Advertisements
Advertisements
منوعات

اب بعد فوات الاوان … حكايات اسما

Advertisements

وقف كريم أمام ريم وكأنه يراها للمرة الأولى لم تعد تلك الزوجة الهادئة التي كان يظن أنه يستطيع كسرها بكلمة باردة أو قرار أناني أصبحت امرأة تعرف قيمتها وتعرف لماذا عادت قال بصوت منخفض أنا غلطت رفعت ريم عينيها نحوه وقالت الغلط مش كلمة بتتقال يا كريم الغلط مسؤولية بتتشال سكت لحظة ثم سألها ماذا تريدين بالضبط هل تريدين نفقة اعتراف رسمي ماذا قالت أريد أن تكبر ابنتاي وهما تعرفان من أنت وأن تعرف أنت من هما لا أكثر ولا أقل

جلس كريم واضعا رأسه بين كفيه شعر بثقل السنوات السبع دفعة واحدة لم يكن يتخيل أنه سيواجه نتيجة قراره بهذا الشكل كان يظن أن الماضي يختفي إذا أغلق بابه بإحكام لكنه الآن يقف أمامه حي يتنفس بعينين صغيرتين تراقبانه من خلف الباب سألت تاليا من بعيد ماما هل سنرجع للبحر الليلة ابتسمت ريم وقالت سنرى يا حبيبتي

اقترب كريم ببطء من الطفلتين وجلس أمامهما من جديد سأل ليان ماذا تحبين أن تصبحي عندما تكبرين قالت أريد أن أكون طبيبة تعالج الأطفال لأن ماما كانت تخاف عندما نمرض أما تاليا فقالت أريد أن أكون رسامة وأرسم البحر الذي نعيش بجانبه شعر كريم بوخزة في قلبه كان هناك عالم كامل نشأ بعيدا عنه تفاصيل صغيرة لم يشهدها خطوات أولى لم يصفق لها دموع لم يمسحها

نظر إلى ريم وقال هل تسمحين لي أن أكون جزءا من حياتهما لم تجب فورا كانت تعرف أن الكلمة سهلة لكن الطريق طويل قالت الوجود مش زيارة كل سنة الوجود التزام وانت زمان قلت إنك مش مستعد لالتزام كريم أطرق رأسه وقال كنت جبانا لم أكن أرى أبعد من نفسي ظننت أن الحرية تعني أن أهرب من أي شيء يخيفني لكني الآن أرى أنني هربت من أجمل شيء كان يمكن أن يحدث لي

لم يكن الاعتراف سهلا لكنه خرج صادقا جلست ريم في صمت تتأمل ملامحه كانت ترى الندم واضحا لكنها تعلم أن الندم وحده لا يكفي قالت إذا أردت أن تكون أباهما فستكون لأنك اخترت ذلك كل يوم لا لأنني فرضته عليك أنا لم آت لأجبرك جئت لأضع الحقيقة أمامك والباقي قرارك

مر اليوم ببطء جلسوا جميعا حول طاولة واحدة لأول مرة كان الحديث بسيطا عن المدرسة وعن البحر وعن القاهرة الكبيرة التي لم ترها الطفلتان من قبل كان كريم يحاول أن يملأ الفراغ بكلمات لكن داخله كان يعترف بأن السنوات التي ضاعت لن تعود عندما حان وقت المغادرة وقف أمام الباب مترددا وقال هل يمكنني أن أراهما غدا نظرت ريم إلى ابنتيها ثم إليه وقالت إذا وعدت أن لا تختفي مرة أخرى هز رأسه بقوة وقال لن أهرب ثانية هذه المرة سأبقى

في تلك الليلة لم يستطع النوم ظل يتقلب في فراشه يستعيد كل لحظة كل كلمة قالها لريم كل برود تصرف به شعر بالخجل من نفسه لكنه شعر أيضا بشيء جديد يتشكل داخله رغبة حقيقية في أن يكون أفضل في الصباح اتصل بمحاميه ليس ليتهرب بل ليسأل عن الطريقة القانونية للاعتراف الرسمي بابنتيه وعن حقوقهما كاملة أراد أن يبدأ بشكل صحيح

أما ريم فجلست في غرفتها بالفندق تنظر إلى ابنتيها وهما نائمتان كانت تعرف أن العودة لم تكن سهلة وأن المواجهة فتحت أبوابا كثيرة لكنها شعرت براحة لم تشعر بها منذ سنوات لم تعد هناك أسرار لم تعد تحمل وحدها عبء الحقيقة في الأيام التالية بدأ كريم يزور الطفلتين بانتظام أخذهم إلى حديقة كبيرة في القاهرة لعب معهما حاول أن يتعلم تفاصيل حياتهما الصغيرة كان يسأل عن أصدقائهما وعن قصص النوم التي تحبها كل واحدة منهما ومع كل لقاء كان يشعر أنه يتعرف عليهما وعلى نفسه من جديد

لم يكن الطريق خاليا من التوتر كانت هناك لحظات صمت محرجة وأسئلة صعبة من الطفلتين لماذا لم تكن معنا من قبل وكان عليه أن يجيب بصدق لأنني أخطأت ولأنني لم أكن شجاعا بما يكفي لكنه أتعلم الآن شيئا فشيئا بدأت المسافة تضيق لم يعد اللقاء غريبا ولم تعد الكلمة ثقيلة وفي أحد الأيام بينما كانوا يجلسون جميعا على شرفة تطل على النيل قالت ليان فجأة بابا هل سنزور البحر معك يوما ما نظر كريم إلى ريم وكأن السؤال موجه لهما معا ابتسمت ريم وقالت ربما البحر ينتظرنا جميعا

شعر كريم في تلك اللحظة أن الحياة تمنحه فرصة نادرة لمحو جزء من ظله القديم لم يكن يستطيع تغيير الماضي لكنه كان يستطيع أن يختار المستقبل أما ريم فلم تعد تلك المرأة التي هربت في الفجر بحقيبة صغيرة عادت الآن برأس مرفوع وبقلب مطمئن لأنها أنقذت طفلتيها وأنقذت نفسها من قرار كان سيطاردها للأبد كانت تعرف أن المسامحة ليست ضعفا وأن القوة الحقيقية هي أن تواجه لا أن تهرب

وهكذا لم تكن العودة مجرد صدمة لرجل ظن أن الماضي انتهى بل كانت بداية لعائلة تتشكل من جديد على أساس مختلف أساس الصدق والاختيار اليومي لتحمل المسؤولية سبع سنوات من الألم لم تختف لكنها تحولت إلى درس قاس علمهم جميعا أن الحب لا يعيش في الهروب وأن الحقيقة مهما طال الزمن ستطرق الباب يوما ما وعندما يفتح لا يعود أي شيء كما كان لكنه قد يصبح أفضل مما كان يمكن أن يكون الفصل الثالث

مرت أسابيع منذ تلك المواجهة الأولى أمام باب الفيلا لكن أثرها لم يهدأ بعد لم تعد الزيارة حدثا صادما بل صارت عادة تتكرر كل عدة أيام كان كريم يحاول أن يثبت حضوره لا بالكلام بل بالفعل يأتي في الموعد يحمل كتبا أحيانا وألعابا أحيانا أخرى لكنه بدأ يفهم أن ما تحتاجه ليان وتاليا ليس الهدايا بل الثبات

في إحدى الأمسيات اصطحبهما إلى مكتبة كبيرة في وسط القاهرة كانتا تنظران إلى الرفوف العالية بدهشة الطفلة التي تكتشف عالما جديدا اختارت ليان كتابا عن جسم الإنسان بينما تمسكت تاليا بدفتر رسم وألوان جلس معهما في ركن هادئ يراقبهما وهما تتصفحان الصفحات شعر بشيء دافئ يتسلل إلى صدره لم يكن يعرف أن الأبوة يمكن أن تبدأ متأخرة لكنها تبدأ أما ريم فكانت تراقب من بعيد لم تكن تريد أن تقف حاجزا بينهما لكنها أيضا لم تكن مستعدة لأن تسلم قلب ابنتيها بسهولة كانت تعرف أن الثقة تبنى ببطء وأن أي اختفاء مفاجئ قد يكسر شيئا دقيقا داخل الطفلتين

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!