
سكت شوية… وبعدين قلت: “ولا حاجة”
استغربت: “إزاي يعني؟!”
“أنا مش جاية علشان آخد فلوسك… أنا جاية علشان آخد حقي”
“وده إيه؟!”
بصيت في عينيها بثبات: “حقي إني أواجهك… وأخليكِ تشوفي نفسك الحقيقية”
سكتت… للحظة طويلة.
وبعدين ضحكت بسخرية: “دي كل اللي عندك؟ كلام؟”
ابتسمت… المرة دي ابتسامة أهدى.
“لا… مش بس كلام”
وفي اللحظة دي… جرس الباب رن.
بصتلي بقلق: “إنتي عاملة إيه؟”
قلت بهدوء: “اللي كان لازم يحصل من 20 سنة”
الخادمة فتحت الباب… ودخل 3 رجالة… واحد فيهم قال: “مدام داليا؟”
وشها اتغير تمامًا.
“إحنا من مباحث الأموال العامة”
الصمت اللي حصل بعدها… كان أهدى من أي صوت… بس أقسى من أي صرخة.
بصّتلي… نظرة عمرها ما هتتنسى.
“إنتي… عملتي كده؟”
هزيت راسي: “لا… إنتي اللي عملتي كده… أنا بس خلت الحقيقة تظهر”
بدأوا يسألوها… يراجعوا الأوراق… يتحفظوا على حاجات.
وأنا… كنت واقفة… لأول مرة في حياتي… حاسة إني مش ضعيفة.
حاسة إن الطفلة اللي اتكسرت زمان… أخدت حقها.
قبل ما يخرجوها… بصتلي تاني.
المرة دي… ماكنش في كِبر… ولا برود.
كان في حاجة شبه الندم.
بس متأخر.
قوي.
خرجت من الفيلا…
والشمس كانت ضاربة في وشي.
خدت نفس عميق… كأن أول مرة في حياتي أتنفس بجد.
وقفت لحظة… وبعدين بصيت للسلسلة اللي في إيدي.
رجعتلي.
زي حقي.
زي نفسي.
بعد شهور… الإجراءات خلصت.
ورجعت شقة أهلي… يمكن مش بنفس الشكل… بس بنفس الروح.
وقفت في نصها… وافتكرت كل حاجة.
الوجع… التعب… السنين اللي ضاعت.
بس كمان… القوة اللي اتبنت جوايا.
ما بقيتش الطفلة اللي حد يرميها.
بقيت واحدة… تعرف تقوم لوحدها… وتاخد حقها.
وفي يوم… وأنا بفتح باب الشقة لأول مرة كمُلك ليا…
همست لنفسي:
“أنا رجعت”
ومش بس للمكان…
رجعت لنفسي.
عدّى على اليوم ده ست شهور… ست شهور كنت بحاول أبني فيهم حياة جديدة من تحت الصفر، بس المرة دي بإيدي أنا، مش على حساب حد، ولا تحت رحمة حد. الشقة اللي رجعتلي ماكنتش مجرد أربع حيطان… كانت ذكرى، وكانت اختبار. كل ركن فيها كان بيحكي حكاية… ضحكة قديمة، صوت أمي وهي بتناديني، خطوات أبويا وهو داخل من الشغل… وفي نفس الوقت، كان فيها صدى الوحدة اللي عشتها سنين.
في الأول، ماقدرتش أنام فيها لوحدي. كنت بصحى مفزوعة على أقل صوت… كأني لسه البنت الصغيرة اللي اتسابت فجأة من غير حضن. بس واحدة واحدة، بدأت أرتب… أنضف… أغير.
ده شغلي أصلًا… بس المرة دي كنت بنضف قلبي قبل المكان.
شركة التنظيف بتاعتي كبرت. بقي عندي فريق، وبقينا بناخد شغل أكبر… شركات، فيلات، مكاتب. الناس بدأت تعرف اسمي… “ليان” بقى له قيمة. مش بس اسم محفور على سلسلة… اسم اتبنى بتعب وسهر ودموع.
وفي وسط كل ده… كنت فاكرة إنها خلصت.
لكن الحقيقة… عمرها ما بتخلص بسهولة.
في يوم عادي… كنت قاعدة في المكتب بتاعي، براجع حسابات، لما سكرتيرتي خبطت وقالت: “في واحد بره عايز يقابلك… بيقول مهم”
رفعت عيني باستغراب: “مين؟”
هزت كتفها: “مش راضي يقول اسمه”
قلت:
“خليه يدخل”
دخل راجل في أواخر الأربعينات… لابس بدلة شيك… بس ملامحه كان فيها حاجة تقيلة… حاجة مش مريحة.
وقف قدامي وقال: “إنتي ليان؟”
“آه”
بصلي لحظة طويلة… وبعدين قال: “أنا المحامي بتاع مدام داليا”
جسمي شدّ من غير ما أحس.
“خير؟”
قعد من غير ما يستأذن… وقال بهدوء غريب: “هي طلبت تشوفك”
سكت… وبعدين ضحكت بسخرية خفيفة: “بعد إيه؟”
“بعد ما حالتها الصحية اتدهورت”
الكلمة دي وقفتني لحظة.
“مالها؟”
“سرطان… في مرحلة متأخرة”
الصمت نزل علينا تقيل.
مش عارفة ليه… بس قلبي ما ارتاحش.
مش شفقة… بس حاجة غريبة… زي دوامة.
“وإيه المطلوب مني؟”
“هي عايزة تقولك حاجة… وقالت إنها مش هتمو*ت مرتاحة غير لما تشوفك”
بصيتله بثبات: “وإنت شايف إني لازم أوافق؟”*
قال بهدوء: “أنا مجرد ناقل رسالة”
سكت شوية… وبعدين قلت: “هفكر”
مشي… وسابني قاعدة مكاني… باصة قدامي… مش شايفة حاجة.
اللي حصل زمان… ما يتغفرش.
بس فكرة إنها بتمو*ت… كانت بتشد حاجة جوايا… حاجة أنا نفسي مش فاهمة هي إيه.
عدّى يومين… وأنا مش قادرة أركز.
وفي الآخر… قررت أروح.
مش علشانها.
علشاني أنا.
المستشفى كانت هادية بشكل يخوف…
ريحة المطهرات… صوت الأجهزة… نفس الإحساس اللي دايمًا بيخليني أفتكر اللحظة اللي فقدت فيها كل حاجة.
سألت عليها… ودلّوني على أوضة في آخر الطرقة.
وقفت قدام الباب… إيدي على المقبض… بس مش قادرة أفتحه.
خدت نفس عميق… وفتحته.
كانت نايمة على السرير… ضعيفة… صغيرة… مش شبه الست اللي كانت مالية المكان تكبّر وغرور.
عيونها كانت مغمضة… بس أول ما دخلت… فتحتها.
بصتلي… وللحظة… ماقالتش حاجة.
بس دموع نزلت من عينيها بهدوء.
“ليان…”
صوتها كان واطي… مكسور.
وقفت بعيد… ماقربتش.
“أنا جيت… قولي اللي عندك”
بلعت ريقها بصعوبة… وقالت:
“أنا غلطت”
ضحكت ضحكة خفيفة… موجوعة: “دي جديدة”
غمضت عينيها لحظة… وبعدين قالت: “مش بس سرقت… أنا كمان… كذبت عليك”
قلبي دق أسرع.
“كذبت في إيه؟”
بصتلي… وقالت: “أبوكي… ما ماتش في الحادث”
الدنيا وقفت.
حرفيًا.
“إيه؟!”
“هو عاش… أيام بعدها… وكان بيسأل عليكي… وكتب كل حاجة باسمك… بس أنا…”
صوتها اتكسر.
“أنا خبّيت الحقيقة”
رجعت خطوة لورا… كأن الأرض بتتهز.
“ليه؟!”
صرخت فيها من غير ما أحس.
“ليه تعملي كده؟!”
عيطت… لأول مرة أشوفها بتعيط بجد.
“كنت خايفة… من الفقر… من الوحدة…
من إني أرجع لنقطة الصفر”
كنت باصة لها… مش مصدقة.
“وأنا؟! أنا كنت إيه؟!”
ماقدرتش ترد.
الصمت كان كفاية.
قعدت على الكرسي… جسمي كله بيترعش.
كل اللي بنيته… كل اللي صدقته… كل اللي حاولت أتقبله…
طلع كذبة أكبر.
“هو… قال حاجة تانية؟” سألت بصوت مكسور.
هزت راسها: “قال إنه بيحبك… وإنك أقوى منه… وإنك هتقدري تعيشي حتى لو هو مش موجود”
دموعي نزلت غصب عني.
لأول مرة… من سنين… أحس إني بنت… مش بس واحدة بتحارب.
مدّت إيدها ليا… بتترعش.
“سامحيني…”
بصيت لإيدها… وبعدين لعينيها.
الكلمة دي… كانت تقيلة.
تقيلة أوي.
قمت وقفت… وقلت بهدوء:
“أنا مش هسامحك… مش دلوقتي”
وشها اتكسر.
بس كملت:
“بس… أنا كمان مش هكرهك طول عمري”
سكتت… وبعدين قلت: “اللي عملتيه… خلاني أبقى اللي أنا فيه دلوقتي… قويه… بس لو كان بإيدي… كنت أختار أكون ضعيفة… بس مع أهلي”
خرجت من الأوضة… وأنا حاسة إن في حاجة جوايا اتفكت.
مش كلها.
بس جزء.
وبرا المستشفى… وقفت أبص للسماء.
همست:
“أنا عرفت الحقيقة يا بابا… حتى لو متأخر”
ومشيت.
بس المرة دي… مش بهرب.
بمشي لقدّام.


