكون طبيبة تعالج الأطفال لأن ماما كانت تخاف عندما نمرض أما تاليا فقالت أريد أن أكون رسامة وأرسم البحر الذي نعيش بجانبه شعر كريم بوخزة في قلبه كان هناك عالم كامل نشأ بعيدا عنه تفاصيل صغيرة لم يشهدها خطوات أولى لم يصفق لها دموع لم يمسحها
نظر إلى ريم وقال هل تسمحين لي أن أكون جزءا من حياتهما لم تجب فورا كانت تعرف أن الكلمة سهلة لكن الطريق طويل قالت الوجود مش زيارة كل سنة الوجود التزام وانت زمان قلت إنك مش مستعد لالتزام كريم أطرق رأسه وقال كنت جبانا لم أكن أرى أبعد من نفسي ظننت أن الحرية تعني أن أهرب من أي شيء يخيفني لكني الآن أرى أنني هربت من أجمل شيء كان يمكن أن يحدث لي
لم يكن الاعتراف سهلا لكنه خرج صادقا جلست ريم في صمت تتأمل ملامحه كانت ترى الندم واضحا لكنها تعلم أن الندم وحده لا يكفي قالت إذا أردت أن تكون أباهما فستكون لأنك اخترت ذلك كل يوم لا لأنني فرضته عليك أنا لم آت لأجبرك جئت لأضع الحقيقة أمامك والباقي قرارك
مر اليوم ببطء جلسوا جميعا حول طاولة واحدة لأول مرة كان الحديث بسيطا عن المدرسة وعن البحر وعن القاهرة الكبيرة التي لم ترها الطفلتان من قبل كان كريم يحاول أن يملأ الفراغ بكلمات لكن داخله كان يعترف بأن السنوات التي ضاعت لن تعود عندما حان وقت المغادرة وقف أمام الباب مترددا وقال هل يمكنني أن أراهما غدا نظرت ريم إلى ابنتيها ثم إليه وقالت إذا وعدت أن لا تختفي مرة أخرى هز رأسه بقوة وقال لن أهرب ثانية هذه المرة سأبقى
في تلك الليلة لم يستطع النوم ظل يتقلب في فراشه يستعيد كل لحظة كل كلمة قالها لريم كل برود تصرف به شعر بالخجل من نفسه لكنه شعر أيضا بشيء جديد يتشكل داخله رغبة حقيقية في أن يكون أفضل في الصباح اتصل بمحاميه ليس ليتهرب بل ليسأل عن الطريقة القانونية للاعتراف الرسمي بابنتيه وعن حقوقهما كاملة أراد أن يبدأ بشكل صحيح
أما ريم فجلست في غرفتها بالفندق تنظر إلى ابنتيها وهما نائمتان كانت تعرف أن العودة لم تكن سهلة وأن المواجهة فتحت أبوابا كثيرة لكنها شعرت براحة لم تشعر بها منذ سنوات لم تعد هناك أسرار لم تعد تحمل وحدها عبء الحقيقة في الأيام التالية بدأ كريم يزور الطفلتين بانتظام أخذهم إلى حديقة كبيرة في القاهرة لعب معهما حاول أن يتعلم تفاصيل حياتهما الصغيرة كان يسأل عن أصدقائهما وعن قصص النوم التي تحبها كل واحدة منهما ومع كل لقاء كان يشعر أنه يتعرف عليهما وعلى نفسه من جديد
لم يكن الطريق خاليا من التوتر كانت هناك لحظات صمت محرجة وأسئلة صعبة من الطفلتين لماذا لم تكن معنا من قبل وكان عليه أن يجيب بصدق لأنني أخطأت ولأنني لم أكن شجاعا بما يكفي لكنه أتعلم الآن شيئا فشيئا بدأت المسافة تضيق لم يعد اللقاء غريبا ولم تعد الكلمة ثقيلة وفي أحد الأيام بينما كانوا يجلسون جميعا على شرفة تطل على النيل قالت ليان فجأة بابا هل سنزور البحر معك يوما ما نظر كريم إلى ريم وكأن السؤال موجه لهما معا ابتسمت ريم وقالت ربما البحر ينتظرنا جميعا
شعر كريم في تلك اللحظة أن الحياة تمنحه فرصة نادرة لمحو جزء من ظله القديم لم يكن يستطيع تغيير الماضي لكنه كان يستطيع أن يختار المستقبل أما ريم فلم تعد تلك المرأة التي هربت في الفجر بحقيبة صغيرة عادت الآن برأس مرفوع وبقلب مطمئن لأنها أنقذت طفلتيها وأنقذت نفسها من قرار كان سيطاردها للأبد كانت تعرف أن المسامحة ليست ضعفا وأن القوة الحقيقية هي أن تواجه لا أن تهرب
وهكذا لم تكن العودة مجرد صدمة لرجل ظن أن الماضي انتهى بل كانت بداية لعائلة تتشكل من جديد على أساس مختلف أساس الصدق والاختيار اليومي لتحمل المسؤولية سبع سنوات من الألم لم تختف لكنها تحولت إلى درس قاس علمهم جميعا أن الحب لا يعيش في الهروب وأن الحقيقة مهما طال الزمن ستطرق الباب يوما ما وعندما يفتح لا يعود أي شيء كما كان لكنه قد يصبح أفضل مما كان يمكن أن يكون الفصل الثالث
مرت أسابيع منذ تلك المواجهة الأولى أمام باب الفيلا لكن أثرها لم يهدأ بعد لم تعد الزيارة حدثا صادما بل صارت عادة تتكرر كل عدة أيام كان كريم يحاول أن يثبت حضوره لا بالكلام بل بالفعل يأتي في الموعد يحمل كتبا أحيانا وألعابا أحيانا أخرى لكنه بدأ يفهم أن ما تحتاجه ليان وتاليا ليس الهدايا بل الثبات
في إحدى الأمسيات اصطحبهما إلى مكتبة كبيرة في وسط القاهرة كانتا تنظران إلى الرفوف العالية بدهشة الطفلة التي تكتشف عالما جديدا اختارت ليان كتابا عن جسم الإنسان بينما تمسكت تاليا بدفتر رسم وألوان جلس معهما في ركن هادئ يراقبهما وهما تتصفحان الصفحات شعر بشيء دافئ يتسلل إلى صدره لم يكن يعرف أن الأبوة يمكن أن تبدأ متأخرة لكنها تبدأ أما ريم فكانت تراقب من بعيد لم تكن تريد أن تقف حاجزا بينهما لكنها أيضا لم تكن مستعدة لأن تسلم قلب ابنتيها بسهولة كانت تعرف أن الثقة تبنى ببطء وأن أي اختفاء مفاجئ قد يكسر شيئا دقيقا داخل الطفلتين
