
هي بس اللي كانت بتغمي عينها. قال بصوت زي الحديد: “يلا بينا.” ترددت، وعينيها راحت للباب تاني. البيت ده. الحياة دي. الوهم اللي عاشت فيه. همست بكسرة: “أنا معيش أي حاجة.. طلعت بـ هدومي.” حسين جز على سنانه: “أنتي معاكي نفسك.” وبعدين كمل وهو بياخدها في ح.ضنه: “وده معناه إنك معاكي الدنيا كلها.” المرة دي… مبصتش وراها وهي بتركب معاه العربية. جوه الشقة، عصام كان واقف ورا الستارة بيراقب. ربع ايديه، وهو واثق في نفسه لدرجة الغرور.
برطم وقال: “هترجع.. ملهاش غيري.” وأمه ضحكت من وراه بسخرية: “بكرة ترجع تبوس الرجول عشان لقمة العيش.. هيروحوا فين يعني؟” بس الليلة دي… مرجعتش. تاني يوم الصبح، الدنيا كانت… ملخبطة. مفيش فطار. مفيش ريحة قهوة. مفيش نظام. عصام كشر وهو بيقلب في موبايله. مفيش ولا رسالة ولا مكالمة من كريمة. ضحك بتريقة: “بتتقل يعني.. ماشي.” على الساعة عشرة الصبح، السكرتيرة كلمته في المكتب. “يا فندم… في اجتماع طارئ دلوقتي حالا.” “مين اللي طلبه؟” “…المستشار حسين المنشاوي.”
عصام سكت فجأة. “عايز إيه؟” “قال… هتعرف أول ما توصل القاعة.” #الكاتب_رومانى_مكرم كان فيه حاجة غريبة من ساعة ما دخل الشركة. الموظفين مكنوش بيسلموا عليه كالعادة. ناس بتهرب من عينه. وناس بتبص له بصات غريبة. الهواء كان تقيل. خاطئ. فتح باب غرفة الاجتماعات… واتسمر في مكانه. ## الجزء الثاني توقف الزمن للحظة عند عتبة الباب. القاعة التي كان عصام يديرها بصلف وغرور، لم تعد ملكه اليوم. في ص,,در القاعة، جلس **المستشار حسين المنشاوي**، وبجانبه محامي الشركة، وأمامهما ملفات مفتوحة وسجلات مالية بدت وكأنها ألغام موقوتة.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في وجود حسين… بل في الشخصية التي جلست بجانبه. كانت **كريمة**. لم تكن تلك المرأة المنكسرة التي طردها بالأمس بـ “الفوطة” تحت المطر. كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء، وشعرها مصفف بدقة، وعيناها خلف نظارة طبية تنظران إليه ببرود لم يعهده منها طوال سنوات زواجهما. قال عصام بصوت مهزوز حاول جعله ساخراً: “أهلاً.. ده إيه الجمع المبارك ده؟ كريمة؟ إنتي فاكرة إنك لما تستخبي ورا أخوكي هترجعي البيت معززة مكرمة؟ اطلعي برا استنينا في العربية، ولما نخلص حسابي معاكي في البيت.”
لم تتحرك شعرة واحدة في وجه كريمة. أما حسين، فرفع بصره عن الأوراق وقال بهدوء مخيف: “اقعد يا عصام… عشان الوقفة دي هتتعبك أوي.” اندفع عصام بغض,,ب: “أقعد فين؟ دي شركتي! وأنا صاحب الحلال هنا، وبصفتي المدير التنفيذي بطلب منكم تخلوا القاعة فوراً.” هنا، وضعت كريمة قلماً ذهبياً كانت تمسكه على الطاولة، ووقفت ببطء. ساد صمت مطبق في القاعة، قبل أن تنطق بصوت واثق: “الشركة دي يا عصام… قامت على ورثي من بابا. والتوكيل العام اللي إنت كنت بتدير بيه كل حاجة، أنا لغيته النهاردة الساعة تمانية الصبح في الشهر العقاري.”
ضحك عصام بهستيرية: “تلغي إيه؟ العقود كلها باسمي، والأرض والمخازن…” قاطعته كريمة وهي تدفع باتجاهه ملفاً أحمر: “راجِع العقود دي كويس. بصفتي مهندسة ديكور، كنت براجع وراك كل صغيرة وكبيرة من غير ما تحس. اكتشفت إنك كنت بتسحب مبالغ من رأس المال وبتحولها لحسابات وهمية باسم مامتك. وده في القانون اسمه اختلاس وتزوير.” شحب وجه عصام، وبدأ العرق يتصبب على جبينه. أكمل حسين الكلام بلهجة قانونية حاسمة:
“مش بس كده يا عصام. البلاغ اللي قدمناه مش بس بخصوص الشركة. فيه بلاغ تاني بتهمة الشروع في -,,- وترك شخص في حالة خطر… ليلة ما طردت أختي في الشارع في عز المطر من غير هدوم. كاميرات المراقبة اللي في الشارع المقابل لبيتك صورت كل حاجة.” انهارت صلابة عصام تماماً، سحب كرسياً وجلس وهو يشعر بالدوار. نظر إلى كريمة وقال بضعف: “كريمة.. إحنا عشرة عمر.. هتعملي في جوزك وأبو ولادك كده؟” اقتربت منه كريمة، وانحنت قليلاً لتنظر في عينيه مباشرة، وقالت بمرارة:
“جوزي؟ اللي طردني بالليل عشان يرضي أمه؟ اللي مد إيده عليا عشان قلت ‘لأ’؟ إنت مسبتش للصلح مكان يا عصام. البيت اللي إنت فيه دلوقتي، مأجر باسم الشركة، والشركة بقت تحت إدارتي الفعلية من اللحظة دي.” أخرج حسين ظرفاً مغلقاً ورماه أمام عصام: “وده إعلان دعوى الخلع… والتمكين من الشقة. قدامك ٢٤ ساعة تلم هدومك إنت ووالدتك، وتخرجوا من البيت اللي كريمة دفع دم قلبها عشان تجهزه.” قام عصام من مكانه يحاول الصراخ، لكن الأمن كان قد دخل القاعة بالفعل بناءً على إشارة من حسين.
بينما كان الأمن يقتاد عصام للخارج وسط نظرات الاحتقار من الموظفين، وقفت كريمة أمام نافذة القاعة الكبيرة، تنظر إلى الشارع الذي وقفت فيه بالأمس وحيدة. همس حسين من خلفها: “ندمانة؟” التفتت إليه بابتسامة صافية، وقالت: “أنا النهاردة بس بدأت أتنفس يا حسين. اللعبة يادوب بدأت، وعصام لسه مشافش الوش التاني للمهندسة اللي استخف بيها.” جرس الموبايل رن في جيب عصام وهو خارج، كانت أمه. رد بصوت مخنوق: “أيوه يا أما؟” قالت الأم بلهفة: “ها؟ رجعت تبوس رجلك عشان تسامحها؟”
رد عصام بمرارة وهو ينظر لرجال الشرطة المنتظرين عند الباب: “حضري شنطك يا أما… إحنا اللي هنبوس الرجل عشان نسلم من الحبس.” ## الجزء الثالث لم يكن خروج عصام من الشركة مجرد نهاية ليوم عمل، بل كان بداية لانهيار جبل من الأوهام. عاد إلى الشقة التي كان يظنها حصنه المنيع، ليجد أمه تجلس بزهو وتضع قدماً فوق الأخرى، وفي يدها كوب من الشاي. قالت ببرود: “تأخرت ليه يا عصام؟ أنا بدأت أرتب المطبخ على طريقتي، وشلت كل الكراكيب اللي كانت حطاها ست الحسن والجمال.”
نظر عصام إلى أمه بذهول، وكأن الغشاوة بدأت تزيح عن عينيه. صاح فيها بمرارة: “كراكيب إيه يا أمي؟ إحنا بنترمي في الشارع! كريمة لغت التوكيل، وكشفت حسابات البنك، ورفعت قضية خلع وتمكين.. والشرطة زمانها على الباب!” سقط كوب الشاي من يد الأم ليتناثر شظايا على الأرض. “إنت بتقول إيه؟ تخرجني أنا من هنا؟ دي شقة ابني!” في تلك اللحظة، رن جرس الباب بعن,,ف. لم يكن محضر المحكمة، بل كانت **كريمة** بنفسها، ومعها عامل أقفال (نجار) واثنان من رجال الأمن التابعين لشركتها.
وقفت كريمة على العتبة، ونظرت إلى الشقة بنظرة فاحصة، ثم قالت للنجار بلهجة آمرة: “غير كل الكوالين دي فوراً.. والشنط اللي مركونة عند الباب دي تطلع برا.” اندفعت الحماة نحوها وهي تصرخ: “إنتي اتجننتي يا بت؟ عايزة ترمينا في الشارع؟” ردت كريمة بهدوء يثير الأعص,,اب: “أنا مابرميش حد.. أنا بس برجع الحق لأصحابه. يا حم,,اتي العزيزة، إنتي قلتي بالأمس ‘هترجع تبوس الرجل عشان لقمة العيش’.. والنهاردة أنا اللي بقولك، لقمة العيش اللي في بيتي محرمة على اللي ما صانش كرامتي.”
التفتت إلى عصام الذي كان واقفاً كالمشلول: “قدامك ساعة واحدة. تاخد مامتك وشنط الهدوم اللي جهزتها لك، وتخرج. وإلا هطلب النجدة بتهمة اقتحام ملكية خاصة، ومعايا عقد الملكية المسجل باسمي وباسم والدي الله يرحمه.” حاول عصام التوسل: “كريمة.. أنا غلطت، الشيطان ركب دماغي. اديني فرصة واحدة عشان خاطر السنين اللي بيننا.” ضحكت كريمة ضحكة قصيرة مليئة بالوجع: “السنين اللي إنت محيتها في لحظة؟ السنين اللي كنت فيها بتمسح شخصيتي عشان ترضي غرورك؟ ليلة امبارح والمطر بياكل في جسمي، أنا دفنت ‘كريمة الضعيفة’ تحت التراب. اللي قدامك دي واحدة تانية خالص.”
أخرجت كريمة من حقيبتها ملفاً صغيراً ورمته لعصام: “دي كشوف,,ات المبالغ اللي حولتها لحساب مامتك. لو خرجتوا دلوقتي بهدوء، مش هحرك البلاغ الجنائي. لو عصلبتوا.. السج,,ن هيكون بيتك الجديد.” لم يجد عصام مفراً. بدأ يلملم أشياءه في صمت مهين، بينما كانت أمه تولول وتدعو عليها، لكن كريمة لم تكن تسمع. كانت تتجول في الشقة، تلمس الأثاث الذي صممته بيديها، وتشعر لأول مرة أنها تتنفس هواءً نقياً. خرج عصام وهو يجر حقائبه، وخلفه أمه التي كانت تنظر لكريمة بحقد وخزي. وقبل أن يغلق الباب، التفت عصام وقال: “فاكرة إنك كده كسبتي؟ إنتي هتعيشي وحيدة.”
أغلقت كريمة الباب في وجهه بقوة جعلت المبنى يهتز، وقالت لنفسها وهي تنظر للمرآة: “الوحيد هو اللي ملوش كرامة يا عصام.. وأنا كرامتي رجعتلي.” لكن القصة لم تنتهِ هنا.. في المساء، وبينما كانت كريمة تجلس مع أخيها حسين يخططان لكيفية إعادة هيكلة الشركة، وصلتها رسالة غامضة على هاتفها من رقم مجهول: **”فاكرة إن السر اللي خبيتيه عن عصام السنين دي كلها م,,ات؟ عصام عرف الحقيقة.. والحقيقة دي هي اللي هتدمرك.”** انق,,بض قلب كريمة، ونظرت إلى حسين بارتباك. كان هناك فصل مظل,,م من الماضي لم يقرأه أحد بعد، ويبدو أن عصام قرر استخدامه كسلاحه الأخير.

