Advertisements
Advertisements
منوعات

اب بعد فوات الاوان … حكايات اسما

Advertisements

في أحد الأيام عاد كريم إلى بيته القديم وجلس وحده يفكر أدرك أن الحياة التي عاشها بعد رحيل ريم كانت سطحية بلا جذور صداقات عابرة علاقات قصيرة نجاح عملي لم يشاركه فيه أحد بصدق لأول مرة شعر أن المال الذي يملكه لا معنى له إن لم يحم مستقبلا يستحق اتصل بوالدته وأخبرها بالحقيقة صمتت طويلا ثم قالت لماذا لم تخبرنا من قبل لم يجد جوابا سوى الخجل لكن المفاجأة كانت أنها طلبت رؤية حفيدتيها كانت ريم مترددة في البداية لكنها وافقت بشروط واضحة الاحترام أولا ثم الصراحة

عندما التقت الجدة بالطفلتين نظرت إليهما طويلا ثم بكت لم يكن بكاء ضعف بل بكاء إدراك أن العائلة كادت تفقد جزءا منها بسبب قرار متسرع ذلك اللقاء فتح بابا جديدا لم تكن ريم تتوقعه شعرت أن المواجهة التي بدأت بها لم تعد تخصها وحدها بل تخص شبكة كاملة من العلاقات التي تحتاج إلى إعادة ترتيب

لكن التحدي الحقيقي لم يكن في العائلة بل في سؤال أكبر هل يمكن لريم أن تسامح حقا هل يمكن أن تنظر إلى كريم دون أن تستعيد تلك الليلة التي طلب منها فيها إنهاء حملها كانت الذكرى أحيانا تعود فجأة كرعشة باردة لكنها كانت تذكر نفسها أنها لم تعد تلك المرأة الضعيفة وأنها اختارت العودة لا لتطلب حبا بل لتثبت حقا

في مساء هادئ جلسوا جميعا في حديقة عامة كانت ليان تجري خلف الحمام بينما ترسم تاليا شيئا على دفترها اقترب كريم من ريم وقال أعلم أنني لا أستحق فرصة ثانية نظرت إليه بهدوء وقالت الفرص لا تعطى لأنها مستحقة بل لأنها ممكنة السؤال ليس هل تستحق بل هل ستتغير أجابها دون تردد أتعلم كل يوم ما يعنيه أن أكون أبا لم أكن أعرف أن المسؤولية يمكن أن تكون نعمة وليست قيدا ابتسمت ريم ابتسامة خفيفة وقالت كنت أريدك أن ترى ذلك قبل سبع سنوات لكنه درس جاء متأخرا

مرت الشهور وبدأت الإجراءات القانونية للاعتراف الرسمي انتهت الأوراق أخيرا وحملتا اسمه لم يكن الأمر مجرد توقيع بل اعتراف علني بالحقيقة في يوم استلام الوثائق وقفت ليان تقرأ اسمها كاملا بصوت مرتفع وضحكت أما تاليا فاحتضنت أمها وقالت الآن صرنا عائلة كاملة

لكن الكمال لم يكن يعني النسيان كانت هناك جروح قديمة تحتاج إلى وقت وفي إحدى الليالي عندما عادت ريم إلى غرفتها بعد يوم طويل جلست وحدها تتأمل الطريق الذي قطعته تذكرت الفجر الذي غادرت فيه بيته وكيف كانت تخاف من المجهول واليوم هي تعود بإرادتها لا هاربة بل قوية شعرت بفخر صامت لأنها اختارت الحياة حين كان الخيار الآخر أسهل أما كريم فكان يعيش صراعا داخليا بين ندمه ورغبته في أن يكون جديرا بالفرصة الجديدة بدأ يخصص وقتا أكبر لابنتيه يشاركهما واجباتهما المدرسية يحضر اجتماعات المدرسة يرافقهما إلى الطبيب لم يعد الأمر واجبا بل أصبح جزءا من يومه

وفي إحدى الأمسيات بينما كانوا يجلسون معا سألت تاليا سؤالا بسيطا لكنه عميق هل يمكن أن نعيش جميعا في بيت واحد نظرت ريم إلى كريم ثم إلى ابنتيها لم يكن السؤال عن السكن فقط بل عن الماضي كله صمتت لحظة ثم قالت البيت ليس جدرانا فقط البيت أمان وإذا استطعنا أن نبني الأمان يمكن أن نفكر في كل شيء آخر كان الرد حكيما يترك الباب مفتوحا دون وعود فارغة

هكذا لم تكن العودة نهاية الحكاية بل بدايتها الجديدة فصل يتشكل ببطء من أفعال صغيرة وتغييرات حقيقية لم يعد الأمر عن خطأ قديم بل عن مستقبل يكتب كل يوم بقرار أن لا يهرب أحد مرة أخرى وأن تبقى الحقيقة حاضرة لا كسيف بل كضوء يرشدهم في طريق طويل نحو عائلة أعادت تعريف نفسها من جديد الفصل الرابع

مرت شهور أخرى وأصبح وجود كريم في حياة ليان وتاليا أمرا طبيعيا لم يعد ضيفا ولا غريبا صار جزءا من تفاصيل يومهما يعرف مواعيد المدرسة ويحفظ أسماء صديقاتهن ويجلس معهما كل مساء تقريبا يساعدهما في الواجبات ويحكي لهما قصصا عن طفولته لم يكن يحاول أن يشتري حبهما بل كان يحاول أن يستحقه لكن داخله كان يحمل رغبة أكبر من مجرد الأبوة كان يريد أن تعود ريم أيضا لم يعد ينظر إليها كزوجة سابقة بل كرفيقة طريق كان أحمق حين فرط فيها كان يرى قوتها الآن بوضوح ويرى كم كانت شريكة حقيقية وليست عبئا كما ظن يوما

في إحدى الليالي بعد أن نامت الطفلتان جلس مع ريم في الشرفة كانت القاهرة هادئة على غير عادتها والهواء يحمل برودة خفيفة قال بصوت صريح ريم أنا لا أريد أن أكون مجرد أب يزور بناته أريد أن أعود إليك أريد أن نكون عائلة كاملة من جديد نظرت إليه طويلا لم يكن في عينيه تردد هذه المرة بل خوف من الرفض قالت بهدوء كريم الرجوع ليس كلمة تقال في لحظة حنين الرجوع مسؤولية مضاعفة أنت كسرت شيئا كبيرا داخلي

اقترب خطوة وقال أعرف وأعرف أنني لا أستطيع محو الماضي لكني أستطيع أن أعيش بقية عمري أصلح ما أفسدته أريد أن أستيقظ كل يوم وأراكن أمامي لا أريد أن أضيع يوما آخر كانت كلماته صادقة لكنها لم تكن كافية لتمحو سبع سنوات من الغياب ريم كانت قد بنت لنفسها حياة مستقلة اعتادت أن تعتمد على نفسها وتخاف أن تعود فتفقد توازنها من جديد

في اليوم التالي بينما كانوا يتناولون الإفطار سألت ليان فجأة ماما لماذا لا نعيش مع بابا مثل باقي الأطفال تجمدت اللحظة نظرت ريم إليها محاولة اختيار كلماتها بعناية قالت لأن الأمور ليست دائما سهلة يا حبيبتي لكننا نحاول أن نجعلها أفضل

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!