
عمـتي أخـدت فـلوس أهلـي بعـد وفاتـهم… وسابتـني لوحـدي وبـعد 20 سـنة، اشتـغلت عنـدها خـدامة. لما كان عندي 3 سنين، أمي وأبويا ماتوا في حادثة عربية على طريق مصر-إسكندرية الصحراوي. وقتها، عمّتي “داليا” ظهرت في حياتي كأنها ملاك رحمة… أو ده اللي كل الناس كانت فاكرينه. لمدة 6 شهور، كانت بتقول إنها “بترعاني”… وبعدها فجأة، أخدت شقة أهلي في مدينة نصر، وسحبت حوالي نص مليون جنيه من حساباتهم، وسابتني في دار رعاية أطفال… واختفت كأنها عمرها ما كانت موجودة.
كبرت وأنا بمسح الأرضيات وبشتغل في أي حاجة علشان أعيش. لحد ما وصلت لـ23 سنة، وقدرت أفتح شركة تنظيف صغيرة باسمي. وفي يوم تلات عادي، وأنا بقلب في طلبات الشغل الجديدة، لقيت إعلان غريب: “فيلا 300 متر… الدفع كاش… وصاحب المكان عايز خصوصية تامة” الاسم خلاني أتجمد في مكاني… “داليا” ونفس المنطقة… نفس الحي اللي كانت فيه شقة أهلي. من غير ما أفكر كتير، كتبت: “تم القبول. أنا اللي هاجي بنفسي.” يوم الجمعة الصبح، وصلت قدام فيلا كبيرة لونها أبيض في التجمع الخامس. الباب اتفتح… وكانت واقفة قدامي.
لابسة دهب ولؤلؤ… وشها متغير بس لسه فيه نفس البرود. بصّتلي من فوق لتحت… وماعرفتنيش. “صباح الخير يا مدام، أنا من شركة التنظيف” كشرت وقالت: “أتمنى تكوني أحسن من اللي قبلك… كانت ريحتها منظفات رخيصة. وما تلمسيش علبة المجوهرات اللي على التسريحة” ابتسمت بهدوء: “حاضر يا فندم” على مدار أسابيع، كنت بروح كل جمعة. ولا مرة قالت شكرًا… بس كانت بتحكي بفخر عن “أعمالها الخيرية”، وبتشتكي من “بنت أخوها الناكرة للجميل”. سألتها يوم كده بهدوء: “عندك بنت أخ؟”
ردت ببرود: “كان عندي… واحدة قليلة الأصل” سكت… بس جوايا كان بيغلي. وفي يوم الجمعة ده… كنت جاية وأنا محضّرة حاجة. “أنا جبتلك حاجة”، قلت لها وأنا واقفة في الصالة. رفعت حاجبها باستغراب: “ليّا أنا؟” ابتسمت وقلت: “آه يا فندم… مفاجأة صغيرة” طلعت فوق، وأنا سيبت الحاجة على الترابيزة. ولما نزلت بعد شوية… اتجمدت في مكانها. عيونها اتسعت… وإيدها بدأت تترعش.
“إنتي جبتي ده منين؟!”… صلي على محمد وال محمد وتابع 👇👇👇اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم 🤍
“إنتي جبتي ده منين؟!” قالتها وهي ماسكة الحاجة بإيد بترتعش… صوتها اللي كان دايمًا فيه تكبّر لأول مرة كان فيه خوف حقيقي.
وقفت قدامها بهدوء… نفس الهدوء اللي كنت بتعامل بيه معاها كل أسبوع… بس جوايا كان في بركان بقاله سنين مستني اللحظة دي.
الحاجة اللي كانت في إيدها… كانت سلسلة دهب صغيرة… عليها اسم محفور بدقة: “ليان”.
اسمي.
السلسلة دي… أمي كانت ملبساهالي وأنا عندي سنتين… الصورة الوحيدة اللي معايا وأنا طفلة كنت لابساها فيها…
وفضلت فاكرة شكلها سنين… لحد ما كبرت وبدأت أربط كل حاجة ببعض.
بلعت ريقي وبصيت في عينيها مباشرة لأول مرة وقلت: “فاكرة السلسلة دي يا مدام داليا؟ ولا دي كمان مش فاكرة صاحبتها؟”
وشها شحب أكتر… رجعت خطوة لورا كأن الأرض بتهرب من تحتها.
“إنتي… إنتي مين؟!” سألت وهي بتحاول تلم نفسها.
ابتسمت… ابتسامة فيها كل وجعي… كل سنين الوحدة… كل مرة نمت فيها جعانة… كل مرة سألت نفسي ليه محدش حبني كفاية علشان يحتفظ بيا.
“أنا ليان… بنت أخوكي… اللي كنتي بتقولي عليها قليلة الأصل”
الصمت وقع بينا تقيل…
تقيل لدرجة إني كنت سامعة صوت أنفاسها وهي بتتسارع.
قعدت على الكنبة فجأة… كأن رجليها ما بقتش شايلة.
“مستحيل… إنتي… إنتي كنتي في دار الأيتام…”
“آه”، رديت بهدوء، “في المكان اللي إنتي رميتيني فيه بعد ما خدتي كل حاجة تخصني”
رفعت عينيها ليا… وفيها مزيج غريب… خوف… إنكار… وغضب.
“أنا ما سرقتش حاجة! أنا كنت بحافظ على فلوس أخويا!”
ضحكت… ضحكة قصيرة، مفيهاش أي فرحة.
“حافظتي عليها؟ في فيلا بـ20 مليون؟ في دهب مرصوص في كل أوضة؟ في عربيات تحت البيت؟”
سكتت… للحظة… وبعدين قامت فجأة بعصبية:
“إنتي جاية تبتزيني؟!”
هزيت راسي بالنفي: “لا… أنا جاية أفكرك”
قربت منها خطوة… وبصوت أوطى قلت: “تفكرك بطفلة عندها 3 سنين… كانت مستنية حضن… مش دار أيتام”
ملامحها اتكسرت للحظة… بس رجعت بسرعة لبرودها.
“إنتي مش هتاخدي مني حاجة”
ابتسمت بهدوء أكتر: “أنا أصلًا خدت”
اتجمدت: “خدتي إيه؟!”
بصيت حواليا في الفيلا… في كل تفصيلة… كل ركن.
“خدت كل حاجة تثبت إن ده مش حقك”
وشها اتحول للون رمادي: “إنتي بتقولي إيه؟!”
طلعت من شنطتي ملف… حطيته قدامها.
“دي مستندات الحسابات القديمة… التحويلات… عقد الشقة… كل حاجة باسم أبويا…
وكل حاجة اتنقلت بعد وفاته بأسبوع”
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الملف.
“إنتي فاكرة إن شغلي مجرد تنظيف؟” قلت بهدوء، “أنا بقيت واحدة بتعرف تدور ورا الفلوس… وتوصل للحقيقة”
رفعت عينيها ليا ببطء: “إنتي عايزة إيه؟”

